عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تدور في الاوساط السياسية والفكرية والاكاديمية حالياً نقاشات محتدمة حول ماَل حال النظام الدولي الراهن. وأصبح صناع السياسية الخارجية يراقبون بحذر ما يدور في المشهد الدولي، من جراء العديد من المدخلات، التي يرى الكثيرون أنها باتت تؤثر علي استدامته. فالتيارات المناوئة للعولمة، ومنظمة التجارة الدولية، والشعبويين في الولايات المتحدة واوروبا، بالاضافة الي تطلعات القوى الدولية الاخرى الفاعلة في المنظومة الدولية، مثل الصين وروسيا، والتي باتت تعلب أدوراً أكثر تأثيراً ، وتكسب حيز نفوذ واسع، خاصة لدي جيرانها، والبؤر المتوترة في الشرق الاوسط وافريقيا، وعوامل اخرى عديدة تم رصدها كمؤثرات علي متانة وصمود النظام الدولي القائم، لما لها من تأثير واضح علي النمط الليبرالي السائد وتمظهراته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
تناولت كذلك، في الآونة الاخيرة، العديد من الدوريات الأكاديمية المتخصصة، والمجلات والصحف، التحولات في نمط السياسية الدولية، علي ضوء المدخلات العديدة علي النظام الدولي الليبرالي الذي ساد عقب انتهاء الحرب الباردة. ولأهمية الموضوع، وارتباطه الحيوي بمجريات السياسة الدولية، وبالتالي تأثيره علي التوجهات السياسية العامة للقوى الدولية، وانعكاساتها علي مختلف ضروب الممارسة السياسية في العلاقات الدولية، ظهرت العديد من الاراء، باقلام أبرز أعلام السياسة والنظم الدولية، الذين توافقت افاداتهم، رغم اختلاف الخلاصات، الي ان تحولاً هاماً تشهده الساحة الدولية من خلال رصد تأثير المدخلات الجديدة علي المنظومة السياسية والاقتصادية الليبرالية العالمية.
إن النظم الدولية تُبنى عادة علي نسق العلاقات التبادلية بين القوى الدولية المؤثرة والفاعلة في المحيط الدولي. ويطور النظام الدولي اليات الضبط والتحكم ونقاط التوازن للعلاقات التي تنشا بين الوحدات المكونة له، مما يساعد علي استقراره وتناغم الياته. لم تتمكن عصبة الاُمم بعد الحرب العالمية الاولي، من استيعاب التطلعات والطموح الجامح للنزعة القومية التي كانت سائدة لدى الاقطاب الدولية آنذاك، كالمانيا واليابان والاتحاد السوفيتي وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية. حيث باتت الفلسفة السياسية المتمثلة في المدرسة المثالية والأمن الجماعي، التي اعتمدت عليها عصبة الامم، غير قادرة علي ضبط نسق التداخل بين هذه القوى، فقامت نتيجة لذلك الحرب العالمية الثانية. نشأ عقب الحرب نظام ثنائي القطبية، مستنداً علي المدرسة الواقعية ومبدأ توازن القوى بين المعسكرين، الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يعتنق القيم الليبرالية واقتصايات السوق الحر، والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمرتكز علي الاشتراكية والانظمة الشيوعية. نجح هذا النظام، وطور من الأنماط والآليات في العلاقات بين الدول، والكيانات المؤثرة في المنظومة الدولية، بما يجعل قيام حرب عالمية اخرى في عداد المستحيل. كان ذلك نتيجة لسباق التسلح النووي، وانشغال القوتين العظميين في الحرب الباردة، باستقطاب مصادر وموارد اضافية لتطوير قوتيهما. دخل الطرفان في منافسة شرسة علي مدى 45 عاماً، لم تقوى خلاله المنظومة الاشتراكية من الصمود، فانهار النظام ثنائي القطبية عام 1991. وولد النظام الدولي الجديد بعد سقوط حائط برلين، وفشل الاتحاد السوفيتي في كبح جماح تداعيات الانهيار بتساقط الوحدات المكونة لاتحادالحُلم الاشتراكي الواحدة تلو الاخرى. بات الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية مزهواً بانتصاراته بغياب المنافس، وإعتلاء سدة القرار في السياسة الدولية، معلنا عن اُحادية قطبية للنظام الدولي. وأنبرى المنظرون في حقل السياسة الدولية بالتقديم لنظريات حول نهاية التاريخ بانتصار الليبرالية والنظم الرأسمالية وسيادتها، باعتبارها خلاصة وعصارة تجارب الاُمم في النظم المرتبة لعلاقات الدول. نشأ علي إثر ذلك نظام اُحادي القطبية، أصبحت بموجبه الولايات المتحدة مركز ثقل علاقات العالم الرأسمالي السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، في منظومة سياسية ليبرالية مستلهمة للافكار المثالية للنظرية الولسونية في العلاقات الدولية، التي تنادي بتحكيم المبادي الاخلاقية ونشر الديمقراطية وحقوق الانسان، باعتبارها تطلعات مشروعة للشعوب. ومنظومة اقتصادية راسمالية تنادي بالعولمة واقتصاد السوق الحر واصبحت منظمة التجارة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليين وغيرها من المؤسسات من الدعامات الراسخة للنظام.

