أود أن ألفت الانتباه إلى كارثة إضافية ضحيتها اليمن واليمنيون تسبّب فيها سوء الترجمة. مسرح الكارثة كان منذ يوم أمس ولا يزال جميع وسائل الإعلام العربية تقريباً. يهم الموضوع المترجمين والإعلاميين، ويحملهم المسؤولية. وأتحدث تحديداً عن تقرير فريق الخبراء البارزين الإقليميّين والدوليّين المعني باليمن الذي صدر أمس. فللأسف، عكست وسائل الإعلام العربية خلاصة التقرير بصورة خطأ. وشاركت في ذلك حتى المنشورات الأممية الصادرة باللغة العربية. وإلى الآن يسئ معظم الناس فهم ما خلص إليه ذلك التقرير البالغ الأهمية. وعلى سبيل المثال، ثار جدل أخرق في قنوات كبيرة، من بينها قناة الجزيرة، سببه سوء الفهم ذلك.

يهون الأمر عندما يتعلق بترجمة معاني المفردات والمصطلحات لأنها تخضع لاجتهادات واضحة. لكن يصعب الأمر حين يتعلق بترجمة مقامات التعبير بين اللغات. وتعبر اللغات المختلفة عن المقامات بطرائق مختلفة. وتعرف هذه المقامات في الانجليزية بـ verbal modes وفي الفرنسية بـ les modes verbaux.
والمقام هو الطريقة التي ينظر بها المتكلم أو الكاتب إلى الحدث/الفعل والطريقة التي يقدمه بها إلى المخاطب. فهناك مقام الواقع (يذهب كل الأولاد إلى المدرسة)، وهناك مقام التصور والافتراض والتمني (أتمنى أن يذهب كل الأولاد إلى المدرسة)، وهناك مقام الشرط (إنْ حل السلام، سوف يذهب كل الأولاد إلى المدرسة)...الخ. وحتى [فعل] الأمر يعتبر في تلك اللغات مقاماً، لكنننا في العربية ننظر إليه كزمن. ونجد في الفرنسية سبعة مقامات يتعلمها التلاميذ في المدارس، ولكل مقام تصريفه الخاص به. وظاهرة المقامات موجودة في العربية، لكن آلية عملها مختلفة، ولم يعتنِ علماء اللغة بها. وبالإضافة إلى اعتماد مقامات الفعل في اللغة العربية على السياق، نجدها تقوم أيضاً على الأدوات، مثل أدوات الشرط والنصب والجزم، وعلى المعينات اللفظية، مثل: قد، ربما، يحتمل، يمكن...الخ.
لقد استخدم معدو تقرير الأمم المتحدة عن الانتهاكات في اليمن مقامات اللغة الإنجليزية، كما ينبغي لهم أن يفعلوا، لكن للأسف أسأنا نحن فهم تلك المقامات فأسأنا ترجمتها إلى العربية. فقد أوردت جميع الوسائط الإعلامية، التي اطلعت عليها، خبر التقرير قائلةً إن الخبراء يرون أن الأطراف المتحاربة في اليمن قامت بأعمال قد ترقى/ربما ترقى/ ويحتمل أن ترقى إلى أن تكون جرائم حرب. وهذا خطأ بيّن وشنيع. فالخبراء واثقون، في الحقيقة، من أن تلك الجرائم ترقى، فعلاً لا احتمالاً، إلى أن تكون جرائم حرب. واستغلت الجهات والأفراد غير الراضين عن محتوى التقرير ذلك الالتباس غير الضروري فقالوا: إن وقوع الجرائم مجرد احتمال لم يثبت. وهذه ليست كارثة في الترجمة وفي الفهم فحسب، بل كارثة أيضاً في حق الضحايا اليمنيين، ليس سببُها، هذه المرة، تحجر أفئدة أطراف الصراع ووكلائه، بل سببها جهلنا وتكاسلنا الفكريَيْن واللغويَيْن نحن: مترجمين وإعلاميين ولغويين ومسؤولين وجمهوراً.
استخدم معدو التقرير كلمتيmay و would. وتعطينا الترجمة الآلية أو "الغوغلية": قد، أو ربما، أو يحتمل. لكن الفهم الصحيح لمقامات التعبير في الإنجليزية يرشدنا إلى أن معدي التقرير إنما تخيّروا استخدام مقام الشرط لكي يقولوا إن ما رأوه يشكل، في نظرهم، إنْ/إذا/لو عُرض أمام المحكمة، جريمة حرب. أي أنهم ليسوا في شكٍ من أمرهم، ولا يتكهنون، ولا يخرُصون، ولا يتحدثون عن احتمالات. فلأنهم ليسوا قضاة، ما كان لهم أن يقولوا، بالإنجليزية، غير ما قالوه. لكنهم لا يقصدون أبداً أن الأمر مجرد احتمال، أو مجرد ترجيح، بل هو في نظرهم جريمة، ولكنهم ليسوا هم الجهة المختصة التي تثبت الجرائم. فاستخدامهم مقام الشرط في اللغة الإنجليزية يأتي من باب تحري الرصانة القانونية، لأنهم ليسوا قضاة، ومن باب التقيد بأساليب التعبير في اللغة الإنجليزية.
