في نهاية القرن التاسع عشر انطلقت في فرنسا قضية اسمها قضية دريفوس وهي قضية اضطهاد ديني ومؤامرة سياسية على ضابط يهودي فرنسي كانت واضحة التلفيق. تدخل الاديب الفرنسي اميل زولا وكتب مقالته المهمة والتاريخية " اني اتهم " (بالفرنسية:! J'accuse) - هذه القضية اعتبرت اول تدخل للمثقف بصورة حاسمة في القضايا العامة حين يقف ضد التيار وينحاز للحقيقة معرضا نفسه للخسارات الجسيمة. منذ ذلك الوقت اصبح للمثقف مسؤولية تفوق مسؤولية السياسي أو العسكري، ذلك إن المثقف هو روح المجتمع أو هكذا ينبغي أن يكون.

ويعرف الكثيرون حجم احترامي للاستاذين الجليلين شوقي بدري ومحمد جلال هاشم ، وذلك لما تميزا به من وقوف ضد القديم وانحياز لقضايا الشعوب السودانية ولأفريقية السودان ولما مارساه من جهد تنويري عبر السنين. فوق ذلك فان الدكتور محمد جلال هو مستشار لحملة سودان المستقبل وقد قام بالتدريب لكوادرها وقدم لي دعما معنويا قويا عند اعلان الترشح لا يمكنني انكاره.

لكن موقف الاستاذين الجليلين تجاه قضية قاسم بدري وعنفه تجاه الطالبات وسوء وفردية إدارته لجامعة الإحفاد وايدلوجيته الذكورية التي ظهرت والتي عبرت عن تسلط بشع كان معيبا ومخيبا للآمال. فقد هاجم الاستاذان في عدة مقالات منتقدي قاسم بدري وانتقداه برفق مع تبرير ووقفا معه في المحصلة وتحدثا بحديث مردود عن استهدافه وإستهداف أسرة بدري وجامعة الأحفاد الخ ، وعن انه قامة ورمز وشخصية بارزة ومن أحرار الرجال وهلمجرا ، ليثبتا بذلك ان هناك خيار وفقوس في العمل العام، وان العنف ضد المراة اذا قام به من يعتبر من اعيان المجتمع وجب الدفاع عنه اما اذا قام به قدوقدو وجب الهجوم عليه . وحق علينا بذلك القول انننا ممن اذا سرق فينا "الشريف" تركناه واذا سرق فينا الضعيف اقمنا عليه الحد.

ويسأللني الكثيرون لماذا كل هذا الاهتمام بقضية قاسم بدري من طرفي بل ويذهب آخرون أنها تسحب من رصيدي الانتخابي . فليكن . الشاهد ان قضية عنف قاسم بدري وايدلوجيته الذكورية وإدارته الفاسدة قد اصبحت قضية رأي عام وقد اصبحت هي المحك الذي تختبر فيه المواقف والميزان الذي توزن عليه المباديء. ذلك ان قاسم بدري قد اصبح بحق وكما قال دكتور محمد محمود " الرمز الاول للعنف ضد المرأة في السودان" . كما ان احداث القضية قد اوضحت حجم التخلف والانتهاكات في ادارة جامعة الاحفاد والتي كان يفترض انها منبر متقدم للتغيير وإنصاف المرأة ، فإتضح ان التسلط والذكورية يركبانها في شخص قاسم بدري والذي إتضح كذلك ارتباطه بمجمل جهاز الدولة الكيزانية والتسلطية والثقافة الذكورية التسلطية العنصرية في السودان.

لم يطلب احد من الاستاذين شوقي بدري ومحمد جلال توضيح موقفهما ولو اكتفيا بالصمت في هذا الامر لكان افضل لهما ، لكن ان يتصديا للدفاع عن قاسم بدري بكل علاقاته المريبة مع الكيزان وبكل نهج التسلط الذي طفح منه وبكل العنف الجسدي واللفظي والايدلوجي الذي مارسه ضد طالبات الاحفاد وبكل آليات الاستلاب والتغييب التي ادار بها هذه الجامعة وبكل الاتهامات الموجهة ضده ، انما يشكل ذلك صفعة قوية للحق وخذلانا كبيرا لمعسكر التغيير وانسياقا وراء ايدلوجيات ودولة الاسر الارثية وممارساتها التي ادت بسوداننا الى الخراب.

إن اي موقف لا ينطلق من الادانة الكاملة لقاسم بدري والمطالبة بمحاسبته وابعاده من إدارة الأحفاد ويستهين بجريمته و واي محاولة للزعم بأنه يتعرض لحملة اغتيال شخصية أو ان امر التصدي له يخدم الانقاذ أو انه تهديم لرموز مجتمع (!) او غيرها من التبريرات العقيمة ترتد على صدر الاستاذين الجليلين وكل من سار مسارهما. ان قاسم بدري ليس منا وليس هو رمز لمجتمعنا الذي نطمح له بل هو من الكيزان ودولتهم العنيفة تجاه النساء وهو رمز لمجتمع متخلف وعنيف ، وواجب ان نتصدى له مقدم على كل ما عداه كونه زعم وقوفه مع حقوق المرأة. لذلك تشكل ممارساته اكبر طعنة لقضية مناهضة العنف تجاه النساء. ذلك إن اي رجعي يمكن ان يستخدم هذا الموقف ضدنا كتبرير لعنفه الخاص أو عنف الدولة الكيزانية ضد المرأة. ان المعسكر الذي يسمح بوجود المعتدين في صفوفه وبل ويدافع عنهم ليست له اي اهلية اخلاقية بالوقوف ضد الاعتداء ويخسر قضيته بنفسه.

اخيرا فأنه مما يؤسفني ان اقف علنا ضد استاذيي الجليلين والذي تعلمت منهما الكثير. وكما لكل شخص وكما لي شخصيا هنات فهما أيضاً لهما هنات ، وكنت حتى تاريخه اتجاوز عن هناتهما كما يتجاوزون عن هناتي لكن في مثل هذه القضية المحورية يكون الصمت جريمة، ولأنهما اساتذتنا ولا زلنا نعول عليهما فإن انحيازهما للباطل في هذه القضية يتطلب موقفا واضحا بالاعلان عن الحق كما نراه.

ولا تزال المعركة مستمرة .

عادل عبد العاطي

7/3/2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.