ظلت الولايات المتحدة الامريكية محور إرتكاز النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وانفردت بالزعامة بعد انهيار النظام ثنائي القطبية. وظلت السياسة الخارجية الامريكية تسير علي نفس النسق الداعم للتوجهات الليبرالية، التي تجد سنداً قوياً من النخب السياسية التي تدعم توجهات المؤسسة الامريكية نحو العالمية والعولمة. الا أن ظهور ترامب، وفوزه الساحق في الانتخابات التي جرت نهاية العام الماضي، جاء بدعم قوي من الشعبويين، الذين يدعمون توجهات قومية أمريكية أكثر من أدوار عالمية تأتي خصما علي مصلحة المواطن الامريكي. فاز ترامب بشعار " أمريكا اولاً "، والذي يضع القومية الامريكية محور علاقات الولايات المتحدة الامريكية الخارجية. وكانت شعارات الحملة الانتخابية الامريكية لترامب بمثابة زلزال للمنظومة الدولية، التي ظلت عبر عقود من الزمان مرتكزة علي مسلمات وضعها الان ترامب في الاختبار. فالدعوة لإعادة النظر في الاتفاقيات الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة، وفي القاعدة الاقتصادية التي قامت وارتكزت عليها الولايات المتحدة منذ عقود، مثل إتفاقية النافتا للتجارة الحرة لامريكا الشمالية، واتفاق الشراكة عبر الباسفيك، وفرض حواجز جمركية، بالإضافة الي عدم التقيد باتفاقية باريس للتغير المناخي، والتملص من الاتفاق النووي مع إيران، كلها شواهد تشكل هزة عنيفة، لا للمؤسسة الامريكية وحدها، بل لكل للنظام الدولي والعلاقات السياسية والاقتصادية والتحالفات والتحالفات المضادة علي المستويين الإقليمي والدولي.
سياسياً، بالنظر للوضع في شرق اسيا، علي سبيل المثال، فإن التحالفات الأمنية الاستراتيجية مع اليابان وكوريا الجنوبية تشكل مصدراً للاستقرار الأمني والسياسي عبر قوة الردع الامريكية من خلال قواعدها وتحالفاتها في المنطقة. الاتجاه للنظر لهذه التحالفات باعتبارها عبئاً علي الادارة الامريكية، وأن علي الدول الحليفة تحمل نفقات أمنها واستقرارها، يسبب اضطرابات قد تعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية والاستراتيجية في شرق اسيا، إذ أنها تعتبر إختلالاً في نسق التحالفات والتحالفات المضادة، وخلق مراكز قوى جديدة، وطرح خيارات بديلة. إن التشكك في الالتزامات التاريخية للولايات المتحدة سيفرض متغيرات جديدة في النظام الإقليمي الآسيوي، وستعمل الدول علي بناء قدرات عسكرية ذاتية، بِما في ذلك القدرات النووية. تلك عوامل تجعل المنطقة تدخل في سباق تسلح نووى غير مضمون العواقب، في ظل التطلعات الصينية في المنطقة، ووجود أنظمة يصعب التكهن بخيارات فعلها السياسي مثل كوريا الشمالية. بناءاً علي هذه الفرضية، ستكون خيارات السياسة الخارجية للدول في المحيط الآسيوي متأرجحة بين إبقاء نمط تحالفاتها والبحث عن تخالفات جديدة. ومع زيادة التشكك ستتجه الدول الآسيوية اكثر نحو تدعيم قوميتها سواء الوطنية، او الاقليمية، بتعزيز المؤسسات المعنية بالتعاون الاستراتيجي الاقليمي في كافة المجالات، والدخول في تحالفات لا تتضمن الولايات المتحدة.
