خارج المتاهة /

————————

رأينا في الحلقات السابقة كيف ان وجود الاحزاب ونشاطها قديم في السودان ، وبظهور اليسار (بزعيمه الشيوعي ودوره التاريخي) انتعشت الحركة النقابية والاتحادات الفئوية ، ومع ذلك ، ظلت تجربة الاحزاب والتنظيمات الفئوية تعاني غياب التقاليد الديمقراطية الصحيحة والتي تدعو لها نفس تلك الاحزاب والاتحادات ، وحدها الحركة النقابية هي التي تمتعت بدرجة معقولة من الممارسة الديمقراطية ، اذ ، ورغم وجود الاحزاب والحزبيين فيها ، كانت تمتاز باتساع قاعدة المستقلين ، المنتمين فقط لمصالحهم الطبقية في شروط الخدمة والاجور والامتيازات ، الشيء الذي وفر لها قدراً من الاختيارات الحرة .. لاحقاً ظهرت تنظيمات باسم المستقلين خاصةً في الوسط الطلابي ، وجدت تأييداً واسعاً من القواعد مما أغري الاحزاب ان تلتف حولها و (تزرع) عناصر منها داخلها من اجل قيادتها في الاتجاهات التي تريدها (تلك الاحزاب) في أسوأ شكل من أشكال التحايل الحزبي وبذلك تم اجهاض تجربة المستقلين .. كذلك كانت تجربتنا فيما أسميناه ب (الشخصيات الوطنية) في اجواء ثورة أكتوبر ١٩٦٤ والممتدة حتي اليوم ، هي تجربة كاذبة ، يشوبها الاستهبال الحزبي أيضاً ، فغالبية تلك الشخصيات الموسومة ب (الشخصيات الوطنية) هي عناصر حزبية بل قيادية في أحزابها ...
اول ظهور لمنظمة سودانية تعني بحقوق الانسان -فيما اعلم- هي المنظمة التي ظهرت في بريطانيا باسم : (امنستي سودان) أسسها التحالف الذي نشأ آنذاك بين الحزب الاتحادي وحزب البعث في نهاية سبعينات ومطلع ثمانينات القرن المنصرم ، والتي قامت بادوار كبيرة في الدفاع عن المعتقلين في السودان وفضح نظام نميري في هذا المجال ، وكسبت ثقة المنظمات الدولية المماثلة وأصبحت مصدراً اساسياً لها في شؤون السودان وحقوق الانسان فيه ، رغم ذلك كان اساسها موغلاً في الهيمنة الحزبية وعقلية التفرد عندما نصت في وثائقها ان رئيسها وامينها العام يبقيان في ذينك المنصبين مدي الحياة !!!!
لاحقاً ، وفي اجواء انتفاضة ١٩٨٥ والفترة الانتقالية التي تلتها ، قام لفيف من المهنيين والأكاديميين والسياسيين الديمقراطيين بتأسيس منظمة لحقوق الانسان ، ولكن سرعان ما وقع انقلاب الإنقاذ العسكري/الاسلامي الذي حظر ولاحق كل الاحزاب والمنظمات لينفرد الاسلاميون بالعمل السياسي والنقابي والاعلامي عن طريق الفصل والتشريد والتزوير .. وأمام قمع الأجهزة الأمنية وجبروتها أظلنا زمن هجرات السياسيين وعموم الناشطين المدنيين الواسعة للخارج ، لكننا هاجرنا ونحن نحمل معنا نفس أمراضنا وتجاربنا الشائهة ، خرجنا الي عالم يحتفي بالانسان وبالمنظمات التي تدافع عن حقوقه وتدعمها مادياً وعينياً ، وكما قلت في موقع اخر واصفاً المرحلة الجديدة ، مرحلة الهجرة والنشاط في الخارج : ( إذاً ، بدأنا عهداً جديداً خارج السودان ، عهد المنظمات الحقوقية الانسانية كتجربة جديدة لها مصادر دعم مالي ، فأسسنا بعض المنظمات وأهمها " المنظمة السودانية لحقوق الانسان " و " المجموعة السودانية لضحايا التعذيب " .. وعرفنا وسائل العمل الحديثة من إدارة وتدريب وورش عمل ... الخ ، لقيادة مثل هذه المنظمات ، وأصبح هنالك إداريون متفرغون بمرتبات ، كحق مشروع للمتفرغ للعمل في مثل هذه المنظمات .. ولاننا - كما اسلفت - اتينا بنفس العقلية والتقاليد التي نشأنا عليها ، عقلية الهيمنة والتحيز الحزبي ، قمنا بالإجهاز عليها ..)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////