محمد كمال الدين
باحث أكاديمي في العلوم السياسية جامعة بريستول
المملكة المتحدة

بردٌ ترتجف له كل أطراف البدن... ريحٌ تؤرجح جسدي ذا التسعين كيلوغراما كما تفعل بالأقمصة القطنية على حبل الغسيل... و أمطار مزاجية تلعب "الغُمَيضَة"؛ كما الاطفال هي في رحيلها الفجائي و مجيئها المفزع. كان ذلك يوم سبت فلا جامعة أذهب اليها و لا طلاب مبتدؤون أنثر عليهم بقايا بعض الأفكار السيريالية المستلهمة من قراءات الأمس و التي ما انفكت تقاوم شبح التبخر أثناء مسامرات عطل نهاية الأسبوع اللاغائية. مللت الكبت الفكري و حوار الذات للذات و سئمت المنلوجات اليومية أمام مرآتي المعذبة هي الأخرى من لا تبادلية الحوار الذي فُرض عليها. لا أود الحديث عن التنس اليوم و ليذهب جوكوفيتش الى الجحيم! فمن يا ترى أبادله مدخرات ليالي القراءة الصامتة و الجلسات الافتراضية (virtual) مع كل هؤلاء الحكماء (الأموات منهم و الاحياء) المتراصين في وقار على رفوف مكتبتي كلٌ يرقب دوره في جلسة تنويرية مع شاب ساذج مثلي. من يا ترى يفعل ذلك؟


كم أنت مروع أيها الطريق السريع! ما الذي ينتظر هؤلاء السائقين في بيرمنجهام كي يخرقوا له قانون المرور؟ ألا تكفيهم سبعون ميلاً في الساعة ؟ نظرت في الساعة. إنها الثانية و النصف؛ سبعون ميلاً في الساعة لا تكفي حقاً ! لا يهمني القانون الآن، علي أن احجز مقعدي قبل الثالثة و إلا سيغضب عثمان.

 

في نادي الكتاب العربي، كانت الجلسة أصغر مما توقعت بكثير. عشرة أشخاص تقريباً. إخترت أن أتوسطهم كما هي عادتي لتفادي الوقوع في فخ الإدلاء بالرأي أولاً. كانت الجلسة عن كتاب "مصرع الانسان الممتاز" للدكتور و الفنان التشكيلي عبد الله بولا. حين استهل الوسيم عثمان حامد عرض معالم الكتاب البارزة، بدأت شقتاي بالانفراج التبسمي على نحو تدريجي. كان عثمان رائع الموضوعية في نقده لبولا حتى أنني لم استطع التوقف من ممارسة عادة هز الرأس الروبوتية التي تشعرني أحيانا بالإحراج. بولا -حسب عرض عثمان- فنان ينادي بنبذ الصفوية في مجال الفن التشكيلي. بولا ورغم أنه سوربوني التعليم يرى أن كل صانع للجمال هو فنان بمعنى الكلمة؛ النحات الذي ينحت بالفطرة فنان و صانع الاحذية الجلدية فنان بل و ناسجة البروش البلدية فنانة. دعوة بولا -كما أراها- هي آلية مبدعة في قدرتها على صد تلكم "الهيمنة الثقافية" التي تمارسها صفوة/نحبة متعالية على طبقة تعتبرها أدنى منها و لا تستحق الارتفاع الى أبراجهم العاجية وليس لها إلا التقليد و الإذعان بالدونية. أمام هذا العرض المفحم، آثرت التعبير فوراً عن الإجلال لهذا الرجل الإستثاني في المجلس الذي حضرته زوجة بولا الاستاذة نجاة عبر الاسكايب من باريس. بل و تماديت -أنا القزم ابن الحادية و الثلاتين هذا- و أعلنت جهاراً مجيء لحظة ال"أوريكا" التي طالما انتظرتها. قلت وبصوت عالٍ لمجلس المثقفين الجهابذة أنني أخيراً وجدت أنطونيو قرامشي السوداني الذي بحثت عنه طويلاً دون جدوى في صفوف المثقفين السودانين و بين أجيال الماركسين السودانيين المتلاحقة. و تباكيت على كون هذه الأجيال لم تضم غيرالماركسيين التقليدين لا المجددين كقرامشي. و يا للأقدار! شاءت هذه الأخيرة أن أضرب بعبد الخالق محجوب مثالا توضيحيا لهذه الماركسية الكلاسيكية. حينها قاطع حديثي صوت هادىء ومتحمس في آن واحد : بل عبد الخالق هو أنطونيو قرامشي! كان ذلك صوت الدكتور صدقي كبلو صاحب المسيرة النضالية الطويلة مع الحزب الشيوعي السوداني. الدكتور كبلو لم يطل الجدال في الموضوع و في حكمة بائنة منه قال لي: ما تسمع مني، اسمع من عبد الخالق ذاته! ثم أرسل لي ستة مؤلفات للمرحوم هي : في سبيل تحسين العمل القيادي، في افريقيا : المدارس الاشتراكية، آراء و أفكار حول فلسفة ألإخوان المسلمين، حول البرنامج، قضايا ما بعد المؤتمر، إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير. ها أنذا الآن في جلسة إفتراضية مع هذا العَلَم الشيوعي فهل يا ترى ستفضي جلسته التنويرية إلى أنه قرامشي حقاّ؟ لا أدري بعد... ولكن، باسم قيم الباحث الباحث عن الحقيقة حقاً ، أعلن تجردي من كل إنحياز لرأيي المبدئي و أتعهد إلتزام منهجيةٍ صارمة في إصدار حُكمي على المؤلف من خلال كتاباته المرسلة إلي فقط. فهل كنت يا عبد الخالق قرامشيا؟