تشير تجارب النظم الدولية، الي أن مراحل الانتقال والتحول فيها دائما مشوبة باضطرابات، وعدم وضوح في الخيارات، وتأرجح رهانات متخذي القرار في السياسة الخارجية. وفِي ظل هذا الوضع، ستبدو الصين اكثر المستقيدين لما لها من تطلعات إقليمية ودولية واسعة، غير متسقة أصلاً مع التوجهات الامريكية، ناهيك عما فرضته اُطروحات ترامب نحوها موخراً. ينطبق هذا الوضع علي منظومات إقليمية اخرى، في أوروبا مع ظهور الشعبويين، والأزمات المتلآحقة كالأوضاع الاقتصادية والهجرة والتهديد لتماسك الاتحاد الاوروبي نفسه، والتطلعات الروسية. أما في الشرق الأوسط، الذي يشهد إضطرابات وإنقسامات حادة، فإن ضمور التأثير الامريكي يفسح المجال لقوى اُخرى لملئ الفراغ السياسي، وتزداد حدة المواجهة والتنافس المتصاعد بين التيار السني بقيادة المملكة العربية السعودية، والشيعي بقيادة ايران، مع دخول روسيا وتركيا بقوة في المعادلة، كما يحدث حاليا من خلال تطورات الأوضاع خاصة في سوريا واليمن، مما يجتر ظلال الحرب الباردة في اقليم شديد الهشاشة السياسية والطائفية وقابل للعديد من الاستقطابات الاقليمية والدولية.
أما من الناحية الاقتصادية، تمثل وعود ترامب بإنهاء إتفاقية النافتا وإتفاق الشراكة عبر الباسفيك وفرض قيود حمائية وجمركية، خاصة علي الصين، إشارة واضحة عن تخلى الولايات المتحدة عن ريادتها للنظام الإقتصادى العالمي. سيكون لمثل هذه التوجهات، حال تطبيقها، عواقب ذات تأثير مباشر علي المنظومة الاقتصادية العالمية، إذ يؤدي ذلك إما لبناء سياسات حمائية وأكثر قومية مجاراة للتوجهات الامريكية، أو تكوين تحالفات إقليمية موازية ومناهضة للسيطرة الامريكية علي المؤسسات القائمة، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومؤسسات اخرى ظلت رئاستها علي الدوام لامريكا. وقد ظهر ذلك لأول مرة وتمثل في الانتخابات الاخيرة التي جرت لرئاسة برنامج الغذاء العالمي في مارس ٢٠١٧ بانتقاد بعض الدول للطريقة التي يتم بها اختيار رئيس البرنامج الذي ظل أمريكيا منذ انشاءه. كما وستصبح منظومة مجموعة السبع الكبار اقل تأثيراً، وتدخل مجموعة العشرين، التي تضم قوى دولية عديدة، دائرة التأثير القوي في السياسات. وكما في عالم السياسة ستتعدد رهانات عُراب السياسات الاقتصادية نحو تحالفات ومبادرات بديلة، مثل مبادرات الصين الاقتصادية والموازية للمؤسسات القائمة، كمشروع الشراكة الاقتصادية الشاملة، وبنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية، ومبادرة الحزام والطرق، والتي خطت جميعها نحو النجاح رغم معارضة ومناهضة الولايات المتحدة.
