وظلّت العلاقة بينها وبين الحاجّة على ضعفها وبؤسِها، حتّى بعد مَمَات سيف اليزل، الذي كان من شأنه، ووصفه، مصيبة كُبرى، أن: يجمع المصابينا... بيد أنه: لم يفعل!

في مرّات عديدة، كان (سيف اليزل) ينتبه للتغيير النوعي، والكبير، الذي طرأ على: (علاقاته!)، ويكاد أن يُراجع تلك العلاقات، ويعيد تشذيبها: وفق المعايير القديمة، التي هي: معاييرالزمن الباهي...
ولكن، سبق السيف: العذل! ورُفعت الأقلام، (ووقِّعت الشيكات!)، وبلغت الأطماع الّذُرى، و طاب المقام الجديد.
ولم يكن يفتقد أصدقاء الزمن الباهي الذين انفضوا من حوله، بالتدريج، وانفض سامرهم هُم أيضًا بطبيعة الحال... و بموجب عوادي الدهر، ولم يكن يحِنُّ إليهم بشكلٍ كبير، ولكنه: كان، على أية حال، يبتهج لوجودهم، ويسعد حين يسمع أخبارًاسعيدة عن أحدهم، أويلتقيهم، مصادفة في أغلب الأحوال، أوساعة حُزْن (فقد كان هذا يجمعهم إلى حينٍ قريب!)، وقد قال البعضُ، إن تلك البهجة والسعادة البادية، ما هي إلّا:

- محضُ ادعاء!

ولم يكن تقدير هذا القائل: دقيقاً...
ولكن الموقف الذي هزه، بحق، في مرض أمّه الأخيرالذي تسامع به الجميع، والذي كاد أن يضع حدّاً لحياتها، كان: تلك الزيارة التي خصّهُ بها اثنان من (أنْبَل!) أصدقاء الزمن الباهي، واللذان كانا يعنيان، ويُمثلان له (الضمير الحي!)، الذي قضى عنده، منذ: زمنٍ زمين!... واللذان حملا على نفسيهما وذهبا: "وهناً على وهنٍ"، مدفوعين ب: بقيمة من الوفاء و بشيم أهل السودان في المساندة، في هكذا حال!
وبكى (الرجلُ ذوالثلاثة أوجه)، أمامهما كالرضيع: ماضيه و حاضره و مستقبله، ومرض أمّه، وأشجانه، ومخاوفه، وامتنانه...
وهلَّل، وغمرته موجة من: الضحك المعافى، وهو يودعهما بحرارة!
وأمّل النبيلان في صلاح حاله ...
ولكنه، كان كمن غسل يديه من دم ذبيحة، وعطّرهما بالريفدور، أو كمن اتَّكأ على حائط مبكىً، وغسل أحزانه، وريّح ضميره قليلاً... ثم ما لبثت، باسمو: اللواري... تباري الجبال، تهد الكباري، وتشق الرمال، يهرِّب...يخرِّب ويسرّب (جِمَال!).
كان آخر احتفال مشترك بين ناس البيت، و أناتيك الحديقة، يحضره (الرجل ذو الثلاثة أوجه)، هُو الاحتفال بنجاح (خالد) في امتحانات الشهادة الثانوية، و مع أن النجاح لم يكن باهراً، إلا أن الحفل ناب عنه، من حيثُ البهرج و البذخ، و فاضت الموائد حتى تدفقت، و جرت سيول من الشراب... و رُفعت الكلفة و انكسرت حواجز... ولم ينبسط الجميع فحسب و إنما (أفرطوا في الابتهاج!)...
وفي ذلك اليوم نال خالدٌ كميّة لا تُصدَّق من الهدايا، كان سببها الظاهر: تفوُّقه الأكاديمي، أمَّا الأسباب الحقيقية فكانت: إرضاء الأسرة، و التقرُّب من (سيف اليزل) أو أحد أوجهه الثلاث، على الأقل.
توفِّيَ (الرجل ذوالثلاثة أوجه)، مأسوفاً على شبابه، وهوفي الخامسة والخمسين من عمره، وتزوَّجت من بعدِهِ هيام... وكان لابد لها أن تتزوّج من مدير فرع البنك... لأنه كان يحبها من جانب، ولأسباب أخرى تشرحها، بالتفصيل: كميّة من الأوراق والمستندات و (الدفاتر!) التي كانت محفوظة بخزائن البنك، والبيت المُطل على ملتقى النيلين... والطوابق العُليا من البيت الكبير!
ــــــــــــــــــــ
*(أماسي الحديقة)..... الحلقة الثالثة عشر
ــــــــــــــــــــ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.