 

الرد على هذا السؤال يقتضي أولاً تسليط الضوء على معنى أن يكون الشخص قرامشيا و هذا إعمالا مني بمبدأ أن "توضيح المفردات يرفع نصف الجدال". القرامشية في سياق هذا الطرح تعني الإنتماء أو تنبني أطروحات المنظرالسياسي النيوماركسي (أي الماركسي المجدد) الايطالي انطونيو قرامشي. توفي قرامشي بعد أيام من مغادرته زنزانات الفاشية الموسيلينية في العام 1937. لكنه خلف تلك القضبان كتب "مذكرات السجن" الشهيرة و التي تعتبر من أهم الإسهامات في التنظير السياسي في القرن العشرين. كتب قرامشي في السياسة و الإقتصاد و اللغويات و علم الإجتماع ولكن ما يهمنا في هذه المقاربة هي نظريته السياسية الأشهر على الإطلاق: الهيمنة الثقافية (Cultural Hegemony). الهيمنة الثقافية هي إحدى آلاليات الطبقة البرجوازية الرأسمالية في التحكم في طبقة البروليترايا المسحوقة. من دونما إختصار مخل أو تفصيل ممل، يمكن القول بأن هذه الآلية تيسر للرأسمالية عملية نشر ثقافتها في الأوساط البروليتارية عبر وسائل الإعلام و التعليم التي تحتكرها. دهاء هذه الآلية يكمن في كونها تجعل البروليتاريا تتشبع بجرعة من هذه الثقافة المفروضة تكفي لكسب رضاها عن الأحوال السياسية و الإقتصادية و لتحجيم نضالها ضد الرأسمالية دونما لجوء لأساليب القمع العنيف مثل الجيش و الشرطة. و بذلك يمكن القول بأن هذه الهيمنة الثقافية هي في حد ذاتها شكل من أشكال القوة (الناعمة) التي تخدم الرأسمالية بنجاعة و توسع هوة الفوارق الطبقية بهدوء تام. هيمنة قرامشي تحمل في طياتها تفسيراً ايديولوجيا لمفهوم الهيمنة الذي حصره ماركس و لينين في التحكم في أدوات العنف و السياسة والإقتصاد. أنا أرى أن لنظرية الهيمنة الثقافية مقدرة عالية على تفسير تاريخ السودان السياسي الطافح بالحراك الطائفي كما أكدت نتائج صناديق الاقتراع في عهد الديموقراطيات الثلاث. و أراهن على أن هذا النمط الماكر من الهيمنة يمثل العقدة الواجب حلها كشرط أساسي للإنعتاق من دوامة الانصياع للنخب السودانية المنتفعة و الفاشلة. وهنا تكمن أهمية التحقق من وجود قيادة قادرة على فك هذه الشفرة المستعصية و التنظير لميكانيكيات الخلاص بشكل مبتكر لا حذافيري النقل.