تتوالى المدخلات التي تشير الي عدم استقرار النظام الدولي، وما الساحة الأوروبية ، والتي تعتبر من الدعامات الفاعلة والراسخة للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ببعيدة عن ذلك بدعمها للتوجهات الليبرالية العالمية، وقيام اتحادها الاوروبي، الذى نأى عن لعب دور الموازن، خلافاً للتكهنات التي كانت سائدة عقب انهيار نظام القطبية الثنائية، لما تملكه من قوة سياسية فاعلة واقتصاديات تضاهي مجتمعة اقتصاديات الولايات المتحدة. هذا الكيان ،الاتحاد الاوروبي، الذي مثل قمة تطلعات النخبة الداعمة للعالمية، أصبحت تهدده التيارات الجارفة للموجات الشعبوية في العديد من الدول الأوروبية الكبرى. أورد المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية ان ١٨ دولة من دول الاتحاد تطالب بإجراء ٣٢ استفتاءاً، كلها ذات صلة وثيقة بعضوية هذه الدول واتفاقياتها مع الاتحاد الاوروبي. بعض مطالب الاستفتاءات تدور حول جوهر عضويتها في الكيان الاوروبي الجامع كما جرى في بريطانيا، مما عزز مطالب اخرى في نفس الاتجاه، والبعض الاخر عن العملة الموحدة، والحريات الأربع، والشراكة عبر الأطلسي و توطين اللاجئين، وغيرها من الاتفاقيات والمعاهدات.
تنطلى علي الشعبوية ظاهرة الإنغلاق والتمحور حول الذات المستندة علي إعلاء الشعارات القومية المحضة. ودائماً تأتي الخطابات السياسية للشعبويين حماسية ملهمة ومدغدغة لمشاعر الشعوب، ويطرحون حلولاً سهلة ومُيسرة للمشاكل المعقدة، التي يرى الشعبويون أن النخب الليبرالية الحاكمة تتخذ من هذه التعقيدات وسيلة زرائعية للترويج بأنها عصية علي فهم واستيعاب العامة. ويبدو واضحاً أن دفع النخب الليبرالية العالمية، التي اعتلت سُدة الحكم في الديمقراطيات الغربية، بعوامل ومسببات العولمة هي التي قادت الي بروز هذه التيارات، كنتيجة مباشرة لنتائجها السلبية علي الشعوب. تمثلت هذه النتائج في التباطؤ في النمو الاقتصادي، وزيادة الفجوة في الدخل بين النخب وعامة الشعب، والإنكماش والتدهور في الاقتصاديات الغربية، خاصة عقب الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، بالاضافة الي موجات الهجرة وتفشي الاٍرهاب والإسلاموفوبيا. يرجع الشعبويون السبب في ذلك للعولمة الاقتصادية وتحرير التجارة ويوجهون إنتقادات حادة للاتحاد الاوروبي ويسعون الي تفكيك هذا الاتحاد الإقليمي، الذي كان حتى وقت قريب مثالاً للتكامل الإقليمي تصبو العديد من الكيانات الإقليمية لتتبع نموذجه.
ظهرت الأحزاب الشعبوية في الدول الأوروبية الكبرى، وأصبحت ذات ثقل وقادرة علي توجيه السياسات في هذه الدول الي مراميها. وتكتسب يوماً بعد يوم جمهوراً ونفوذاً سياسياً واقتصادياً واضحاً ومؤثراً. يتجلى تأثير هذه التوجهات في خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بفعل حزب الاستقلال البريطاني الشعبوي، واسمه أوضح دلالة لأهدافه ومراميه. ويهدد خروج بريطانيا المملكة المتحدة نفسها بالنظر الي مآلات ذلك علي ايرلندا واسكتلندا. وفِي إيطاليا إستطاعت حركة الخمس نجوم الشعبوية هزيمة الحزب الحاكم في التعديلات الدستورية التي جرت في ديسمبر عام 2016، وأدت الي تنحى رئيس الوزراء والدعوة لانتخابات مبكرة جرت في مارس 2018 تقدمت فيها الحركة وأحرزت نسبة 32%. وللحركة توجهات مناوئة للاتحاد الاوروبي، حيث تطالب برفض عملة اليورو وإعادة الليرا الإيطالية. تظهر قوة التيار الشعبوي ايضاً في فرنسا، حيث يطالب حزب الجبهة الوطنية بالفريكست، علي غرار البريكست البريطاني، وأصبح يكتسب شعبية متزايدة في أعقاب الهجمات الإرهابية المتكررة التي ضربت فرنسا. أحرز الحزب الترتيب الثالث في الانتخابات التي جرت عام 2012 بنسبة ٢٧٪‏ . ونافست مارين لوبن بشدة مرشح الوسط ايمانويل ماكرون، الرئيس الحالي، وقادت الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2017 الي جولة ثانية. ويظهر حزب البديل الألماني تياراً شعبوياً مؤثراً، حيث إستطاع هزيمة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الانتخابات البلدية في برلين وفي عقر دارها الانتخابي. وتهاجم الحركة بضراوة قرار المستشارة الألمانية بقبول مليون لاجئ، وأصبحت سياساتهم مبنية علي مناهضة الخط الحكومي في إستضافة اللاجئين، وقد برهنت الاستطلاعات أن ٨٢٪‏ من الألمان غير راضين عن سياسة ميركل تجاه الهجرة. وتتوالى الأمثلة في حزب بوديموس في اسبانيا، وحزب الحرية في النمسا، والتوجهات العنصرية ضد الإسلام والتي يتبناها الشعبويون في هولندا.
