مقدمة:

لقد أكملت كتابة هذه الورقة فى اغسطس 2017 ، لكنى لم انشرها كسلسلة مقالات ، بل قدمتها فى سبيل نشر المعرفة والوعى وسط الشباب والمهتمين كمحاضرات بالفيديو عن طريق البث الحى المباشر من خلال وسيلة التواصل الاجتماعى ( الفيسبوك) ، وكنت قد قدمت المحاضرة الاولى يوم 6 سبتمبر 2017 ثم تلتها سلسة الحلقات.

الاستعمار ودولة مابعد الاستعمار :
بعد إنجاز اوروبا للثورة الصناعية وإكتمال تمدد النظام الرأسمالى فيها ،عملت الدول الراسمالية على التمدد خارج قارتها لاشباع النهم الراسمالى و لتجنب ظاهرة ميل الأرباح للتناقص، فكان الإستعمار المباشر للمستعمرات فى افريقيا واسيا وامريكا الجنوبية.

كانت التشكُّيلة الإقتصادية الإجتماعية فى السودان فى فترة الاستعمار التركى المصرى تتكون من مجموعات التجار المتمكنة اقتصاديا وزعماء القبائل،زعماء الانصار والطرق الصوفية ذات التاثير الإجتماعى ، وعليه فقد اختار الإستعمار توازناته لِإعادة إنتاج نظامه الجديد فى السودان من هذه القوى الاجتماعية .
يتفق معظم المؤرخين على ان الاستعمار التركي المصري ومن بعده البريطاني لعبا الدور الأساسي في خلق السودان بحدوده التي استقل بها عام 1956م. هذا بالاضافة الى ضم دارفور مؤخرا الى حدود الدولة عام 1916م. كذلك سببت سياسة المناطق المقفولة شرخا واضحا وغائرا بين الشمال و الجنوب و التى لم تلغى الى فى نهاية عهد الحكم البريطاني.