وورد في التقرير ما يشير صراحة إلى أن الفريق يعتبر ما وقع في اليمن جرائم وانتهاكات، وليس مجرد احتمالات، فقد جاء في موقع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ما يلي:
"Information documented by the Group of Regional and International Eminent Experts on Yemen strongly suggests that parties to the armed conflict have perpetrated, and continue to perpetrate, violations and crimes under international law"
وترجمته كما يلي: "تدل المعلومات التي وثقها الفريق دلالة قوية إلى أن أطراف الصراع المسلح ما فتئت ترتكب ما يُعد، بموجب القانون الدولي، انتهاكات وجرائم".
ففي هذا دليل كاف على أن الأمر ليس مجرد احتمال، بل أن أعضاء اللجنة واثقون مما يقولون، لكن توخيهم الرصانة القانونية يجعلهم يختاون مقامات تعبيرية بعينها في اللغة الإنجليزية. ونحن للأسف، أسأنا فهم تلك المقامات، و قمنا بترجمة ما خلص إليه التقرير بصورة قللت كثيراً من خطورته، على حساب الضحايا اليمنيين.
وفي المقابل، هناك فقرات في التقرير أشار فيها معدوه بوضوح إلى مواطن أخرى تتضمن احتمالات، مثل:
The report also identifies significant areas where violations and abuses may have been committed but further investigation is required.
"ويميز التقرير مجالات كثيرة قد تكون ارتكبت فيها انتهاكات، لكن الأمر يحتاج فيها إلى المزيد من التحقيق".
هنا فقط يمكن أن نستخدم "قد"، ولا مجال لها البتة في بقية التقرير، بعكس ما جاء في وسائل الإعلام العربية.
إذن فإن التقرير قد حدد مواطن التأكيد والثقة، وحدد مواطن الاحتمالات.
وتقريباً للمعنى نشير إلى أن عمل معدي التقرير يُشبه ما تقوم به النيابة، فهم يعبّرون عن مدى تأكدهم وثقتهم في ما توصلوا إليه بالطريقة التي يعبر بها وكيل النيابة عن تأكده وثقته. وبالتالي فإن ما ينبغي أن نفهمه من كلام المحققيين هو: نحن نرى أن هناك جرائمَ، كاملة الأركان، بالمعنى القانوني في مرحلة التحقيق هذه؛ ولكننا لسنا نحن من يُثبت قانوناً أنها جرائم، بل يجب أن تعرض على المحكمة لتصبح جرائم بالمعنى القانوني في مرحلة البت. إن مقام مرحلة التحقيق هو مقام نظري، لا يمكن أن ينزل إلى مقام الواقع، ألا بتوفر شرط بعينه، وهو العرض على المحكمة. وعندما يتحقق ذلك الشرط وتجري المحاكمة، يتحول الافتراض النظري إلى واقع نافذ. لكنّ الإعلاميين والمترجمين ليسوا قضاة ولا محققين ولا وكلاء نيابة. إنهم موصِّلو معلومات. فعليهم أن يعنوا بالمدلول العام الذي يفهمه الناس، فيقولوا إن الجرائم المذكورة جرائم دولية، بالمعنى القانوني العام، وليس بالفهم القضائي النافذ. بناء على كل ما سبق، نرى أنه كان ينبغي إيراد خبر التحقيق الأممي على النحو التالي:
"ارتكب أطراف الصراع جرائم ترقى إلى أن تكون جرائم حرب" (على اعتبار أن الكل يفهم السياق، ويعلم أننا لسنا في محكمة، وأن الأمر يجب أن يعرض على القاضي ليثبت وقوع هذه الجرائم بموجب القانون). فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته ولو كان الناس جميعاً شهوداً على جريمته.
أو أن نقول:
"ارتكب أطراف الصراع جرائم يمكن أن تُعد جرائمَ حرب" (وتشير هذه الإمكانية إلى ضرورة توفر شرط واحد ناقص: هو عرض القضية على المحكمة).
ونضيف إلى ما سبق أن المقامات في اللغة العربية تتحقق أيضاً بكلمات مثل: قمين، وحري، وجدير، وخليق وخلاف ذلك، فيمكن أن نقول، مثلا:
"ارتكب أطراف الصراع جرائم قمينةً بأن تعد جرائم حرب".
إنّ لكل لغة عبقريتها، ولكننا لم نكتشف عبقرية لغتنا وقدرتها على التعبير عن الاحتياجات الحديثة؛ فحالنا كحال الظمآن المتكاسل، يجلس بقرب البئر يلعق الطين المبتل، تاركاً ثبج الماء في عمقٍ قريب.
والطريف في الأمر أن اللغة الصينية لا توجد فيها هذه المقامات، ولا حتى الأزمان الفعلية. ولكي يقول الصينيون إن شخصاً ارتكب جريمة يستخدمون عبارة ترجمتها الحرفية هي: "يملك هذا الشخص جريمة". فسألت زملائي في قسم الترجمة الصينية ليبحثوا لي عن ترجمة تقرير الأمم المتحدة عن اليمن إلى اللغة الصينية فوجدوا أن الترجمة الصينية، لحسن الحظ، لا تتضمن أي احتمالات، وأن الجمهور الصيني، بعكس الجمهور العربي، يعرف الآن أن التحالف العربي والحكومة اليمنية والحوثيين "يملكون جرائم دولية".
-------------
* كاتب سوداني ومترجم فاز ثلاث مرات بجائزة الأمم المتحدة الأولى في الترجمة (سانت جيروم)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.