جاء المواطنون من جميع الشوارع الست التي تدخل على ميدان (ميسكل) في وسط العاصمة أديس أبابا وهي : (بولي ،ساريس ،ميقنقا ، بياسا ، مكسيكو ، ارات كيلو) منذ ساعات الصباح الباكر. تدفق الالاف رافعين الشعارات يهتفون في حماس كبير تأييداً لهذا الرجل الذي أدخل في نفوسهم الأمل ، وتقدم الدعم لقائدهم الذي بدأ في تطبيق سياسات الاصلاح والمصالحة والشفافية واطلاق الحرية للجميع والدعوة إلى وقف التناحر والنزاعات والصراعات الطائفية والعرقية والأهلية. عند الساعة الثامنة امتلأ الميدان عن بكرة ابيه بالمواطنين وتوزع الآخرون في الشوارع الجانبية.

حاولت الوصول إلى الميدان قادماً عن شارع بولي المعروف أهم شوارع اديس أبابا الذي يقود من المطار الى البلد ولكن في منتصف المسافة كان الطريق مقفولاً بالجموع الزاحفة نحو الميدان ولم يكن هناك بد من النزول من السيارة والمشي لعدة كيلومترات على الاقدام للوصول إلى الميدان.

عندما تحدث رئيس الوزراء ابي أحمد صمت الجميع .. شيء غريب الكل يريد أن يستمع لما يقوله ابي احمد.. وهو دائماً له اسلوبه في مخاطبة شعبه. حديث من القلب إلى القلب. بدأ بدعاء قائلاً ( نسأل الله أن يحفظ اثيوبيا وشعبها ).. وتحدث عن أهمية السير في طريق الاصلاح واتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في بناء الوطن دون اقصاء أو عزل لأي مواطن بسبب مواقفه أو آرائه.....

اثيوبيا الآن ترسم تاريخاً جديداً .. صورة للدولة الحديثة في قلب افريقيا ... قائد جديد بنمط جديد وثقافة جديدة. الكل يراقب ، ولكن الاحداث التي تجري في العاصمة الاثيوبية تسابق الزمن .. لن يستطيع من تكلس في السلطة او من عاش على مفاهيم قديمة أن يفهم أو يتفهم أو يلاحق الاحداث الجارية الآن في اثيوبيا.

امضيت اسبوعين في أديس ابابا أراقب وأشاهد ما يجري ويحدث .. التقيت بكثير من المواطنين من قوميات مختلفة وبعض الشخصيات السياسية والاعلامية.. وكان سؤالي واحدا .. ما رأيك فيما يحدث في اثيوبيا؟

والجواب كان واحداً .... نؤيد بشدة خطوات رئيس الوزراء الجديد وندعمه ونحن متفائلون!!

هناك تغيير جديد .. هناك أمل في مستقبل جديد أخذ يسيطر على الناس خاصة وسط البسطاء ومن الطبقة الوسطى بل من معظم الفئات وعامة الشعب الذين كانوا على الرصيف ردحاً من الزمن .. والآن يشعرون بأن لهم دور في المرحلة القادمة.

في أقل من ثلاثة أشهر استطاع هذا الشاب ان يغير كثيراً من المفاهيم والرؤى التي رسخت وسط 100 مليون مواطن اثيوبي بقومياتهم المختلفة والمتجذرة.
قال أبي أحمد في كلمته : ( قبل كل شيء إنني اشعر بالفرح والارتياح عندما أرى كل الاثيوبيين وهم في وحدة وتسامح .. بعيدون عن الكراهية التي قادتنا إلى الافلاس وحطمت دولتنا ). ... ( اليوم الحب والتسامح هو حجر الأساس لنصل إلى قمة الجبل ).

80 يوما مرت على تولي أبي أحمد السلطة .. وفي خطابه الأول وعد الشعب بأنه سيقوم بالتغيير في مختلف المجالات.لقد جاء رئيس الوزراء في ظرف حرج كانت فيه إثيوبيا مهددة في الانغماس في صراعات طائفية وعرقية تهدد كيان ووحدة الدولة.. عملتها تدنت إلى أقل مستوى مما أثار مخاطر كبيرة على استقرار الوضع.

من يزور اثيوبيا هذه الايام لن يصدق قوة الدفع التي فجرها ابي احمد وسط الملايين من شعبه في هذه الفترة القصيرة ، وما لمسته خلال الاسبوعين في اديس ابابا وتلاحق الاحداث السياسية وايقاعها السريع اقنعني بأن اثيوبيا مقبلة على تغييرات دراماتيكية كبيرة لن يستطيع أن يفهمها الاثيوبيين والمراقبين الذين يعيشون خارجها .. حتى المعارضة المتشددة ضد النظام فوجئت بهذا الايقاع السريع للتحولات الذي حدث بـنسبة 180 درجة.

