ظل المثقفون السودانيون يرددون مقولة السيد المسيح المأثورة : (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) , منبهين اولئك الذين لا يعيرون لمبدأ (إقرأ) أي اهتمام , في تلك العهود التي خلت من قبل , وسبقت مجيء المشئومة (الانقاذ) , حينما كان الترف الفكري وحب القراءة يستحوذان على حيوات الناس , حيث كانت البطون مشغولة بما لذ وطاب من خيرات البلاد , من فاكهة وخضار و لحوم حمراء و بيضاء تعج و تضج بها أسواق مدن السودان , فما كان من شيب وشباب تلك الأزمنة إلا وأن يركنوا إلى قراءة روايات يوسف السباعي وقصص وأحاجي أجاثا كريستي , وما فتئوا يطلعون على الوارد من مجلات و صحف العالم و الإقليم , من شاكلة الدستور و الدوحة والعربي و روز اليوسف , فصدقاً كان لهم كامل الحق في الاستخفاف بالذين لا يندغمون معهم في دهاليز تلك الظاهرة الحميدة للتثاقف و المثاقفة , وتبادل الكتب و الأفكار , والتي استشرت و انتشرت في طول البلاد و عرضها , و غمرت حياة الناس بالمتعة والإمتاع في رحلتهم اليومية مع تعاطيهم للكلمة المقروءة في ذلك الزمن الجميل , حدث كل ذلك لأن حاجات الناس من الغذاء و الدواء و الكساء و التواصل كانت مشبعة , والترفيه في دور السينما والمسرح و السهرات الغنائية في الحدائق العامة كانت برعاية مؤسسات الدولة , حيث حرية التنقل مكفولة للجميع دون كوابح قوانين حظر التجوال المكبلة للحريات الشخصية , فشهدت تلك السنون والأيام ميلاد جهابذة الفكر و السياسة و الأدب , و سطوع نجم أساطين الطب و الهندسة و الصيدلة و الرياضيات و المحاسبة , وحفلت بظهور مشاهير الفن التشكيلي و الغنائي و الموسيقي وكرة القدم , فكما أخبرنا علماء الإجتماع أن أولى أولويات حاجات الآدمي طلباً للإشباع , هي الحاجة إلى المأوى و المسكن , ثم تليها حاجة الإنسان إلى المأكل و المشرب , فالمشرد لا يبدع و لا تتأتى له أسباب السياحة الفكرية الراتبة و الإيجابية بين سطور الكتب , ولا يعرف الغوص في تفاصيل غموض اللوحات السريالية , بسبب فقدانه لحقه الدستوري الأصيل في الاستقرار و الأمن والأمان الإجتماعي و الإقتصادي , وكذلك الجائع لا يبتكر ولا يمكنه ان يكون مواطناً صالحاً في حالات كثيرة , و بما أن (الجوع كافر) , فسوف يكون مصير هذا المواطن الجائع أحد أمرين لا ثالث لهما , إما أن يسلك طريقه إلى عالم الجريمة , أو أن يخطو بخطواته الثابتة نحو ساحة وميدان الإنتفاض والهياج ضد من أوصله إلى هذا الدرك السحيق من الذل والقهر و الإهانة , لكي يسترد حريته وكرامته المسلوبة و التي لا تشترى بالذهب.