 

على النقيض من أساليب التشويق السينماتي القاضية بإغراق المُشاهِد في فُضول معرفة الخاتمة، سأعلن في لاسينماتية مطلقة عن خاتمتي (أي نتيجة بحثي) في حينٍ مُبكر و أترك لكم فضول إستكشاف المسالك التي أدت إليها. إن النظر لفكر عبد الخالق محجوب (المُدَون منه) عبر عدسات قرامشية يرهق العين كثيراً. قرامشية الفقيد مكروبية الحجم و تحتاج إلى مايكروسكوب قرامشي للكشف عنها. يتجلى بعضها في مواقع غير متوقعة ثم يختفي؛ كلمة "هيمنة" أو ما يرادفها تكاد تكون منعدمة في هذه المؤلفات الست. أما كلمة "ثقافة" فحين يأتي ذكرها يخذل سياق إستخدامها هذا المراقب المتلهف خلف العدسات القرامشية. في هذه الأثناء، تنهمر شلالات العبارات الماركسية الأرثودوكسية في كل الصفحات: ثورة، عنف، استغلال، طبقات، الخ. أما في استشهاده بقدامى المنظرين و المناضلين الماركسين فالمدهش أن عبد الخالق محجوب يمنح في سخاء مفرط كل إستشهاداته -المنقولة لفظاً أو معناً- لشخص واحد هو لينين. فاتني أن أعد الخطرات التي ورد فيها ذكر لينين في هذه المؤلفات لكنها بحسب ما أتذكر فهي تفوق الخمسة عشرة خطرة تقريباً. أو ليس تَرَبُّع لينين وحيداً على عرش استشهادات المؤلفات "الخالقية" شيئا ذا دلالة؟ بلا، ولكن لأسباب ابستمولوجية يصعب استنباط دلالة جازمة لذا فسأكتفي بعرض سريع لبعض الدلالات المحتملة: أ. المؤلف شخص واسع الاطلاع و اختياره لينين جاء عن إنتقائية منهجية ب. المؤلف ضيق الإطلاع و راديكاليته اللينينية هي تعبير عن ذلك. ج. المؤلف يتبع البراجماتية في مخاطبة القارئ بما يريد سماعه؛ إذن لا يمكن قياس أفق المؤلف الفكري.

 

عبد الخالق لم يكن قرامشيا بل كان ماركسيا تقليدياً. هذا ما أفصحت عنه دراسة هذه العينة من مؤلفاته التي أحاجج بأنها على قدر جيد من التمثيل (representativeness) و قابلية التعميم. رأيي في أن الفقيد لم يكن قرامشيا لم يبنى على التحليل الشكلي للنص (فقط) الذي سلف عرضه بل أيضا على تفحصٍ لبعض موضوعاته التي تحمل في طياتها شيئاً من قرامشية. في كتاب آراء و أفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين كان عبد الخالق محجوب شديد النقد لكل من محمد قطب وسيد القطب الذان نعتهما بفلاسفة الإرهاب. و لكنه لم يصدر حكمه عليهما بشكل إعتباطي بل أطال الشرح في أسباب إتخاذ موقفه هذا. وأراني هنا أوافقه كثيرا في عتابه لقطب و قطب في حثهما على التعالي على الخلق بتكفيرهم و في إنتاجهما لحفنة من المتشيخين المطمطمين الذين يُجَهِلون المجتمع من عند آخره ويزعمون خلافة الله في الأرض و ينتهجون الجهاد سبيلاً لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. عاب عبد الخالق أيضا على محمد قطب عدم نزاهته العلمية في نقده للماركسية و الاشتراكية اللتان نقدهما وهو يجهل معانيهما الحقة. و استشاط غضبا لتدريس كتابه شبهات حول الاسلام كمقرر مدرسي يُلَقَنُ تلقيناً للتلاميذ و يقصي العقل الناقد و أسلوب الحوار في تلقيه أثناء الدرس. هذا النقد لعبد الخالق يحمل بعض المعاني القرامشية في تصديه للهيمنة الثقافية التي تحاول النخبة السياسية تغليفها في إطار ديني و إسقاطها قسراً عبر وسائل التعليم. و ثورة عبد الخالق على أسلوب التعليم الذي ينفي العقل و يحفز على تخزين بعض المسلمات المشوهة من ثم إستظهارها بشكل ببغائي ما هي في الحقيقة إلا ردة فعل قرامشية الكنهة. فهي و بوضوح دعوة للطبقة العاملة لإبطال مفعول هذه الألغام الايدلوجية الرأسمالية المزروعة لتفتيت ثقافة البرولتيريا و فرض شكل جديد من أشكال الإستعمار الثقافي. و مادمنا بصدد الحديث عن الإسلام، فإنني أرى (بعيداً عن التحليل) من الملائم أن أعبر في صدر هذه الفقرة عن إعجابي بآراء الفقيد المستنيرة و الداعية إلى بسط نسخة منفتحة من إسلام ذي قراءة تواكب تحديات العصر و قضايا الساحة.

