أحوال

من الإشارات اللافتة في الرواية العربية، ذلك المفتتح الموحي الذي ابتدر به الروائي عبدالرحمن منيف رواية "شرق المتوسط: الآن هنا". ففي هذا المدخل أورد منيف مقولة "تراثية" منسوبة لـ "سفيان الثوري" يقول فيها: "إذا وجدتم شرطيا نائما عن صلاة فلا توقظوه لها فإنه يقوم يؤذي الناس". تذكرت هذه المقولة وأنا أتابع الأخبار والتحليلات المتواترة حول حادثة قتيل شارع النيل، الذي توفي بنيران الشرطة أثناء محاولة إلقاء القبض عليه. فهل هناك أذية يمكن أن يتعرض لها المرء أكثر من القتل؟

نعم للشرطة أدوارها العظيمة في حفظ الأمن التي لا يمكن لأحد إنكارها إلا إذا كان مكابرا ومترصدا. بيد أن هذا لا ينفي أن لذات الجهاز الخطير أخطائه "المرعبة"؛ ومنها الحادثة الأخيرة وحوادث مشابهات لها. ولعل الترجمة الكبرى لهذه الأخطاء تتمثل في حالة الخوف – اللامبرر – التي يعانيها أغلب مواطني هذه البلاد من سطوة هذا الجهاز الحساس، رغما عن الشعار الجميل: "الشرطة في خدمة الشعب". ما الذي يدفع الناس، وهم في حالة براءة تامة للخوف من الشرطة؟ لابد أن هناك "سمعة" تخويف مرعبة شاعت عن هذا الجهاز تدفع الناس للخوف، وهذا أمر يجب أن يتبدد، فالوضع الصحيح أن الشرطة في خدمة الشعب ومحبته وتحت تصرفه لا لتخويفه أو إرعابه.

بلا شك، ستجري الأجهزة المعنية تحقيقا حول الحادثة الأخيرة، وبغض النظر عن البيان الذي صدر عن أحد المسؤوليين الشرطيين، فإننا نتوقع إنصافا تاما للمجني عليه وأسرته ومعاقبة المتسبب في موته بهذه الطريقة البشعة إن ثبت – وهو الراجح – أنه لم يكن هناك ما داع أصلا لاستخدام النار في مكان مثل هذا المكان – شارع النيل – وفي مواجهة شاب أعزل.

واجهت بعض المدن الأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية موجة من المظاهرات الاجتجاجية وأعمال العنف والتخريب بوساطة المواطنين السود، كان السبب الرئيسي وراءها التفلتات والتصرفات العنصرية للشرطة الأمريكية، إذ تكررت حوادث القتل غير المبرر في مواجهة الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية في حالة لا يمكن وصفها إلا بأنها ترصد عنصري مقصود من قبل الجهاز الشرطي "الأبيض".

وقد أثارت تلك الأحداث إلى جانب موجة العنف المعبرة عن غضب السود من هذا الترصد؛ أثارت أسئلة تتعلق بحجم السلطات الممنوحة للشرطي العادي والتي تخول له استخدام السلاح في مواجهة المواطن العادي – غض النظر عن لونه – وهي أسئلة ربما نحتاج إلى ترحيلها إلى هنا أيضا لنعرف حدود "الاستخدام الناري".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.