جئت من منطقة أبيي فى نوفمبر 2013 م بعد الاستفتاء الشعبى ومررت بمناطق عديدة فى اقليم بحرالغزال بدء ب(ميان ابون) عاصمة ولاية تويج الحالية ومكثت حوالى 10 يوم فى مدينة ورووك على ضفاف نهر لول ، جذبنى جمال المدينة الصغيرة التى تعانى الإهمال كسائر المدن فى البلاد ، لو وجدت حظها من الإهتمام ، ستنهض بوتيرة متسارعة ، حسب نظرتى كدارس جغرافيا ، فمدينة وروك تحمل وظائف عدة ، وظيفة تجارية لأنها مدينة تقع فى ملتقى طرق من وإلى محافظة تويج السابقة والولاية فى الوقت الحالى ، وزراعية لأنها على ضفاف نهر لول وهى من روافد نهر بحر الغزال ، وسياحية لأن النهر شكلت لوحة جمالية تجذب الأنظار وتلطف الأجواء كما يشجع على السياحة .

تأسفت جدا كواحد من الذين عملوا فى حقل التدريس لسنوات عندما وجدت أطفال فى السن المدرسى يتجولون فى الطرقات والأسواق فى وقت يفترض ان يكونوا فى قاعات الدرس (ساعات الصباح والظهيرة ) وناقشت الموضوع مع واحد من كبار الشيوخ ، لم يسعفنى ذاكرتى المتواضعة ان اتذكر اسمه جيدا ؛ وقلت له كيف يكون مصير هؤلاء الصبية بعد عشرين سنة ؟ يعنى لو عدت بعد عقدين من الزمان ( الحديث بطونقمونجانق ) ان مد الله لنا آجالا لهذه المدينة ؛ كيف تكون شكلها ومامصير هؤلاء الصبية والصبايا عندما يتقدم بهم العمر إلى مرحلة الشباب ؟ نظر لى محاورى مرددا ومهمهما : وماذا أفعل انا ؟! قلت له : لك دور كبير قد تلعبه فى تذكير الناس بأهمية تعليم الصغار لأنهم مستقبل هذه البلاد وقلت له ما أقصده هى الإدارة الأهلية بحكم تأثيرها الكبير فى المجتمع .
كان يردد مع بعض زملاءه الحاضرين : ان القضية التى تتحدث عنها هى شأن حكومى خالص، أذهب لهم فى كواجوك وجوبا وبلغهم عما تتحدث عنه !
على العموم خلاصة قولى فى حوارى معهم : ان أبناء جيلنا تعلموا فى وقت لم يك لدينا كجنوبيين حكومة تدير شئوننا ، ان عجزت الحكومة الحالية فى توفير التعليم فيجب تضافر الجهود المجتمعية ، وهذه هى النقطة الجوهرية محور الحديث الذى اخذ وقت ليست بالقصير من زمن محاوريننى .

ناقشت هذا الموضوع مع عدد من نخبة وشباب من مناطق مختلفة .
لن أقيم الوضع فى أبيي لأن الأجواء هناك وقتئذ إستفتائية ( استفتاء اكتوبر 2013 ) وبالطبع لا يقل عن وروك وقوقريال وكواجوك وهى محطات شملت ملاحظاتى الميدانية وتوقفت فى واو والفاقد التربوي كانت مخيفة للغاية .
هنا فى الإقليم الإستوائي الذى يفترض أن يكون أفضل حالا من غيره ؛ لأن به مقر السلطة الحاكمة والخدمات أفضل مقارنة بالأقاليم الأخرى ؛ إلا أن الفاقد التربوى كبير جدا ، وفى مناطق طرفية فى جنوب الإقليم المذكور تم تجنيد عدد كبير من الأطفال ليستخدموا من قبل من نعتبرهم نخبة ، كوقود فى حرب عبثية ومطية للوصول إلى مناصب رفيعة فى البلاد .

إما أعالى النيل الكبرى فتلك هى الطامة للكبرى!
بعدما اندلعت الصراع فى آواخر 2013 م واستمرار الحروبات حتى اللحظة رفعت نسبة الفاقد التربوى إلى أكثر من ثلثي الأطفال فى البلاد حسب تقديرات المنظمات الدولية !

وهنا سؤال جوهرى يطفح إلى السطح وبقوة : كيف ستكون مصير هذه الأمة بعد عشرين او ثلاثين سنة قادمة ، وأطفال اليوم الذين يفترض أن يكونوا شباب وسواعد البناء لم يتلقوا فرصهم فى التربية والتعليم ؟!

بالمعنى ان الوضع المزرى الذى نعيشه الآن سيستمر ردحا من الزمان ، لا ضوء فى آخر النفق ولا أمل ان جنوب السودان سيستقر ، ان لم يتم تحرير الناس من الجهل التى هى آفة كل الأمراض قبلية او مليشياتية !

جملة القول : ولو ارتفعت نسبة التعليم سترتفع نسبة الوعى وستحد من عملية الإستغلال السئ للشباب ولكن هيهات!
اتوقع إستمرارية ظاهرة الإستقطاب المجتمعي والقبلى خلال ثلاثة عقود قادمة.
سيستمر تجنيد الشباب غير الواعى ( الأغلبية المطلقة ) بدعوى حماية حقوقهم القبلية والمناطقية بذات المفردات المستخدمة فى الإستقطاب والتجنيد فى الوقت الحالى ، الخطاب القبلى والمناطقى والإقليمي سيبقى مابقى الجهل ، والمؤسف ان كل هذا يأتى من نفترض فيهم النخبوية ، بغية تحقيق مطامع ومطامح ذاتية أنانية تدمر البلاد وتنعش جيوبهم ... ولك الله يا وطنى !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.