في بلاد السودان تتمدد السهول و الأراضي الخصبة والمنبسطة شرقاً وشمالاً وغرباً وجنوباً , وتتسابق الأنهر و الخيران التي تجري تحت هذه الأرض وفوقها ماءً زلالاً عذباً صالحاً للزراعة كذا وللشرب , هذا الماء الذي يمثل محوراً للتنافس بين البلدان التي لوثت البحار المالحة والصناعات الحديثة مياهها و هوائها , فانه من الممكن جداً ان تتم تعبئة و تصدير هذا الماء الحلو المذاق , إلى أولئك الذين يلهثون ويكابدون المشاق وراء الحصول عليه بالعملات الصعبة , ليعود إلينا هذا النبع السلسبيل النقي بالدولار الأمريكي صاغراً مجندلاً ومقذوفاً في خزينة البنك المركزي , ولو يعلم الساسة من أبنائنا وحكامنا أن سعر (اللتر) الواحد من هذه المياه العذبة و الطبيعية يتجاوز سعر (لتر البنزين) في البلدان التي تعاني شح مياه الأنهر هذه , لتركوا سعيهم المحموم من أجل الحصول على بترول (هجليج) الذي اصبح بين يدي دولة جارة , لقد كذب الإنقاذيون عندما قالوا أن هذه البلاد واسعة شاسعة وتصعب عملية إدارة دفتها , و نافقوا أيما نفاق عندما ارتموا في احضان الجار القريب (الخليج) و الصديق البعيد (الصين) , بحثاً عن القروض و الديون و العطايا لينعشوا بها روح اقتصاد البلاد , الذي ونتيجة لسياساتهم الخرقاء والطائشة دخل غرفة العناية الفائقة , وليعلم (محمد أحمد) المسكين أن الغيبوبة التي حلت باقتصاد بلاده لن تزول , إلا بخروج الطاقم الطبي الفاشل الا وهو (حكومة الانقاذ) , من غرفة إنعاش الإقتصاد الذي يحتضر , والذي يتمدد بداخلها في غيبوبته التي طال أمدها , فعلى (الانقاذ) ان تخرج أيضاً من حياة محمد احمد وشئونه غير مأسوف عليها , وإلا قام هذا (المحمد أحمد) المقهور والمجبور باخراجها عنوة و قوة واقتداراً , فالبلاد لا حاجة لها بقروض الصين و اليابان ما دامت أرضها مكتنزة للذهب والفضة في أحشائها , وطالما الخيل المسومة و الامطار الغزيرة و الانهر العظيمة راكضة وجارية على سطحها.
لقد أدخل الإنقاذيون الناس في الجدال البيزنطي والسفسطة , وإشغال الناس وإلهائهم بالغيبيات و الما ورائيات , و قاموا بتحويرهم لمقاصد ومعاني أحد أركان الأيمان , وهو الإيمان بالقدر خيره وشره , وجعله مطية يهربون عبرها من مسئولياتهم المباشرة تجاه الوطن والمواطن , فبالأمس القريب تهربت وزيرة التعليم عن واجبها تجاه الحفاظ على ارواح التلميذات اليافعات , اللائي متن وقضين تحت ركام انهيار احد الفصول الدراسية , فقامت الوزيرة دون حياء او وازع إنساني وعلّقت خيبتها و فشلها على شماعة الأقدار , و اليوم يشطح رئيس اللجنة المالية و الأقتصادية وشؤون المستهلك بتشريعي ولاية الخرطوم , فيوصم دعاة محاربة الفقر بانهم يحاربون الله سبحانه جل جلاله , الذي هو اسمى من هذا الهراء الذي يستفرغه هذا الرمز الانقاذي الفاشل , ولعلي به لم يقرأ سيرة المصطفى عليه افضل الصلوات و اتم التسليم , ولم يطلع على سيرة باب ومدخل مدينة العلم , سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه و ارضاه , الذي تنسب إليه تلك المقولة الشهيرة في شأن الدعوة إلى محاربة الفقر وهي : (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) .
سوف تظل الخدمات الأساسية , من مسكن آمن وصحة و تعليم و مأكل و مشرب ومواصلات , من اوجب الواجبات الواقعة على عاتق الحكومات و الأفراد الذين يعتلون الوظيفة الدستورية العامة , المنوط بها تسهيل وتذليل حياة الناس اليومية وإحتياجاتهم , و لا يجب الزج بالجدل الديني و الايدلوجي في مداولات واجتماعات المجالس النيابية و الأجهزة التنفيذية و الرقابية , التي تعتبر مجرد وسيلة من الوسائل الإدارية و التنظيمية , التي تنحصر مهمتها الأساسية في العمل الدؤوب لتحقيق الأمن و الأمان الأقتصادي والاجتماعي , و توفير لقمة العيش الكريم للمواطن , و ان لا يكون الوصول إلى هذه الأجهزة الحكومية غاية في حد ذاته , حتى لا يتم استغلالها من قبل الانتهازيين و الوصوليين و الطفيليين في إشباع رغبات الذات المنحرفة , و إنجاز الطموحات الفردية الشاذة لهؤلاء الأشخاص الذين يدخلونها بتكليف من هذا المواطن الفقير , تماماً مثلما فعل (الإنقاذيون) , الذين ما زالوا يستمرأون هذا الفعل الشنيع , وما برحوا يفعلون الأفاعيل الآثمة بمقدرات شعب أغناه الله فوهبه أرض بكر وحلوب , هذه الأرض التي استباحها المرابون (الإنقاذيون) , فصدق الشاعر الهميم يحي فضل الله حين قال : (فيا جميلة خبّريني كيف بدلنا الكذوب في انتظارك بالكذوب).

اسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.