رئيس الوزراء لم يلجأ إلى تغيير كبير في الوزارة الجديدة ، ولم يعتمد على الاسلوب التقليدي في معالجة المشاكل ، ولكن كشاب يتدفق حيوية تخطى كل الحدود وبدأ في تغيير المفاهيم واتخاذ خطوات عاجلة وحاسمة في مختلف الاتجاهات على قاعدة فتح صفحة جديدة عنوانها التسامح والوحدة واتاحة الحرية للجميع ( الحرية لنا ولسوانا) ، فتح السجون لكل المعارضين وخاطب الجميع بان يتحدوا لبناء اثيوبيا الجديدة.

في البداية لم يقتنع البعض باختياره في هذا المنصب. الكثيرون خاصة المعارضة رأت انه جزء من الحكومة السابقة وأنه واجهة وسيتحكم فيه الآخرون من وراء الستار. لهذا كان هناك الكثير من المشككين في الحكومة الجديدة .. ولكنه قلب الطاولة على الجميع. وبدأ في مخاطبة المعارضين في عقر دارهم في اقليم الارومو والامهرا وفي اوغادين والتيغراي وغيرها من الاقاليم ثم افرج عن قياداتهم المعتقلين في الداخل ...ومنهم عتاة قيادات المعارضة مما اذهل الجميع .. فلم يصدقوا. وكل يوم يفتح سجناً ليخرج منه المئات بل الالاف الى الحرية ، واسقطت التهم عن المعارضين ومنهم المعارض البارز برهانو نجا.

ثم اتجه الى المعارضة الخارجية وأنهى كل الاتهامات الموجه لهم بالعمالة والتآمر والارهاب التي كانت تلصق بهؤلاء المعارضين وهي طبيعة الأنظمة الشمولية التي لا تحتمل أي معارضة. ثم انتقل إلى الدول المجاورة فاتحاً ذراعيه لعلاقات حسن جوار وتعاون من أجل الجميع. ولم ينس مواطنيه الذين يقبعون في سجون هذه الدول فدعا مضيفيه إلى الافراج عنهم فعاد الالاف من السجناء الاثيوبيين إلى بلادهم من ( جيبوتي ، السودان ،كينيا ،مصر ،اوغندا ،السعودية ).

هذا الاهتمام بالمواطن الاثيوبي المعتقل في خارج وطنه أعطى رسالة قوية إلى أن هذه الحكومة لن تنسى أبنائها ولو كانوا في السجون ، وستعمل بكل قوة من أجل ارجاعهم إلى أهلهم ، وكانت لمسة إنسانية كبيرة زادت من حب وتقدير الشعب له.
رفع ابي احمد شعار المصالحة مع الجميع والتسامح والحب والوحدة ودعا الحكومة والمعارضة من اجل العمل معاً من أجل اثيوبيا بكل حرية واستقلال تام .. ولهذا كانت ردة الفعل ايجابية وقوية خاصة من المعارضة بكافة أطيافها بعد أن ايقنت بان هناك نهج جديد في اثيوبيا فسارعت حركة ( قينوت 7 المسلحة) وتخلت عن العمل العسكري ضد اديس ابابا وعاد قادتها الى اديس ابابا، ثم عاد قادة جبهة تحرير ارومو الديمقراطية ( أي دي اف) التي كانت مصنفة ضمن المنظمات الارهابية بعد 25 سنة من التواجد في المنفى. وارسلت الجبهة المتحدة لاستقلال اروميا وفدا يمثل الاثيوبيين في امريكا وكندا واروربا .. وكانت معارضة شرسة الى اديس ابابا لالتقاء بالحكومة الجديدة ، وتم التصديق لشبكة الانباء الارومية بالعمل في اثيوبيا بعد أن كانت تبث من امريكا ، ووكالة انباء ( ايسات) المعارضة ، وافرج عن الشيخ أحمد دين جبل والشيخ ابوبكر أحمد وهما من اكبر الدعاة المسلمين في اثيوبيا واستقبلهم ابي احمد في مكتبه داعياً لهم الانخراط في العمل من أجل بناء اثيوبيا الجديدة. والأمر الأهم إعلان المعارض الشاب جوهر محمد الذي يعيش في امريكا والذي يتابعه في صفحته في مواقع التواصل أكثر من مليوني شخص ، وتجد كلماته أذنا صاغية من المعارضين خاصة في اقليم الارومو ووسط الشباب أنه سيعود بعد شهر ‘الى اثيوبيا ليشارك في المرحلة المقبلة وقال إنه سيعود ناشطاً ومديراً لشبكة أروميا الاعلامية التي كان لها دور كبير في المعارضة في العامين الماضيين وبعد أن اسقط المدعي العام جميع التهم الموجهة له ، وكنت قد قرأت له تعليقاً قبل فترة بسيطة بأنه لا يستطيع العودة إلى أديس ابابا لأنه لوعاد سيقوم النظام بتصفيته ، فاذا بالحال بتغير بين عشية وضحاها والآن يعلن عن عودته ، واعتقد أنه سنال استقبالاً تاريخياً..فهل سيكون جزءا من الدولة في المستقبل القريب؟

عاد الجميع وطرحت الحكومة على البرلمان قانونا لإلغاء تصنيف المنظمات المعارضة كمنظمات ارهابية حيث الغى البرلمان بالامس تصنيف المنظمات الثلاثة بتهم الارهاب ،..وهذا يعطيك مؤشر واضح لحجم التغيير الذي حدث في اثيوبيا ففي خلال اقل من ثلاثة أشهر تقوم هذه المنظمات المعارضة التي كانت تناكف الحكومة لحوالي ربع قرن وتتخلى عن العمل العسكري والسياسي المعارض وتعود إلى أرض الوطن.

