واحدة من المقولات أو الأمثولات الحصيفة في تراث السودانيين الجمعي الشفاهي هي المقولة الحكيمة بأن " القلم ما بيزيل بلم". وشرح ذلك كما لا يخفي علي القاريء الكريم أن المرء مهما علا شأنه في مجال العلم فان ذلك ليس كافياً إن كان به بلم ، ولك أن تفسر البلم بالبلاهة والسفه و سوء التقدير. ورغم فصاحة العبارة وحكمتها فقد تم في كثير من الأحوال استخدامها من قبل الجهال أنفسهم أو من قبل المتبلمين ، بلا قلم أو به ، للتقليل من أصحاب العلم والقلم الحقيقيين! وذلك واقع ماثل وقديم في مجتمعاتنا السودانية باختلاف الزمان والمكان.

أحسن مؤلف الكتاب الذي نحن بصدده في اختيار العنوان " قلم التعليم وبلم المتعلمين " مع عنوان فرعي " مقالات في التعليم والتنمية" . أحسن المؤلف كذلك وأصاب في نشر كتابه في موضوع قلت فيه الكتب وإن لم تقل فيه الدراسات غير المنشورة التي بقيت حبيسة مكتبات الجامعات أو حبيسة مكتبات مؤلفيها، ولكني ربما أجزم أن قلة قليلة - حتي لا أنفي الأمر بالكلية ، قد تمت بهذه الطريقة من الشمول والإحاطة المنهجية.

الكتاب في مجمله استعراض علمي لواقع التعليم في السودان . الواقع الذي انتهي بنا إلي ما نحن فيه من سوء توزيع السلطة والثروة ومؤخراً سوء مخرجات التعليم نفسها.

يدحض المؤلف في الكتاب الفكرة الرائجة بأن مجانية التعليم كانت خيراً كلها ، ويستدل علي ذلك بالاحصائيات وجداول المقارنة. يري الكاتب هنا أن فكرة المجانية وأن كانت فكرة حسنة في ظاهرها فإن المستهدفين الحقيقيين لم يستفيدوا منها بالقدر المطلوب ، بل وانتهي الأمر بأن استفادت منها الطبقات غير المعنية بها ، وهي ذات الطبقات التي دافعت عنها فيما بعد – أي المجانية - مستغلة علو صوتها في الإعلام وحظوتها وتأثيرها علي السلطة القائمة. وهنا تجدر الإشارة الي ما عرف حينها بشهادة لندن ، حيث أورد المؤلف ما نشرته صحيفة الرأي وقتها بقائمة من نحو مائتي شخصية قامت برفع مذكرة للجنة القبول اعتراضاً علي بعض قراراتها بشأن شهادة لندن ذاكرين فيها وظائفهم أو قل مكانتهم الاجتماعية ، والقصة معروفة لمن أراد الرجوع إليها في الكتاب ( من المثير للتعجب قراءة تلك الأسماء!) . يشير ذلك وإن من طرف خفي الي بعض مزايا الديمقراطية التي فرطنا فيها، أعني حرية الصحافة وحق النشر وإن اعتور ذلك ما اعتوره من سوء استغلال صحف كألوان وقتها لمساحة الحرية في التأليب علي الديمقراطية نفسها. ليس هذا موضوع الكتاب قطعاً أو موضوع هذه الكتابة بالتأكيد ، ولكن بطريقة أو بأخري لا ينفصل الأمران عن بعضهما ، أعني واقع التعليم في السودان وما انتهت اليه الديمقراطيات قصيرة العمر علي قلتها.

من الموضوعات المهمة التي تناولها المؤلف في هذا الكتاب ما سماه المؤلف نفسه بمسألة السلوك العملي لشريحة المثقفين / المتعلمين عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الشخصية عندما تتعارض مع المصلحة العامة. وهذه مسألة لها أهميتها البالغة في فضاء العمل العام في السودان برأيي المتواضع ، من انعكاسات ذلك هذا التواطؤ الغريب من قطاعات كبيرة من المتعلمين مع السلطة القائمة – أياً كانت طبيعتها – طالما لم تمس مصالح هذه القطاعات بل وطالما وفرت لهم هذه السلطة ما يعدونه من امتيازاتهم بل وحقوقهم المكتسبة. من ذلك ما صار شائعا من مصالحات حزبية مع النظام القائم منذ الحكم العسكري الأول والي حينه من جهات ، كيانات وأحزاب ، أظهرت في باديء الأمر أن بينها وبين نظام الحكم القائم خلافات مبدئية. أمثلة ذلك ايضاً ما يتم من دخول معارضين للنظام الحاكم واستوزارهم فيه أو التماهي معه دون أن يغير النظام قيد أنملة من مشروعه القديم الذي عارضوه أصلاً. يجنح الناس أو قبيلة المتعلمين ذاتها الي رد ذلك الي السلوك السوداني المتسامح وطيبة السودانيين ، بينما الحق أن ذلك لا يعدو استهبالاً رخيصاً ووطأً علي المباديء إن كانت توجد من الأساس!

