أعلن النشطاء السودانيون والمجتمع العالمي لحقوق الإنسان النصر عندما نجت المرأة السودانية البالغة من العمر 19 عاماً، نورة حسين، من عقوبة الإعدام. وقد حُكِم عليها بدلاً من ذلك بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة قتل زوجها دفاعاً عن النفس، حيث حاول اغتصابها عندما كان عمرها 16 عاماً. حال صدور خبر قرار المحكمة الأولي الخاص بعقوبة الإعدام في أوائل مايو، بادر النشطاء السودانيون باستخدام الهاشتاق (#انقذوا نورة) و (#انصفوا نورة) علي تويتر وفيسبوك. في غضون أسبوع، جذبت هذه القصة انتباه المنظمات الدولية الرئيسية مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة العفو الدولية والاتحاد الأوروبي، والتي أصدرت جميعها بيانات ضد الحكم. قام مدون من الشتات السوداني بكتابة عريضة في موقع Change.org مهرها ما يقارب 1.7 مليون متضامن من جميع أنحاء العالم بتوقيعاتهم. كما استخدم مشاهير مثل روز مكجوان وإيما واتسون ونعومي كامبل ورئيسة الوزراء الأسترالية السابقة جوليا غيلارد منصاتهن للتعبير عن رأيهن.

في غضون بضعة أسابيع، ألغت محكمة سودانية أعلى حكم الإعدام وأستبدلته بحكم بالسجن لمدة خمس سنوات، وهو حكم فظيع ومروع لا يزال. وسجون السودان معروفة بوحشيتها وحالات تعذيبها الجامحة والمنفلتة.
عناوين الاخبار في وسائل الإعلام الدولية وصفت الفوز بأنه انتصار للمجتمع الدولي لحقوق الإنسان وحركة "أنا أيضاً" على النظام السوداني المتهالك الحريص على تهدئة الحكومات الغربية بعد أن قمع شعبه لما يقرب من 30 عاما. وبافتراض أن ملف القضية قد قفل، تحول الاهتمام الدولي إلى أهوال أخرى.
للأسف، عاودت القضية الظهور مرة أخرى في الأسبوع الماضي عندما قدم المدعي العام للحكومة استئنافًا بإعادة إصدار عقوبة الإعدام الصادرة ضد نورة، ولم يسجل ذلك سوي ذبذبة خافتة على الرادار الدولي. ما هو أكثر من ذلك، نورة ليست حالة معزولة. في نفس تاريخ صدور الحكم على نورة سُجِنت ويني عمرلأكثر من أسبوع، وتعتبر ويني ناشطة بارزة في مجال حقوق المرأة في السودان، وشاركت في الحملة نيابة عن نورة. اعتقلها ضابط شرطة لأنه ببساطة "لم تعجبه طريقة مشيتها"، مما أدى إلى اتهامها البغاء وجرائم ضد الدولة. وهي الآن تواجه عقوبة الإعدام.
في حين أن الاهتمام الذي جلبته حملة "أنا أيضاً" إلى قضية نورة أدى إلى نتيجة إيجابية، فإن فكرة "إنقاذ حياة إنسان" دون إلقاء الضوء على الأسباب الهيكلية التي مكنت من اضطهادها في المقام الأول يجب أن تكون موضع شك. "كل الافتراضات [من الغربيين] حول النساء في الشرق وافريقيا لعبت بشكل غير مقصود دوراً إيجابياً في حالة نورة"، قال أمجد فريد الطيب، وهو ناشط في حركة "التغيير الآن"، وهي المجموعة التي سلطت الضؤ علي أبعاد الحكم الابتدائي. "نورة كانت لها قضية حقيقية، وحققت حملة مناصرتها نجاحاً. لكن ما حققته الحملة هو شيء صغير في ميزان [الانتهاكات] التي تحدث بالفعل."
في أحيان كثيرة يأخذ النهج القانوني الغربي لحقوق الإنسان أهوال وظلمات نساء العالم كل علي حدة، مع بعض الافتراضات السالبة التي تخلق ديناميكية "نحن" و "هم". ومع ذلك، هناك تواطؤ بين الحكومات الغربية والأنظمة القمعية مثل الحكومة السودانية أكبر بكثير مما قد يوحي به ظاهر الأمر. على سبيل المثال، قام الاتحاد الاوروبي بتخصيص ملايين الدولارات للحكومة السودانية لضمان "أمن الحدود" بهدف وقف تدفق المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا. وقد ذهبت هذه الأموال مباشرة إلى قوات الدعم السريع، التي كانت تعرف سابقا باسم الجنجويد، وهي نفس الميليشيات التي نفذت حملات تطهير عرقي في دارفور (في غرب السودان) والتي درجت علي إستخدام الاغتصاب بشكل منهجي كسلاح في الحرب.
