أشرقت شمس بريستول الدافئة على أهاليها الكرام و لاح في الأفق أملٌ جديدٌ بيومٍ أروع من سابقه.
الشارع ألوان طيفٍ من الفعاليات. رجلٌ مُسنٌ يجُرّ كلباً في غاية النشاط... فتاةٌ ثلاثينية تركُض في سُترة رياضية أنيقة... مراهقٌ يضع سماعات عريضة على أذنيه و يهز رأسه أثناء المسير... و شاب أسمر وسيم يُجاهد بدراجته الهوائية صاعداً تَل كولج قرين الصعيب. أما أنا فتسوقُني جلساتي الصباحية إلى ضفة نهر الهاربور لكي أتوه بخاطري بعيداً جداً. في إفريقيا... في السودان. و يأخذني العطبراوي ب"أنا سوداني" خارج حدود الزمكان. هكذا يجيء موعد التحبير للراكوبة وسودانايل.

مهلاً! من كان ذلك الشاب الأسمر على الدراجة؟
في سبعينات القرن الماضي، جمعت علاقة حب رجلًا أسود البشرة من أصول جمايكية وإمرأة بريطانية بيضاء. و سرعان ما تُرجم هذا الحب جنيناً. ترعرع مارفِن ريس (Marvin Rees) في حي سين بولز(Saint Pauls) الشعبي. شَبَّ فقيراً يعاني و أمه شتاء بريستول القارس في بيت ضعيف التدفئة . و بالرغم من أن مارفن درس مع أبناء حيِّه في نفس المدارس إلا ا\أن إستثنائيته تجلّت منذ عمر صغير جداً. إشتهر مارفين بقوة عزيمة لا مثيل لها. أمر خارق جداً. ما من شيء صمم عليه إلا و تحصل عليه. صمم على إتقان الملاكمة فكان ملاكماً عظيماً. صمم على الدراسة في الجامعة فحاز على بكالاريوس الإقتصاد من جامعة ويلز(Wales). صمم الحصول على الماجستير فأتى به من الولايات المتحدة. لكن العجب العجاب هو أنه صمم أن يصبح والياً لمدينة طفولته، فإنتُخِب -بأغلبية ساحقة- كأول والٍ أسمر البشرة في تاريخ أوروبا بأسرها. يا ربي! إن في هذا الكون أُناساً يُجسدون معاني الإعجاز الإلهي في الخلق.
لا غرابة إذن أن يذهب والي المدينة إلى عمله على دراجة هوائية. فماضيه الرياضي كفيل بشحنه طاقةً تكفي لمصارعة تل كولج قرين الصعيب.

***
كنت إبن الثالثة حين إغتصبت الديمقراطية جماعةٌ سمت نفسها مجلس قيادة الثورة. يقصدون قيادة "الإنقلاب" طبعاً، فالثورات لا تغتصِب حق الشعوب بل تُحرِّرها. و منذ ذلك الحين إقترنت حياتي و حياة جيلي الموؤود (من مواليد الديمقراطية الثالثة و عهد الإنقاذ) بأسماء تتكرر على مسامعنا ليل نهار. حسن، عمر، علي، مصطفى، عبد الرحيم، الخ. تتعاقب السنوات و لا شيء يتغير. تتغير العباءات الوظيفية و تتكرر نفس الأسماء: حسن، عمر، علي، مصطفى، عبد الرحيم. حتى حسِبنا أن هذا السودان مِلك خالص لهذا الخماسي الثيوقراطي. حسبناه ملكاً لا يُسترد إلا بنزول وحي جديد يخلع عنهم قميصاً ألبسهم الله إياه.
هنالك في هذا الكون الواسع أسماءٌ ما إن وردت حتى قرنّاها بصفة ما: حاتم الطائي: الكرم، عنتر بن شداد: الشجاعة، ألبرت أنشطاين: العبقرية؛ زين الدين زيدان: "الحرفنة" . فبأي صفة إرتبط إسم عبد الرحيم محمد حسين لدى أبناء جيلي؟

