( 1 )

فكرة الإسلام السياسى فى حد ذاتها فكرة (شاذة)، ولا يؤمن ويقتنع بها إلا من فارق الواقع وتأبى طبيعة الأشياء، أو من كان لديه استعداد فطرى لذلك. وبالتالى ،فإنه متى ما تمكن المؤمنون بتلك الفكرة من السيطرة على مقاليد أى مجتمع أو دولة؛ سرعان ما يقلبون الموازين التى كانت تضبط كل أنواع الحراك السائدة في ذلك المجتمع وتلك الدولة لصالح كل ما هو شاذ، حتى يكتمل تغيير مسار تلك الموازين عن الناموس المعتاد ، ليتجه عكس عقارب الساعة، يشق درباً موازياً ،عبر الخنادق والأقبية، وليس من خلال الأبواب والنوافذ المشرعة التى يطل عبرها سنا الفجر وأنجم المساء .

( 2 )

(الطبيعى) فى كل مجتمع ودولة أن يتسنم قيادة الكيانات من توفر فيه علم و زانه خلق، ولكن فى ظل حكومات الإسلام السياسى تنعكس الآية تماماً ، وتتغير المعايير المتعارف عليها للموهبة والكفاءة و الأخلاق، بحيث تسلم الزمام لحملة جرثومة الإجرام ، وتترك قيادة الرسن لمن حازوا أرفع الدرجات في الجهل العريض ،ويطلب الرأى و إسداء النصح من المصابين بالذهان والاضطراب النفسى ،و ينشد التخطيط ممن تجلت فيهم موهبة ومهارة الانتهازية ، و يسأل عن التنمية أولئك الذين يمنحون مفاتيح المؤسسات بغرض إدارة شئونها نهاراً ونهبها ليلاً .

( 3 )

فى ظل تلك القيادات، وبمرور الزمن ، تتخلص البلدان من عبء حدودها ورهق موانئها ، وتفقد الجيوش احترافيتها وهيبتها، وتحيد الأجهزة الشرطية والأمنية عن واجبها فى حماية المواطن نحو ترويعه وسلب ممتلكاته، فيطل الظلم بعنقه حتى يستوى عوده ويطرح شجره ثمراً ،وتنزوى كل أنواع الفنون السامية لصالح التهريج والتطبيل، ويختفى العلم بعد أن يسلم الراية طواعية ليد الجهل والأمية، وتحل القذارة أمكنة النظافة ، ويحتل القبح مواطن الجمال. بعدها ،يكون الشرف والعلم منبوذين ، بينما الوضاعة والجهالة واللصوصية موضع احتفاء وتقدير ، عندها لامناص أن يدين المجتمع بدين ( ملوكه) وتتفشى الجريمة وتتنوع أساليبها وتصبح هى سيدة الموقف بحماية مرتكبيها ، فيكون سقوط المجتمع والدولة فى براثن الشذوذ بكل أنواعه قد اكتمل له قمرٌ .

( 4 )

دولة الظلم مهما طال أمدها، وتدثرت بالسواد لياليها، واحتلت الرعود سماءها ، واستوطن اليأس النفوس، وطغى الخوف على القلوب، لابد للطبيعة من أن تفرض سنتها وقوانينها ، بأن تخرج شمسها ذات صباح من بين أغصان الشجر، برفقة شقشقة العصافير وخرير المياه ...يومها سيكون الوطن نغمة ترددها الشفاه، عندما ينطلق الصغار ، محفوفين بالبراءة ،لا يعتريهم خوف أو وجل، نحو قلاع العلم و النور، بعد أن تندك خنادق الجهل، وتبرأ الأنفس من كل دنس وعلة وشذوذ، ويجتث من الأرض جزع الخراب . إن الصبح موعدنا، أليس الصبح بقريب؟ !

محمود، ، ،

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.