عمل الاستعمار ونظامه الراسمالى على ايجاد الشرائح الاقتصادية الاجتماعية فى السودان و التى تورثة وتلعب دور وكيله المحلي ،وتكونت غالبا من التجار ، زعماء القبائل و طائفتى الانصار و الختمية الذين أُوكلتْ لهم مهمة تمديد النظام الرأسمالى وسط الأنماط القبل – رأسمالية للاقتصاد فى السودان.
فى نفس هذا الاتجاه، دعمت الإدارة البريطانية الإسلام التقليدي وشجعت إنتشار التعليم التقليدي وخلاوي القران.كما عملت على تقوية نفوذ الزعامات القبلية حيث منحتها صلاحيات (إدارية وقضائية معا) لم تكن تتمتع بها من قبل وفقا للأعراف القبلية التقليدية. وترسخ في وعي هذه القيادات القبلية إن مصدر سلطتها ليس مستمد من المجتمع والقواعد القبلية وإنما من إرتباطها بالسلطة المركزية وأدوات القهر والترغيب والترهيب التي تمتلكها السلطة.هكذا ادت سياسة الحكم غير المباشر الى تعزيز القبلية في مجتمع يعيش انماط اقتصاد قبل راسمالية . لما أطمان الاستعمار على ان النظام العالمى الرأسمالى، قد بدأ يعمل داخل المستعمرات من خلال الاقتصاديات المرتبطة به و التى اوجدها فى المستعمرات ، وتحت اشراف وكلائه المحليين عمل على الخروج التدريجى من المستعمرات.
حددت الحرب العالمية الاولى علاقة القيادات التقليدية السودانية الشمالية مع الادارة البريطانية بولاء القيادات السودانية التقليدة الكامل للسلطة الاستعمارية ووقوفها ضد الحلف الالمانى التركى ، وكانت بريطانيا تتخوف من انحياز القيادات التقليدية السودانية لدولة الخلافة ( تركيا).
وقد أرسل الزعماء الدينيون والفقهاء ، وشيوخ القبائل و الاعيان رسائل التاييد و الولاء للحاكم العام معربين عن مساندة بريطانيا ، واستنكار إعلان تركيا الحرب عليها . وقد جمع ونجت هذه الرسائل فى كتاب اشتهر باسم ( سفر الولاء) . وقد تكون لاحقا اغلب الوفد الذى زار لندن لتهنئة الملك بالنصر ، من بين اصحاب هذه الرسائل . ولقد تحدث السيد على الميرغنى و السيد عبدالرحمن المهدى مخاطبين الملك جورج الثانى.
جاء في خطبة السيد السير علي الميرغني ما يل:
وأستميح جلالتكم عذراً في القول إن القليل الذي بذلناه في الحرب إنما هو ثمرة ما غرسته حكومة جلالتكم في البلاد إنه- ببساطة- حصاد غرسكم الطيب وعربون امتنان لكم.
لقد جعلتم يا جلالتكم العدل أساس ملككم الواسع فسادت روح العدالة والسلام سائر أنحاء الإمبراطورية العظمى ونحن عندما نهنئ- جلالتكم- فإننا في واقع الأمر نهنئ بلادنا وشعبنا.
لقد فاضت قلوبنا بالفخر والولاء والحب لجلالتكم؛ لما رأيناه في سائر أرجاء بلادنا من سيادة روح الأمن والعدل طوال السنوات الماضية وما أظهرته حكومة جلالتكم من اهتمام بشؤون السودان وبذل التضحيات العظام في سبيل تقدمه وإسعاده مادياً ومعنوياً وإدخاله شعبه ضمن رعايا الإمبراطورية البريطانية وإننا نقدر- تمام التقدير- أن تقدم السودان في المستقبل يعتمد على صلاته بإمبراطورية جلالتكم ولذا فإننا نرفع أيدينا بالدعاء لله سبحانه وتعالى ونضرع إليه أن يمنح جلالتكم عمراً طويلاً وسعيداً، وأن يحفظ بريطانيا العظمى- رائدة الحرية والمدنية في العالم.
فليخفق علم الإمبراطورية البريطانية- طويلاً- على السودان؛ لتنشر في ربوعه السلام والهدوء ولتواصل السعي من أجل تقدمه حتى يأخذ مكانه المتقدم في أواسط أعضاء هذه الإمبراطورية وندعو الله أن يأتي- سريعاً- هذا اليوم الذي يمكن للسودان فيه من تحقيق هذه الغاية. وأخيرا نقدم- وبكل تواضع- إلى عرش جلالتكم كامل ولائنا وخضوعنا.
ثم ألقى السيد عبد الرحمن المهدي هذه الكلمة:
"يا جلالة الملك، أنتهزُّ هذه السانحة الكريمة لأضع في يدي جلالتكم هذا السيف التأريخي "سيف النصر" الذي كان عند والدي عربوناً حقيقياً للولاء والخضوع لمقام عرشكم السامي وأعدُّ نقل هذا السيف إلى جلالتكم دليلاً قاطعاً ومطلقاً في رغبتي في أن تعدّونني- أنا، وأتباعي- في السودان خداماً مطيعين لكم لقد أظهرت – ولسنوات بعد إعادة احتلال السودان- لرجالكم العاملين في السودان- وبطرق مختلفة- خدماتي وكامل ولائي وهنالك الكثير من أفراد شعبي الذين ينتظرون عودتي عقب مقابلتي جلالتكم ظافراً بكريم عطفكم ويتمنون أن يكونوا من ضمن رعياكم المخلصين وأنا الآن أعرض على جلالتكم خدماتي المخلصة والمتواضعة.
بالتأكيد سوف يندهش مستنكرا أى شخص سوى حين يتطلع على هذا الولاء الكامل و التمجيد الغريب و التأييد غير المشروط ، من قيادات الشعب السودانى لاعلى رموز السلطة الاستعمارية ، ممثلى الشعب الذى فجر الثورة المهدية وزلزل الارض تحت اقدام الاستعمار قدموا الولاء الكامل للسلطات الاستعمارية ، بينما كان الطبيعى و المنطقى و المنتظر منهم ان يضعوا امام السلطات البريطانية مطلب إستقلال السودان بعد نهاية الحرب كشرط للمشاركة الى جانبها فى الحرب.