وجاءت المفاجأة الكبرى بدعوة اريتريا إلى المصالحة وتطبيع العلاقات ففي خطابه الأول دعا إلى المصالحة مع اريتريا فظن الناس انه شعار ليس إلا خاصة بعد الصراع الدموي الذي خلف عشرات الالوف من الضحايا بين الجانبين واستمر الخلاف لعقدين من الزمن.

جاء الوفد الاريتري برئاسة وزير الخارجية ومستشار الرئيس الاريتري يماني قبرآب حيث استقبلهم رئيس الوزراء كاسراً البروتوكول فكان استبالا شعبيا ورسميا ازال الحواجز واختصر عملية التطبيع وتغزل جميعهم في بعضهم البعض وغدا سنرى ابي احمد في اسمرا بعد اعلانه بدء انطلاق الخطوط الأثيوبية بين اديس واسمرا مطلع سبتمبر القادم ومعيدا العلاقات بين البلدين إلى مجراها الطبيعي.

كل يوم يصحى فيه الاثيوبيون على قرار جديد يلامس شغاف قلوبهم ويزرع فيهم الأمل بالمستقبل الواعد...شفافية متكاملة ، دعوات الاصلاح انطلقت دون توقف ، الحرية للجميع ( الحرية لنا ولسوانا). لم ينتظر حتى تضع الحكومة برامجها وخططها .. أسلوب الحكومات العقيمة في دول العالم الثالث. تحرك لحلحلة جذور الازمة في الصراعات التي أصبحت متفجرة في الاقاليم ، وأدار حواراً مع الشباب وشيوخ القبائل والقوميات ورجال الدين داعياً إلى نسيان الماضي والنظر إلى المستقبل.

الفترة التي امضيناها في اثيوبيا كانت كفيلة بتأكيد أن هذه البلاد مقبلة على تطور دراماتيكي لن يستوعبه الكثيرون!!

اثيوبيا دولة القوميات المتعددة تقدم دروساً في التنمية والتطور السريع .. والآن تقدم نموذجاً للقيادة الشابة المتفائلة التي تستطيع أن تصهر القوميات في بوتقة واحدة وهدف واحد هو بناء الدولة الاثيوبية. الوجه السياسي والاقتصادي والتنموي لإثيوبيا مقبل على تغيير جذري وهيكلي فلنتابع ما يجري لأننا كل يوم نصحى على تطور جديد وقرار جديد يأتينا من العاصمة الاثيوبية.

ولابد من الإشارة هنا إلى تغريدة الرئيس الامريكي دونالد ترامب في تهنئته لرئيس الوزراء أبي احمد بمناسبة العيد الوطني لإثيوبيا قائلاً : ( تهنئة عظيمة إلى أبي أحمد وقيادته الشابة في اثيوبيا ، هو الرجل المناسب الذي تحتاجه افريقيا – bold,fresh,leadership- هذا هو الامر الجديد للدولة ، والجيد للشعب الاثيوبي ، وتهنئتي للتغيير الحقيقي ) !!!

والسؤال المطروح .. ماذا تعني هذه الخطوات الجديدة للإصلاح التي يقودها الشاب ابي احمد؟ هل هي تعبير عن قيادة شبابية جديدة ونموذج جديد على الساحة الافريقية؟ .. واضح أن هذه السياسات سوف تؤثر على باقي دول القارة الافريقية التي تعبت من الرؤساء الذين لا يتخلون عن السلطة الا بالموت أو الانقلاب عليهم والحجة بأنه ليس هنالك بديل ليبقى الزعيم الاوحد سنينا عددا .... وهو الأمر الذي قاد إلى تخلف القارة التي نالت معظم دولها الاستقلال منذ سنوات عديدة .

التغيير لابد أن يحدث في هذه القارة بعد اكثر من نصف قرن من استقلال معظم دولها ولاتزال تزحف كالسلحفاة ويقودها من شاخت عقولهم قبل اجسامهم ولايزالون ممسكون بعجلة السلطة ، فلنأخذ العبرة من القيادة الجديدة في اثيوبيا !!
ولكن يبقى سؤال مهم .. هل الامور ستسير في اثيوبيا بهذه السهولة ؟ ام أن هناك من العقبات والتحديات التي ستحول دون تحقيق كل تطلعات القيادة ؟ وما هي أهم هذه التحديات التي ستواجه القيادة الجديدة ؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة بإذن الله.

علي عثمان المبارك / صحفي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.