تطرح فورة النشاط العابرة في حالة نورة بعض التساؤلات حول قدرة حملة "أنا أيضاً" على دعم التغيير على المدى الطويل وتحدي أنظمة العنصرية والإستعمار والبطريركية الراسخة بشكل حقيقي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنساء في الجنوب الكوني. في الوقت الذي أصبح فيه النشاط أكثر فأكثر موضة في الغرب، هناك خطر من أن هذا النمط من التغيير يكرر ببساطة نفس عقدة المُنقذ الأبيض (أو الغربي) مثل الإنسانوية المدفوعة بالأعمال الخيرية التي سبقتها (والتي أستخدمت لتبرير الهيمنة الإستعمارية – المترجم)
لقد ازدهرت الدول الغربية بسبب العنف والدمار الذي قاموا به في الدول المستعمرة لبناء بلادهم، ولا يزال تواطؤهم ماثلاً ترتيباً علي فشلهم في تحمل المسؤولية عن هذا الماضي. وقال الطيب "عبء الرجل الأبيض لا ينبغي أن يكون الدافع للتصرف". "الدافع يجب أن يكون جريرة 400 عام من الاستعمار الذي أوقف تقدم الحضارات في الجنوب الكوني الأمر الذي أدى إلى الوضع الماثل في بلادنا الآن." التحرك الذي يدفعه الشعور بالذنب يمكن أن يكون عابراً، ولكن التحرك المدفوع بحس الإقتناع والإلتزام يمكن أن يضع المجتمعات على قدم المساواة أكثر بكثير."
واستطرد الطيب قائلاً: "الامر الذي جذب [اهتمام] الدوائر الدولية لهذه القضية كان هو تسليط الضؤ عليها بواسطة الناشطين السودانيين، ... بدونهم، لن تكون نورة موجودة هنا اليوم." "بدأ الرأي العام يتحول، على الأقل بالنسبة لحالات مثل نورة، وبدأ يدرك إنما ما قامت به كان دفاعاً واضحاً عن النفس. وهذا يخلق فرصاً لمزيد من النقاش، ولكن لم يتم تغيير أي قوانين أو سياسات نتيجة لقضية نورة."
ويشير فوز نورة إلى أن الناشطين السودانيين حققوا بعض النجاح في تغيير فهم حقوق المرأة محلياً بطريقة يمكن من خلالها إجراء المزيد من التغيير الشامل المنتظم. إن حقيقة أن قصة نورة تنتشر بسرعة كبيرة على وسائل الإعلام الاجتماعية والمستقلة في السودان هي شهادة على التنظيم الفعال اللامركزي للنشطاء السودانيين، وخاصة النساء.
أصبحت قضية نورة معروفة لأن الصحافية الجريئة، تهاني عباس، اتبعت بهدوء إجراءاتها القانونية منذ البداية وحتي إعلان الحكم بعقوبة الإعدام – فقد خاطرت بسلامتها الشخصية عندما قامت بمقابلة نورة، وزيارة سجنها. وكانت حركة "لا لقمع النساء" السودانية على أهبة الاستعداد لنشر أخبار قضية نورة حال إعلان المحكمة حكمها. وفي يوم النطق بعقوبة الإعدام، قامت مجموعة من النساء من منسوبي هذه الحركة باعتصام أمام المحكمة.
وساعدت مجموعات ناشطة أخرى مثل "التغيير الآن" على توسيع نطاق نشر رسائل #انقذوا نورة و #انصفوا نورة. ومن ثم توالي نشر المقالات الافتتاحية والمقالات الصحفية والعرائض والالتماسات، والتي لفتت في نهاية المطاف إنتباه الجمهور الدولي. وقد ساعد هذا بدوره على فتح فرص استراتيجية جديدة للحركة الداخلية. "أحد الدروس المستفادة من هذه الحملة هو اهتمام النظام المتزايد بصورته في الغرب. يمكننا أن نستخدم هذا النفوذ في المستقبل"، أوضحت فاطمة، التي كانت ناشطة في حملة نورة (والتي تم تغيير اسمها حماية لها من الملاحقة).
لكن بدلاً من التعاون المبني علي الصدفة، يمكن للنشطاء السودانيين والنشطاء خارج السودان التنسيق الهادف على نحو أفضل في المستقبل. ومن بين النقاط التي ينبغي البدء بها إدراك أن التنسيق والعمل لن يحدثا بمجرد النوايا الحسنة ولكن بالالتزام بدعم العمل والشراكة مع نورة وتهاني ووينى وفاطمة والنساء السودانيات الأخريات في الخطوط الأمامية. يجب أن تكون أسماءهن معروفة خارج السودان حتى يتمكن من الاستمرار في النهوض بنضالهن والإعتراف ببطولتهن في حملة "أنا أيضاً" العالمية. وهن لا يزلن يخاطرن بحياتهن بعد إنصراف الاهتمام الدولي بعيدأ عنهن إلي فظائع وإنتهاكات أخرى.
وفي الوقت نفسه ، فإن الغربيين مسؤولون عن مُساءَلة حكوماتهم عن إدامة نظام يسمح بحدوث هذه الفظائع. وبخلاف ذلك، سوف يستمر وجود المزيد من حالات النساء الضحايا و"النورات" في العالم، أكثر بكثير مما يمكن لوسائل الإعلام الاجتماعية العمل من أجل "إنقاذه". وهذا سيمكننا من تجذيرعملنا، وربط كفاحنا وتمهيد الطريق نحو التضامن الأكثر واقعية.

-------------------
هامش:
إرين مازورسكي هي المؤسس والمدير التنفيذي ل Rhize (https://www.rhize.org/)، وهي رابطة كونية يمتد نشاطها عبر خمس قارات ويهدف إلي ربط الحركات الاجتماعية القاعدية والاستراتيجيات والمهارات والموارد التي يحتاجون إليها لبناء مجتمعات ديمقراطية مستدامة وعادلة وشاملة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////