ولكى ندرك حجم الخلل فى السياسة السودانية ، نجد ان نفس الزعماء الذين بزلوا القسم المغلظ واعلنوا الولاء الكامل غير المشروط ، هم انفسهم يتصدرون صبيحة يوم الاستقلال في الأول من يناير 1956- حفل إعلان استقلال السودان ، حيث جلس في ساحة القصر الجمهوري السيدان علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي.. وتولى السيدان إسماعيل الأزهري (رئيس الحكومة- ومحمد أحمد المحجوب- زعيم المعارضة- رفع علم السودان على السارية ).
على الرغم من نيل البلاد الاستقلال السياسى إلا انه لم تتحقق للشعب فرصة تقرير مصيره ، فالنخبة التى ورثت دولة مابعد الاستعمار لم تكن مهيئة لبناء دولة المواطنة و التحرر الوطنى ، ذلك انها تكونت من الافندية الذين ورثوا وظائف السلطة الاستعمارية و التجار وزعماء القبائل و الطوائف الدينية الذين ارتبطة مصالحم الاقتصادية بالدولة الاستعمارية.
كان الاجتماع التأسيسى لمؤتمر الخريجين قد انعقد فى 12 فبراير 1938 وحضره 1180 خريجا واشتمل على كل الخريجين المقيمين بالعاصمة المثلثة تقريبا وقلة من خارج العاصمة ،واجاز الاجتماع الدستور المقترح واطلق على المؤتمر (مؤتمر الخريجين العام) واهدافه (خدمة اهداف البلاد والخريجين واشتملت العضوية على الخريجين من المدارس السودانية والمعاهد فوق مستوى المدارس الاولية .وتم انتخاب لجنة من ستين عضوا" (اللجنة الستينية)) ثم انتخبت هذه اللجنة لجنة تنفيذية من خمسة عشر عضوا"، وعلى هذا ظهر اخيرا المؤتمر العام للخريجين على مسرح السياسة السودانية ،وانتخب اسماعيل الازهرى الذى حصل على اكثرية الاصوات لدى انتخاب اللجنة الستينية واللجنة التنفيذية ايضا سكرتيرا للمؤتمر ،وعبدالله ميرغنى مساعدا"للسكرتير ،والدرديرى محمد احمد امينا للصندوق ،وحماد توفبق محاسبا
وبدلا من ان تعمل النخبة المتعلمة التى كونت مؤتمر الخريجين والذى انبثقت عنه معظم الاحزاب السودانية فى ذلك الوقت ، بدلا ان يعملوا فى اتجاه تقرير مصير الشعب و الدولة بوضعها فى طريق التطور غير الراسمالى أو باستقلالها الحقيقى على الاقل من الدولة الاستعمارية واقتصادها ببناء اقتصاد سودانى مستقل ودولة مؤسسات.وبدلا من السير فى طريق تطوير البلاد ، طريق النضال السياسي الشاق من اجل بناء الدولة ، انحازت النخبة المتعلمة الى مصالحها الانية ، واختارت الطريق الانتهازى السهل بالتحالف مع الطوائف السياسية بعد الاستقلال مباشرة ، ودل ذلك على قصور خيالها السياسى ، وهشاشة وسطحية رؤاها الوطنية، وبذلك عجزت عن تبنى مشروع وطنى يعنى ببناء الدولة الوطنية ويحفظ حقوق وخصوصيات القوميات و الشعوب السودانية الثقافية ، السياسية و الاقتصادية. الامر الذى جعل البلاد تتخذ تطورا نكوصيا رثا يميز تطورها بالانحدار باستمرار من السيء للاسواء، وتتبادلها الانواء بين انظمة ديمقراطية سياسية من غير اى محتوى اقتصادى يعنى بمعاش الاغلبية الساحقه ولا خطط تنموية حقيقية وبين انظمة دكتاورية تنقلب على الديمقراطية قصيرة العمر دون ان تحفل الجماهير بذلك او تعمل على حماية الديمقراطية التى كانت شكلية سياسية مشوهة ، توفر بعض الحريات التى لاتهم إلا الطبقة الوسطى المتعلمة.
بالاضافة الى عدم وجود المشروع الوطنى الجامع العام لم يكن لمشاريع الاحزاب الطائفية التى تداولت السلطة بعد الاستقلال محتوى إقتصادى إجتماعى تنموى ويفضح ذلك من الوهلة الاولى شعارهم "تحرير لا تعمير " ، وكما كتب احد قادتها ومفكريها وهو محمد احمد محجوب فى القسم الخامس من كتابة الديمقراطية فى الميزان : (وبدأت مشاكلنا فور حصولنا على الاستقلال وكان السبب الاساسى فى هذه المشاكل واحدا ، فالاحزاب التى اما عملت من اجل الاستقلال أو عارضته وجدت نفسها فور تحقيق الاستقلال من دون اى هدف محدد ، و تتصارع من اجل محاولة تلبية إحتياجات البلد الحديث العهد ، كان الشيء الكثير متوقعا من الاحزاب ، فقصرت جميعها عن تحقيق هذه التوقعات ، إذ لم يكن لديها برامج مفصلة ومحددة لمعالجة النمو الاقتصادى الإجتماعى ، وكل قضية طرحت فى مرحلة ما بعد الاستقلال كانت تعالج وفقا لاهواء الاحزاب ، فى حين كانت هناك مشاكل ملحة ومستعجلة تتطلب العمل الفورى) . ذلك ان الاحزاب التقليدية لم تكن تجتزب اليها العضوية عن طريق البرامج ، الاقناع العقلانى ، بل كان اساس انضمام العضوية لها يعتمد على الانتماء غالبا للطائفة الدينية او الاعجاب الشخصى بالزعيم او بنسب الزعيم او طمعا فى بركات الزعيم الدينية او الدنيوية .
ونسبة لغياب المشروع الوطنى من جهة وضعف المشاريع الحزبية من حهة اخرى فإن النموزج الديمقراطى الليبرالى الذى عرفه السودان فى كل العهود الديمقراطية عبارة عن ديمقراطية شكلانية مائعه لا تأبه بالرعاة و المزارعين فى اطراف البلاد الاربعة ولا تعنيهم فى كثير او قليل، بل لاتعنى حتى اغلب فقراء المدن فى بلد امى يقبع منذ استقلاله تحت سلطة علاقات اقتصاد شبه اقطاعى . دميقراطية سياسية لاتعنى بتوفير الغذاء و العلاج و التعليم للمواطنين ، لاتكترث بالعدالة الاجتماعية والفرص المتساوية فهل يعباء المواطنين بها؟

*صحفى وباحث سودانى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////