شغلني هذا السؤال حيناً، و آثرت قبل كتابة المقال أن أتنحى عن الزعم بمعرفتي المطلقة للجواب. و قادني حسي الأكاديمي إلى إستغلال مناسبة جمعت عشرات من أبناء جيلي في مكان واحد. إخترت عينتي العشوائية بمنهجية صارمة ووزعت على 25 شخصاً وُريقات صغيرة. طلبت أن يكتب كل شخص على وريقته كلمة واحدة فقط تكون صفة تلخص تقييمه لهذا الشخص. و إليكم النتائج: 96% من الصفات جاءت سلبية و 4% محايدة و 0% إيجابية؛ الصفة الأكثر تكراراً: عبيط ؛ أما بقية الصفات فتدور في فلك عدم الكفاءة/الإستحقاق بشكل عام. يال الشعبية الواسعة يا عبد الرحيم!

***
يتنقل مارفِن في أرجاء المدينة بدراجته مصافحاً هذا و مداعباً ذاك؛ و يزور المسلمين والسيخ و الهندوس و المسيحيين في أعيادهم. بينما تطردنا من شوراعنا العريضة لاندكروزرات السيد الوالي الكثيرة. و لا نرى من واجبه الإجتماعي إلا "خَيَجَانه" الريائي في المياه العكرة أيام السيول. هو و زمرته المُطبِّلة من رافعي السبابات و المكبرين لفظاً لا عملاً.

لقد أحيى نموذج مارفِن روح الأمل في شباب بريستول و خصوصاً بين أبناء الأقليات و المهاجرين. إزداد يقين هذه الفئات بأن "من كدّ وجد". و على الصعيد العملي، شهد مجلس الحكومة المحلية أعلى إرتفاع في الأعضاء المنتخبين من أبناء المهاجرين في تاريخ المدينة. أما نموذج عبد الرحيم محمد حسين فهو الإحباط بعينه و قمة اليقين بأن قاعدة "من كدّ وجد" لا تعدو كونها كلاماً فارغاً. إن وصاية عبد الرحيم على الخرطوم "العاشقة" له ليست إلا ترسيخاً للصفوية الجلابية الذُكورية و تحطيماً لطموح الشباب الساعي لقيادة التغيير.

لا أنسى يوم لبّى مارفن دعوة الجالية السودانية لإفطار رمضان. مارفن الإنجليزي الدقة في المواعيد، حضر قبل مقدمي الدعوة أنفسهم. أظهر تيشرته الأنيق و بنطلون الجينز تناسق جسده و عضلاته و روح الشباب الملتهبة فيه. توسّط الأسمر مارفِن المجلس و إنتظر الأذان في تأدّب فائق، من ثم مدّ يده على التمر كما فعل الجميع. في هذه الأثناء إرتفعت أصوات تسأل: وين الوالي يا جماعة؟ شرَّانا ولا شنو؟

كان النبي (ص) من التواضع بحيث إن دخل الغريب على مجلسه قال: أيكم محمد؟ و كان عمر بن الخطاب من الأمن و السكينة بحيث ينام تحت الشجرة دون وجل.. بالله عليكم هذا التواضع المُحمدي و هذه السكينة العُمَرية من ذا الذي يجسدهما خير تجسيد؟ عبد الرحيم محمد حسين ام مارفن ريس؟


***
سألني أحد الرفاق هل تصبح الخرطوم مثل بريستول يوماً ما. فقلت نعم، ولكن حين تكون لدينا قيادات تستمد شرعيتها من قاعدة شعبية تحبها و تثق في كفاءتها؛ ولن يكون ذلك قبل أن تقوم الثورة. فحينها سيُفسَخ العقد الإلاهي المزعوم و الذي رَهن السودان بإسم حسن، عمر، علي، مصطفى، عبد الرحيم.
العقد جديد قائم قائم و الشباب هم أمل الثورة و زوابع التحول الديمقراطي..
ألا هبي يا رياح التغيير!

و الله أعلم
محمد كمال الدين (أبوكمال)
Email : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Facebook: https://www.facebook.com/profile.php?id=636975138