خارج المتاهة /

 

نواصل سرد ما نراه من اخطاء في مسيرتنا الوطنية ليمارس الجميع نقداً ذاتياً معلناً ومسؤولاً امام الأجيال الشابة الجديدة كهدية وحيدة نستطيع تقديمها لها بعد ان فشلنا في توريثهم وطناً امناً مستقراً يليق بحجم السودان وثرواته .. 

تحدثنا عن الأجيال الأولي : كيف تعاملوا مع السودان ، وكيف فهموا ومارسوا الديمقراطية الليبرالية ، وكيف أورثوكم هذه البناءات الهشة في كل أوجه الحياة انتهت بكم الي وطن منفصل في جغرافيته ، مضطرب ومنهار في قلبه ، تنهشه الحروب الأهلية من أطرافه ، لنأتي الي دور اليسار العقائدي في هذه المسيرة والذي ابتدره الحزب الشيوعي السوداني ، الاول تاريخياً ، والذي أتي بمفاهيم جديدة في التنظيم وبناء القواعد الحزبية وبالحديث عن المجتمع الاشتراكي والتنظير حول الاستراتيجية والتكتيك وصياغة البرامج والرؤي في التنمية ومعالجة القضايا الوطنية الملتهبة كمشكلة الجنوب ، وكان له الإسهام الأكبر في بناء النقابات وتاسيس المنظمات الفئوية مثل اتحاد الشباب السوداني ، الاتحاد النسائي ، الجبهة الديمقراطية للطلاب ، وباختصار ، كان اليسار العقائدي عاصفةً علي طريق الفعل والوعي الجديد ..
ثم تبعه اليسار العقائدي القومي ، البعثيين والناصريين ، بشعاراتهم في الوحدة والتحرر وبناء المجتمع الاشتراكي ، متقاربين في الأهداف مع اليسار العقائدي الماركسي ، مختلفين عنه في المنهج والإطار ، متطابقين معه في (المركزية الديمقراطية) كنظرية تحكم الحياة التنظيمية الداخلية لتنظيماتهم .. تنوع مدارس اليسار أعطي للحياة السياسية وهجاً معقولاً وتنوعاً واضافت إضافات هامة في الوعي العام وفي السلوك النضالي ..
هنا أيضاً لا نستطيع ان نحاكم اليسار السوداني باسقاط مفاهيم اليوم علي تاريخه ، فالكثير من شعاراتهم ومواقفهم الوطنية والإقليمية والدولية كانت هي مفهوم التقدم الذي ساد ذلك العصر تأسياً بالستالينية والتجربة السوفيتية في مجملها ..
اما الخلل فقد كان في نزعة الانفراد بالساحة التقدمية لدي الحزب الشيوعي السوداني في مواجهة أطراف اليسار الجديدة الاخري ، ثم احتكار قيادة النقابات والتنظيمات الفئوية ، وهو السلوك الذي لم يترك مجالاً للتعاون والعمل المشترك بين أطراف اليسار علي الأقل في حدود الأهداف المشتركة .. حتي التنظيمات التي بادر الحزب الشيوعي بتأسيسها وسط الطلاب والشباب والنساء ظلت تنظيمات خاصة بالحزب الشيوعي حتي اليوم منتزعاً تمثيل السودان بهذه الاتحادات في نظيراتها العالمية مثل اتحاد الشباب العالمي ، الطلاب العالمي ، النساء العالمي بحكم العلاقة الأيديولوجية بالاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا .. وعلي طريق مجاراة الشيوعيين اقدم حزب البعث علي تأسيس تنظيمات لنفسه وسط نفس الفئات : (جبهة كفاح الطلبة ، اتحاد الشباب الديمقراطي ، النساء الديمقراطي) ..
من جانب اخر ، وكما هو الحال بالنسبة للأحزاب (التقليدية) ، احتكر مؤسسوا الاحزاب اليسارية المواقع القيادية وتخلدوا فيها وانتزعوا الحق في رسم السياسات والتصعيد والتخفيض التنظيمي في غياب الموتمرات الحزبية او ندرتها الشديدة لتسود سياسة الاستلطاف والولاءات الشخصية داخلها ، ومع مرور الوقت يتحول الموقع القيادي الي ما يشبه الموقع الطبقي او الفئوي ذو الامتيازات مما يدفع الكادر الي الحفاظ عليه ..
هذا الواقع والسلوك انعكس أيضاً علي التنظيمات النوعية مثل اتحادات الكتاب والاُدباء وعلي التنظيمات التي تعني بالحريات العامة وحقوق الانسان (منظمات المجتمع المدني) مما سنختم به هذه المقالات ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.