مثلت ظاهرة الهجرة، من ناحية اخرى، تحدياً كبيراً للاتحاد الاوروبي، الذي لم تتمكن مؤسساته من استيعابها، وقد أصبحت واقعاً حتمياً يتطلب معالجات انية. يقع عبء استقبال موجات متدفقة من اللاجئين القادمين من افريقيا علي ايطاليا واليونان المطلتان علي البحر الأبيض المتوسط، ومدخل غرب البلقان لللاجيين القادمين من الشرق الأوسط. وقعت تركيا اتفاقية مع الاتحاد الاوروبي لاستضافة اللاجئين عقب غلق كل من كرواتيا وماسدونيا وسلوفينيا طريق هجرة البلقان. ويتهدد الاتفاق العديد من المقايضات السياسية في العلاقة بين تركيا والاتحاد الاوروبي. وإذا ما قدر لهذا الاتفاق الفشل سيزداد تدفق اللاجئين عبر ايطاليا واليونان لاستضافة حصة الاتفاق ٦ مليون لاجئ. فرض واقع الهجرة غير الشرعية أوضاعاً سياسية معقدة. ليس فقط في السياسات الداخلية تجاهها، وإنما حتى في التزامات الدول تجاه الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق وحماية اللاجئين، واتفاقيات الاتحاد الاوروبي ذات الصِّلة. تنكرت بعض الدول الأوروبية مثل التشيك وهنغاريا وبولندا وسلوفاكيا لتعهداتها تجاه اتفاقية الامم المتحدة للاجئين لعام ١٩٥١، علي الرغم من قبولهم لنظام اللجوء الاوروبي عقب إنضمامهم للاتحاد الاوروبي عام ٢٠٠٤. ومع تدفق موجات المهاجرين، رفضت هذه الدول الحصة المقررة لها من قبل الاتحاد، ويتشددون في نفس الوقت بإنفاذ اتفاقية حرية الحركة لمواطنيهم لتأمين حركتهم تجاه دول تتمتع بمعدل دخل عالي للفرد. استقبلت بريطانيا مثلاً عقب انضمام دول شرق أوروبا للاتحاد قرابة المليونين من بولندا، كما واستقبلت كل من ايطاليا واليونان ٢ مليون من رومانيا في هجرة داخلية أوروبية بحجم كبير وعلي نطاق واسع. إن قضية الهجرة سواء كانت فيما بين دول الاتحاد الاوروبي، او من خارجه، تمثل اختباراً حقيقيا للالتزام الاوروبي بالقيم الليبرالية، وسيادة القانون المتمثل في القانون الدولي لحماية اللاجئين، وكذلك لاتفاقيات ومعاهدات الاتحاد الاوروبي، التي باتت مهددة بتأثير عامل الهجرة، مثل اتفاقيات الحريات الأربع والشنغن وتلك المرتبطة بالامن والحدود وغيرها كنتيجة مباشرة للاضطرابات وتوجه كل دولة لسياسات حمائية دون مراعاة للمصلحة الجمعية لاوروبا. ويجد الشعبويون في ذلك مآربهم وتتحقق غاياتهم بالمزيد من الانزواء والتحصن بالنزعة القومية ومناهضة المبادئ الليبرالية التي قادت لهذه الأوضاع
أما بالنسبة لتأثير القوى الدولية الكبرى علي النظام الدولي، كان الجميع ينظر لروسيا عقب تداعي نظام القطبية الثنائية بأنها سوف تسعى لاعتناق النهج الليبرالي المنتصر، وتتطلع لاذدهار إقتصادياتها ورفاه شعبها، تبعا لما هو متعارف عليه بتبعية المهزوم لمن انتصر عليه. وبالفعل شهدت الحقبة الاولى في مطلع تسعينيات القرن الماضى تبني روسيا لسياسات إصلاحية واسعة النطاق، وانفتاحاً غير مسبوق علي التجارب الاخرى، بعد أن كان الانغلاق السياسي والاقتصادي والتقني والثقافي والمعلوماتي هو السمة السائدة. ونتج عن ذلك تحقيق معدلات نمو مقدرة، حيث أغدقت الاقتصاديات الرأسمالية السوق الروسي وبدأت مرحلة جديدة، بدعم من طبقة وسطى حديثة، من الانفتاح بدخول القنوات الفضائية وشبكات الانترنت واختلف، تبعاً لذلك، الوعي السياسي والثقافي الروسي عن أيدلوجيه الأنظمة الشيوعية التي حكمت ردحا من الزمان.
