نشرت أمس مقالة بعنوان (الصادق المهدي في بريطانيا: الحشمة.. لزوم البروتوكول)، حملت ملاحظات محددة وبعيدة عن الأعراض والشرف “كما يظن أصحاب الفكر المنحرف”، فهذا ليس موضوعي إطلاقاً.

جاء رد بعض “الحالمين” بالتغيير في السودان، مطالبين بضرورة التركيز على ما أسموه مشكلات البلد الأساسية “الخبز والدقيق، والوقود.. إلخ”، ذلك عوضاً عن الكتابة في ملامح التفسخ القيمي والأخلاقي وضرورة احترام الشخصيات القومية كما هو حال الإمام الصادق المهدي.
هؤلاء يدركون اننا كتبنا عن هذه القضايا حتى جف مداد أقلامنا، وان قناعتنا اليوم هي ان نقطة الانطلاق لتغيير النظام تبدأ من تغيير الممارسات العامة لبعض الفئات المعارضة.
قد لا يختلف اثنان في أن سلوكيات “بعض” المعارضين -أو بالأصح من يزعمون المعارضة ويسمون أنفسهم بالمناضلين- بالشكل المطروح حالياً لن يغير أكثر أنظمة الحكم ضعفاً في العالم ناهيك عن نظام الإنقاذ الذي يدرك حقيقة ضعف هذه المجموعات التي من بينها من هم بهذه الهشاشة والهوان القيمي والمبدئي والأخلاقي والديني.
ثم لماذا، وكيف تريدون تغيير النظام بمقال واحد من العبد الفقير لله، أو آخرين من الزملاء والزميلات؛ أكتبوا أنتم عن التغيير واتركوا المساحة لغيركم ليكتبوا عن ممارسات يَرَوْن انها انتهت من المعارضة نفسها، وذلك املاً في إعادة روح الفعل الجماعي المؤدي إلى التغيير الحقيقي الذي لا يقتصر فقط على إزاحة هذا الزعيم أو ذاك.
ثم أن نقد المعارضة في وجهة نظري يَصْب في محاولات الحصول على أجسام معارضة قوية، وهذا يَصْب في مجرى محاولات الجميع لتغيير نظام الحكم في السودان وتغيير البنية الهيكلية للدولة وفق أسس قومية واخلاقية متوافق حولها.
كما أنه لا يجب ان تعوّلوا على مثل هذه الأقلام طالما انكم في قرارة أنفسكم غير مقتنعين بما تكتبه من “آراء لا تتواءم مع أمزجتكم المختلة”.
منطقكم فضحكم، فمن لا يعتد الناس بكتاباته عن التفسخ الأخلاقي والقيمي لا يجب عليهم أن يطالبونه بالكتابة عن التغيير السياسي الذي هو أصلاً عرض مرضي لواقع اجتماعي مترد ومنحل أنتم تشكلون الجزء الأكبر منه.
بكل أسف أقول هنيئا لنظام الإنقاذ في السودان بالحكم ربما لربع قرن جديد، أو كما قال أحد قادته في حوار صحفي أجريته معه من قبل “ليس فقط 25 عاماً بل 50 عاماً”، هذا لو انكم بهذه الدرجة من الخواء القيمي والسقوط الأخلاقي.
ما أعرفه -بل ومتأكد منه- هو سقوط بعضكم في امتحان المبادئ “ملايين المرات”، تحديداً أولئك الذين انتهوا إلى مشاركة النظام الفاسد نفسه بتخليهم عن شعارات النضال والتغيير، واستئثارهم بمعظم المكاسب الناتجة عن دخولهم البرلمان وشغلهم للمناصب الوزارية والحكومية قبل العودة إلى مقاعد المعارضة ليرفعوا سقف مشاركتهم من جديد بعد ان ذهبت منهم هذه الامتيازات من قبل، ونحن لسنا بلهاء.
يا من انكفأتم على أعقابكم، القضية أعمق من الحديث عن طرحة هنا أو هناك لغطاء الرأس أو الصدر عند مقابلة الزعماء بغرض الحفاظ على مكانتهم السياسية والدينية والرمزية، القضية تكمن في سقوط ستار الحشمة نفسه عن المبادئ والقيم أولاً وليس المظهر العام فحسب، فكروا بعمق وحاوروا بمنطق!.
من الطبيعي في الإعلام اننا نحتاج إلى تفاعل حر وصادق من المتلقين ليكونوا أحد أهم الموجهات الأساسية للكتابة وصولاً لصناعة التغيير، ولكن ليس على طريقة هؤلاء الإقصائيين الذين أعنيهم، لذا وجب أن نقول شكراً لمن تفاعلوا إيجابا وبتهذيب، وما أكثرهم؛ فقد طمأنوني بأن السودان لا يزال بخير رغم الضوضاء التي يحدثها المتفسخون.
ثمة مطالبة من البعض للإعتذار، ولكن قناعتي الراسخة عند كتابة الرأي “أن لا تراجع″، لأني لا أكتب إلا عندما أتأكد -تماماً- بأن أي حرف أكتبه يرضي الله أولاً، وضميري ثانياً، وحروفي (غير مدفوعة الأجر) ومهنيتي ليست للإبتزاز والمزايدات، فلا تحلموا وتنتظروا، لأن المؤكد أن انتظاركم سيطول، وسيطول جداً.
وكما يقول العقاد: “إذا عجز القلب عن احتواء الصدق عجز اللسان عن قول الحق”.
والسلام على من اتبع الهدى.
كاتب سوداني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.