 

لا يمكن الإدعاء بموضوعية هذا التحليل دون فحص موقف عبد الخالق محجوب من دور المثففين في التصدي للهيمنة الثقافية. يقول قرامشي بأن " كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني ، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين ، وهي وظيفة لا يمتلكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس .. و هذَا هو الفرق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي .. الاول يعيش في برجه العاجي ويعتقد انه أعلى من كل الناس ، في حين أن الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين .. وعليه ، فإن المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا أمته .. اي أن المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف حتى وإن كان يحمل ارقى الشهادات الجامعية". كان عبد الخالق في كل مؤلفاته المذكورة آنفاً و خصوصا كتابه "إصلاح الخطأ" مخاطبا للمثقف التقليدي لا العضوي. هذا المثقف التقليدي الذي لا يعتبره قرامشي محركاً للثورة على الإطلاق. فغالبية مؤلفات الفقيد تشابه في طرحها مذكرات حزبية داخلية و سلسلة من التوجيهات لتطوير العمل الحزبي و تلميع صورة الحرب الخارجية أكثر من كونها تنظيراً لطريق الثورة موجهاً للجمهور الثوري بشكل عام. وبغياب خطاب توجيهي مباشر للمثقف العضوي تغيب اللمحة القرامشية من هذا الخطاب أيضا. و لكن و للإنصاف، أرى في هذا الخطاب قرامشية غير مباشرة. بمعنى أن عبد الخالق ورغم عدم تركيزه على مخاطبة المثقف العضوي أبدى سعياً حثيثا في سبيل تحويل أعضاء الحزب من المثقفين التقليدين إلى مثقفين عضوين. و كان يوبخ دونما رحمة منه أولئك المثقفين التقليدين الذين إرتدوا عن ثقافاتهم الشعبية و ترفعوا عنها بزعم "الأفندية" و الرقي الفكري. وكان في ذكاء شديد يدعو لتصالح المثقفين من أبناء الحزب مع الأعراف المحلية و تعريف المجمتع السوداني بسماحة الأخلاق الماركسية (على حد تعبيره) من خلال ضبط السلوك الذاتي مثل تجنب السكر والعربدة في العلن.

 

إذن و في الختام أعيد القول بأن عبد الخالق محجوب لم يكن قرامشياً بالمعنى المطلق للمصطلح بل كان أكثر منه لينينياً ثورياً. أو فلنقل أن هذا هو ما أفضى إليه تحليل عينة ممثلة من مؤلفاته. نعم، تعددت إشاراته لأهمية الثقافة الشعبية لكنه أهمل عرض آليات واضحة تحصن هذه الثقافة الشعبية من الإختراق البرجوازي. سيظل هذا رأينا في الفقيد إلى حين أن نتمكن من قراءة المجموعة الكاملة لمؤلفاته و لن ينحرف التحليل عن مساره ليضم بعض النقل الشفوي عن فكر الفقيد من خلال معاصريه. فهذا هدّام للمنهجية و جلّاب للنزعات التحيزية. و يجب أن أنوه قبل مغادرة القارئ بأن قرامشية عبد الخالق أو عدمها لم تكن قياساً لحجم عطاءه و إسهامه بل كانت مجرد محاولة لإستكشاف رأي أحد جهابذة السياسة السودانية في قضية نحسبها الأهم في تفسير زوابع الفشل السياسي في السودان منذ الإستقلال. يمتلك عبد الخالق محجوب من الذكاء الإجتماعي و الدهاء السياسي ما يفتقره السودان الآن للإسهام في الخروج من مستنقع الإنقاذ الوحل فهو منظر حزبي من الطراز الرفيع ولا ينقص من قدره شيئاً ان أغفلت كتاباته موضوع الهيمنة الثقافية .

 

عبد الله بولا تعرض لموضوع الهيمنة الثقافية من منظور فني محض. وهذه خطوة جيدة في سبيل التوسع في التنطير لبناء مضادات للغزو الثقافي الصفوي تنطيراً يشمل حقولاً أكثر تعقيداً كالدين على وجه الخصوص. وبذلك فإنني أعلن أن مشوار البحث عن أنطونيو قرامشي السوداني مازال مستمراً.

 

محمد كمال الدين

 

ايميل:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.