يري المؤلف أن الحرمان باعتباره فكرة جوهرية في المجتمعات ذات النظم الشمولية ، يري فيه أنه وحساباته – أي الحرمان – هو ما يقود المثقف الي السلوك الانتهازي. ولعل واقع الحال في السودان هو مثال واضح لهذه المسألة كما أشار المؤلف وكما يستطيع القاريء أن يصل لذات النتيجة فقط بالنظر حوله.

يري المؤلف كذلك أنه فيما خص واقع الحالة السودانية فإن السبب الرئيس لاخفاقات المثقفين ربما يعود الي السلوك الريعي لهؤلاء المتعلمين. وأجدني شخصياً ميالاً الي تسمية المتعلمين التي استخدمها المؤلف مقابل كلمة المثقفين التي استخدمها الدكتور منصور خالد في تفسير قريب من ذلك كما أشار المؤلف نفسه.

ويشرح الكاتب ما سماه بالسلوك الريعي كمحرك وكمسبب لاخفاقات المتعلمين السودانيين بأنه ليس مجرد تبلد الحس أو الانتهازية وإنما هو سلوك اقتصادي عقلاني لمجموعة من الناس غير راغبين أو ليسوا علي استعداد لإضاعة الفرصة التي واتتهم بمصادفة تاريخية بحتة. انظر هنا – والإشارة من عندي – إلي سلوك البيوت الطائفية بل والصوفية حتي رغم ما تتدثر به من أدبيات الزهد والبعد عن الحكام ، بل وانظر حتي الي سلوك الجماعات الدينية الأخري ، سلوكها تجاه أنظمة الحكم الشمولية التي حكمت البلاد علي مر تاريخ استقلالها الوجيز. انظر كذلك الي سلوك بعض المتعلمين كمثال الذين استوزروا في حكومات البلاد الشمولية مرة بعد المرة وكأن حواء السودان قد عقمت من بعدهم ، الصحيح حسب رؤية الكاتب الحصيفة والثاقبة هنا أنهم يعدون ذلك حقاً مكتسباً لهم وريعاً استحقوه.

من المسائل المهمة التي تناولها الكتاب هي السودنة التي تمت بعد رحيل الاستعمار وارتباط ذلك بطريقة أو بأخري بالمتعلمين وقتها الذين عدوا الأمر غنيمة مستحقة دون وجه حق في كثير من الأحوال ، بل دون النظر لمصلحة البلاد العليا وتغليبها باستبقاء بعض الانجليز في وظائفهم كما فعلت دول أخري غداة استقلالها ، لا بل علي النقيض هنا فقد قررت اللجان المختصة بالأمر حينها ملء وظائف الانجليز بالباشكتبة ! من الطريف هنا ، بل ومن المحزن ، ما ذكره المؤلف ، عما رد به أحد المسئولين حين حذر عضو لجنة السودنة البريطاني وقتها من انهيار الخدمة المدنية كنتيجة للسودنة الفورية ، حيث رد المسئول بأنه : " إذا حدث ذلك فإنه سيكون ثمناً مقبولاً للحرية ". ألا يذكرنا ذلك بسلوك نعرفه وبأناس نعرفهم ؟ ورغم ذلك يقولون لك أن الانجليز تركوا في السودان خدمة مدنية متقدمة ثم يعجبون من انهيارها ، ورغم ذلك يردد الناس سؤال الطيب صالح من أين جاء هؤلاء ! في الحقيقة ربما لم يكن حرياً بالطيب صالح نفسه أن يسأل هذا السؤال وهو ربيب المؤسسة التعليمية ذاتها .