إلا أن النخبة السياسية، التي كونتها المنظومة الروسية عبر أيدلوجيتها، لا زالت تستحوذها امال وتطلعات آبائهم الأوائل المؤسسين، التي من ضمنها اكتساب روسيا مكانة دولية مرموقة بكسب حيّز نفوذ واسع في المنظومة الدولية. وقد أوردت مجلة الايكونوميست في عددها للإسبوع الأخير من شهر اكتوبر 2016 رسالة جورج كينان، المشهور بحكيم الدبلوماسية الامريكية في عام ١٩٤٦، والتي مفادها أن روسيا لا ترغب في الدخول في حرب مع أمريكا وحلفائها، ولكنها عوضا عن ذلك، سوف تستخدم وسائل غير عسكرية لتحجيم الإمكانيات السياسية والاستراتيجية للقوى الغربية الكبيرة، عن طريق زعزعة مقومات الثقة القومية لهذه الدول، وتحفيز كافة أشكال الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بضرب مقومات الوحدة من خلال اشعال فتيل التيارات المناوئة. أضافت المجلة بأن تلك كانت هي الاستراتيجية الروسية التي دخلت بها الحرب الباردة، وأن رسالة كينان تبدو بعد اكثر من سبعين عاما وكان لم يجف حبر مدادها بالسعي لإعادة النظام الي سابق عهده. تتبنى روسيا سياسات مناوئة للنظام الدولي الليبرالي الراهن، وتسعى لإضعافه بما أوتيت من ميزات سياسية وعسكرية، مثمثلة في ترسانتها النووية، وتضع أمريكا وحلفائها ضغوطاً كبيرة علي روسيا في أعقاب تمددها في شبه جزيرة القرم، والتي أدت الي فرض عقوبات غربية عليها. هذا فضلاً عن مناصرتها نظام بشار الأسد في سوريا، وسعيها لوقف اي تمدد غربي في دول الاتحاد السوفيتي السابق بوقوفها ضد المساعي الهادفة لتوسيع عضوية حلف الناتو باكتساب عضوية جديدة من دول شرق أوروبا.
بالنظر للصين، من خلال المنظومة الدولية الراهنة، نجدها تعمل في اتجاهين مختلفين ومتناقضين. تمتلك الصين من المقومات ما يجعلها قوة دولية لا يستهان بها. فقد حققت نمواً اقتصادياً مقدراً في العقدين الاخيرين، وتمتلك مقدرات عسكرية دفاعية وهجومية قوية، وعدد كبير من السكان يناهز المليار و ٣٠٠ مليون نسمة. لدى الصين محاولات جادة وحثيثة لبناء منظومة تكون لها فيه الريادة. وهنالك العديد من الشواهد والدلائل التي توكد ذلك، حيث تناهض الصين المنظومة الاقتصادية الليبرالية ومؤسساتها بسعيها لبناء منظومة اقتصادية موازية، من خلال مبادرتها لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار والبني التحتية في العام ٢٠١٣. هدفت الصين من خلاله تمويل خطوط السكك الحديدية والطرق ومصانع الطاقة في الدول التي تشهد اقتصادياتها نمواً متسارعاً. عارضت الولايات المتحدة الخطوة الصينية باعتبارها خارج النسق المألوف والذي تتزعمه وتتحكم في مؤسساته، وسعت لإجهاض المبادرة الصينية بثني حلفائها من الانضمام لها، الا ان مسعاها قد خاب بانضمام كل من إستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية وبريطانيا الذين وقعوا علي المبادرة الصينية في العام ٢٠١٥. تدعم الصين كذلك هياكل اخرى موازية، مثل مجموعة دول الاقتصاديات الصاعدة (بريكس)، والتي تضم في عضويتها البرازيل وروسيا والهند وجنوب افريقيا. كل ذلك يؤكد ان قبضة الولايات المتحدة لم تعد محكمة، حتي علي حلفائها في المنظومة الدولية. إن المراقب لتوجهات السياسة الخارجية الصينية يراها تسير علي النقيض من ذلك ايضا، حيث تعمل وتنشط كذلك من خلال مؤسسات النظام الليبرالي القائم، كعضويتها في منظمة التجارة الدولية، أحد أهم أزرع النظام الاقتصادي الدولي المرتكز علي اقتصاديات السوق الحر. كما وتسعى أيضا لتبوء مواقع قيادية في المؤسسات المالية والتنموية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، وتدعم العديد من المشاريع وتمولها، مثل مشاريع البنك الاوروبي للتنمية وإعادة الإعمار، وبنك تنمية الدول الامريكية، وكذلك انضمامها للعديد من الاتفاقيات الدولية ذات الصِّلة .
