هنالك قصة معروفة في كتب المطالعة بالمدارس الابتدائية من قبل ان تتحول الى أساس ،وقبل ان يتغير السلم من سداسي الى ثماني، والقصة للاجيال التي جاءت في العهد الذي تلا ذلك الزمن ، تقول ان هنالك قردا أصابه العمش وهو غشاوة على البصر تجعل النظر ضعيفا يحتاج الى معالجة ،والقرد والذي دائما ما يقلد الانسان حاول الاستفادة من لبس النظارة لمعالجة مشكلة نظره ،ولكن القرد لم يضع النظار في عينيه وقيل ان وضعها على رأسه ولم تتحسن عنده الرؤية ووضعها على رقبته ولم يحدث تطور واخيرا وضعها على ذيله ولم يكن هنالك جديدا بالتأكيد، ،فما كان منه الا ان حطم النظارة ،وقال ما أغبى هذا الانسان هل قطعة من الزجاج والحديد تعيد للانسان بصره ؟.
تذكرت هذه الواقعه وانا أقرأ تصريحا للدكتور محمد خير الزبيرالمفاوض الوطني لانضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية ، والذي طالب فيه البنك المركزي بمراجعة قراراته القاضية لحظر اي تنفيذ عمليات استيراد بواسطة المصارف الا بعد الحصول على مواقفته ،وحظر الاستيراد عبر الموارد الذاتية للعملاء الجانب حظر الاستيراد دون تحويل قيمة حتى يتماشى الوضع مع حرية التجارة والاقتصاد الحر.
وقال ان قرار حظر بعض السلع يتعارض مع مبدأ أساسي من مبادئ منظمة التجارة العالمية، الذي يشدد على عدم حظر أي سلع من التنافس الداخلي -عدا الرسم الجمركي المعتمد.
والدكتور محمد خير الزبير الاقتصادي المعروف ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي ورئيس القطاع الاقتصادي بالمؤتمر الوطني الأسبق ، بالاضافة الى تجربته الكبير في عمل المصارف وغيرها ، يعلم علم اليقين ان الحكومة لجأت الى هذه الاجراءات من أجل معالجة مشكلة قائمة وهي الشح في النقد الاجنبي ،وتوظيف الموجود منه للاحتياجات الضرورية مثل الدواء وغيره من الاحتياجات الضرورية التي تكون في أول سلم أولويات الحكومة ، والامر الثاني وهو حظر الاستيراد بواسطة المصارف الا بعد موافقة البنك المركزي فان هذا الاجراء جاء لسد الثغرات التي ينفذ من خلالها المضاربون في العملة او الذين يريدون الاستحواذ عليها بالسعر الرسمي ليستفيدوا من فرق السعر في السوق الموازي ، وهذا بالضبط ماحدث من شركات الادوية الوهمية والتي استحوذت هي على ملايين الدولارات دون ان توجه تلك الاموال الى وجهتها الصحيحة ، وهذا التساهل من البنك المركزي والتحايل من تلك الشركات أفقد البلاد الكثير من احتياط النقد الاجنبي الموجود في البنك ، والسيد المفاوض الوطني ومن خلال تجربته وخبرته يعلم كل تلك الاساليب والتي مرت عليه من خلال توليه تلك المواقع ، والتي أوقف منها الكثير وفات عليه الأكثر ،اما مسألة الموارد الذاتية فهي ايضا ذات مخاطر كثيرة يعلمها الدكتور قبل غيره ،ولعل من اولى هذه المخاطر داخليا هي ارتفاع سعر العملات الصعبة ،ويتسع الراتق مابين السعرين الرسمي والموازي، اما تحويلات المغتربين تكون ايضا تحت رحمة هؤلاءالتجار الذين يلاحقونهم في مواقعهم في بلدان الاغتراب،وبالتالي لاتستفيد البلاد من تلك الموارد، وهذه الاجراءات التي توصل إليها الطاقم الاقتصادي، ان كان في الحكومة او الحزب هي في النهاية نتاج لخلاصات تفكير هؤلاء النخبة بغض النظر هل حققت الفوائد المرجوة منها ام لا ؟، ولكن الدكتور محمد خير الزبير،جاء ليقول ان تلك الاجراءات التي أرادت الحكومة ان تجد فيها حلا لمشكلة قائمة وذات تأثيرانها سببا في تعثر انضمام السودان لنظمة التجارة العالمية ،وكأنه( أكتشف الذهب) والسؤال الذي يطرح نفسه هل لو تراجع البنك المركزي من تلك القرارات هل سيصبح الانضمام المنظمة العالمية سالكا ؟ أم ان هنالك خطوات أخر؟ وهل تلك القرارات والاجراءات سيكون لها اثرا في توفير النقد الاجنبي وحمايته من المضاربين بعد التراجع عنها ؟ وهل هذا التراجع سيفاقم من تلك الحالة الصعبة التي عاشها الشعب السوداني بسبب شح في النقد الاجنبي؟،وهل الافضل الانضمام للمنظمة العالمية؟ أم يزداد الحال سوءا اذا تم التراجع عن تلك القرارات ؟وهل يريد الدكتور محمد خير الزبير ان يحقق كسبا شخصيا ليكون له شرف أول مفاوض وطني ينجح في انضمام السودان لمنظومة دول تلك المنظمة العالمية ،حين فشل كل مفاوض وطني سبقه الى هذا الموقع وكان اخرهم الدكتور حسن أحمد طه والذي تقارب سيرته الذاتية سير محمد خير الزبير وقد يكون هنالك فارقا بسيطا بينهما ،واذا أعتبرنا حديث المفاوض الوطني ان تلك القرارات التي اتخذها البنك المركزي، هي التي تقف حجر عثره في طريق الانضمام للمنظمة العالمية ، فهل الاقتصادي السوداني بتلك الوضعية هل هو قادر على مجاراة ما يترتب على الانضمام دون آثار جانبية ؟ ، خاصة وان الأراء تتضارب حـول الـدور الذي تقـوم به هـذه المنظمه ، فهناك من يسانـدها ويـرى أنها تعمـل على ازدهـار التجـارة العالمية، وترفـع من مستـوى الـدول الناميـه وهناك من ينظـر لهـا بعيـن الشـك والريبـة ، وأنهـا مجـرد أداة فرضتهـا الـدول الصناعية المتقدمة والشركـات متعـددة الجنسيـة ، لترسيخ اعتماد الدول الناميـة على الدول الصناعية المتقدمة ، بالاضافة الى ان اتفاقيات منظمة التجارة العالمية تنص على أن الوسيلة الوحيدة المسموح بها لحماية الإنتاج المحلي من منافسة السلع الأجنبية هي الرسوم الجمركية، وإن أية ميزة جمركية تعطيها دولة لدولة أخرى تصبح عامة تستفيد منها جميع الدول الأعضاء بحسب مبدأ الدولة الأولى بالرعاية الذي يمنع التمييز بين الموردين المحليين والأجانب، ومبدأ عـدم التفرقـه بين المنتج المحلي والمنتجـات المستوردة .
ولكن المفاوض الوطني يقول ان حجم السلع التي تم حظرها بموجب هذا القرار تمثل أقل من 2% من الواردات و1% من ميزانية الدولة،ومعنى كلامه ان لاتساوي شيئا وبالتالي يمكن الاستعاضة عن حظر تلك السلع ، كما أقترح المفاوض الوطني ،ان تتم الاستعاضة عنه بزيادة الرسوم الجمركية لتحد من استيراد السلع التي لا ترغب الدولة في استيرادها، والسؤال الذي يطرح نفسه ايضا ألم تكن تلك الحلول التي طرحها المفاوض امام الفريق الاقتصادي الذي أقر تلك القرارات حاضرة في وقت النقاش؟،او لم يكن المفاوض الوطني جزءا من الفريق الاقتصادي الذي أتخذ تلك القرارات التي نفذها البنك المركزي؟ ، حتى وان لم يكن المفاوض الوطني جزءا من هذا الفريق ، هل فات على تلك النخبة الأقتصادية أمرا مثل هذا ،وهي تستصحب كل تلك الحلول ؟ أم ان المفاوض بهذه الحلول تفوق على زملائه .
وبغض النظر من صحة القرارات التي أتخذها البنك المركزي لمعالجة شح النقد الاجنبي ، وبغض النظر عن الحلول التي طرحها المفاوض الوطني بشأن تلك القرارات حتى يتثنى للسودان للانضمام لمنظمة التجارة العالمية ،فان هذا التباين بين أهل الاختصاص في الاقتصاد ، أصبح حالهم مثل حال الأعمش الذي لم يضع النظارة في مكانها الصحيح ليرى نتيجة ذلك ،وقال قولته المعروفة هل قطعة من الزجاج والحديد هل تعيد للانسان بصره ؟ والقصة تهدف إلى انه إن لم تضع الأشياء في موضعها الصحيح فان النتائج لن تكون صحيحة ،والسودان بإمكانياته وموارده الكبيرة ،والتي هي الآن محلا لأطماع الكثيرين ، تبحث عن من يضع النظارة في مكانها الصحيح حتى يستعيد السودان بصره .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////