من الملاحظات الحصيفة في الكتاب في رؤيته لمسألة توزيع السلطة والثروة ما أشار اليه المؤلف من أنه وبالأشارة الي غلبة السلوك الريعي فيمكن افتراض أنه لو تركز التعليم عند دخول المستعمر في الشرق أو الغرب أو الجنوب بدلاً عن الوسط والشمال النيلي لكان من الممكن بل ومن المحتمل جداً حدوث نتائج مشابهة بصورة عكسية فيما يتعلق بالفوارق الإقليمية واستمراريتها واغتصاب المنافع الاقتصادية التي تتبع احتكار السلطة. وهي ملاحظة بدت لي معقولة خاصة حين ربطها بما يراه المؤلف المصادفة التاريخية التي أتيحت للمتعلمين فتمسكوا بها وعملوا علي استغلالها لمصلحتهم لا مصلحة الوطن.

تطرق الكتاب كذلك الي ما سماه التشاكس الحزبي والفوارق التنموية ، وهي مسألة جديرة بالنظر والاهتمام في تبيان قصر رؤية أحزاب السودان الكبيرة لمسألة التعليم وربطه بالتنمية للقطر ككل. أما في ورقة تكلفة وتمويل التعليم العالي في السودان فقد تطرق المؤلف الي نماذج دعم التعليم في السودان من الدعم الكامل كما في حالة جامعة الخرطوم وقتها الي الجزئي كما في حالة جامعتي النيلين والسودان ثم تجربة الصندوق القومي لدعم الطلاب بعد ذلك. من المهم الأشارة هنا الي أن مسألة مجانية التعليم وإن مثلت شعاراً براقاً ومطلباً تنادي اليه طلاب الجامعات بل ولا زالوا ، يعضدهم في ذلك ذكريات الرعيل الذي تمتع بتلك المجانية ، من المهم أقول الاعتراف بأن المسألة ليست كما تبدو في ظاهر الأمر كما بدا لي بعد قراءة دراسات المؤلف العلمية في هذا الأمر.

احتوي الكتاب علي نحو 64 جدولاً شملت علي سبيل المثال ودون الالتزام بالترتيب مني ، التوزيع حسب الجنس للطلاب المقبولين بجامعة الخرطوم ، الأصول الإثنية لطلاب كلية غردون التذكارية ، الخلفية الاجتماعية لطلاب كلية غردون التذكارية ، التوزيع الاقليمي لطلاب جامعة الخرطوم ، التدليس بين الدخل الفعلي والدخل المذكور لأولياء أمور الطلاب بجامعة الخرطوم ، تقييم الشهادات العربية وشهادة لندن ، التوزيع الأقليمي لتسهيلات البنوك المتخصصة ، توزيع السكر بالأقاليم ، حصص الأقاليم المختلفة من الدقيق ، توزيع الطلاب المقبولين بالسنة الأولي بكليات الطب والصيدلة والهندسة جامعة الخرطوم .... الخ ، وهذا علي سبيل المثال لا الحصر. القليل من الجداول حديث نسبياً بينما غالبها يعود لوقت اعداد الأوراق ونشرها.

قسم الكتاب الي عدة فصول بحسب الأوراق أو المقالات بالأضافة الي المقدمة ، والكتاب كما اشار مؤلفه هو في الأساس أوراق ومقالات كان قد أنجزها المؤلف علي فترات مختلفة ونشر بعضها في الصحف السيارة وقتها ، وفي رأيي فإن نشرها بذات الطريقة قد أدي أحياناً قليلة الي بعض التكرار في المعلومات الذي وإن كان مستحسناً وله ما يبرره في الكتابة للصحف فلا معني له عند تحرير الكتاب.

مؤلف الكتاب هو الدكتور صديق أمبدة الأكاديمي الحاصل علي درجة الدكتوراة من جامعة لندن في العام 1979 والأستاذ السابق بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم ، كما ذكر في غلاف الكتاب ذاته بالأضافة الي معلومات أخري.

صدر الكتاب في نحو 315 صفحة من القطع المتوسط في طباعة قشيبة وإخراج متقن عن دار مدارك بالخرطوم التي يتوفر الكتاب بمكتبتها بشارع 41 بالعمارات مع تقاطع شارع محمد نجيب.

الكتاب جدير بالقراءة ولا غني عنه لتفسير بعض أحوالنا تفسيراً علمياً استناداً الي لغة البحث والأرقام.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////