إن اتساق وتناغم نمط العلاقات التبادلية بين القوى الدولية الفاعلة في المنظومة الدولية هو صمام أمان استدامة النظام الدولي بتفعيل مقدرته لتحقيق تطلعات الفاعلين الاساسيين فيه، وإشباع رغبتهم وتطلعاتهم السياسية والاقتصادية. إن فاعلية أي نظام دولي تكمن في إستقرار نسق التفاعلات التي تقننها المؤسسات المنشأة والقادرة علي استيعاب التطلعات والطموح المتصاعد والمتزايد من قبل الفاعلين الاساسيين. يتعرض أي نظام الي العديد من المدخلات المتتالية، والتي دائماً تنمو عواملها بصورة متسارعة أكثر من النمو المؤسسى، مما يتطلب مقدرات استيعابية عالية لمؤسسات النظام الدولي للتعامل مع مثل هذه الحالات. اما بالنسبة للقوى الاخرى غير الاساسية فان النظام الدولي يجعلها تدور في محورها وتتحصل علي الفوائد من وجودها في النظام أكثر مما يمكن ان تجده من خارجه.
ان ما يجرى في الولايات المتحدة يشير الي ان عوامل التحول في النظام الدولي الليبرالي ياتي من داخل منظومته وليس من خارجه كنتيجة لعوامل التنافس مع قوى دولية اخرى. حيث أن ردور الفعل الشعبوية لاُطروحات وخيارات الصفوة الأمريكية التي تدعم البناء المؤسسي الليبرالي ذو التوجهات العالمية، هي التي حفزت التوجهات القومية المطروحة في شعارات حكومة ترامب. أما مسرح الأحداث في اوروبا يؤكد ايضاً أن عوامل التحول تأتي من داخل المنظومة،خاصة وأن اوروبا مكون وركيزة أساسية للنظام الدولي الليبرالي. التيار الشعبوي الاوروبي أيضاً في نمو مضطرد، ويرتكز علي السياسات القومية لا العالمية، ومنهجهم لا يقوم علي الرؤى والمنطق والتشخيص السليم واقتراح الحلول للمشاكل المعقدة، وإنما على تبسيط الأمور ورسم احلام وردية عبر الخطابات الحماسية لقادة هذه الأحزاب، الذين في غالب الأحيان يمتلكون كاريزما خطابية ملهمة ومتفردة. إن نمو هذا التيار يسترجع للذاكرة الأوروبية ظهورها في الثلاثينيات في القرن الماضي، والانظمة التي أنتجتها كالفاشية والنازية والقمع والتنكيل والدمار المتمثل في الحرب العالمية الثانية، الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. لذلك فان ظهور التيار الشعبوي دائما قرين باضطراب السلم والاستقرار في المحيط الذي ينتجه، قبل أن تتبدى تبعاته وتتجاوز حدوده الوطنية والإقليمية الي العالمية ليحدث اختلالاً في نسق التفاعل الدولي.
كما ان التوجهات الصينية، رغم تناقضها، فان بعض المتغيرات والمدخلات الصينية الجديدة علي النظام الدولي تنهكه وتزعزع نقطة توازنه. تبدو الصين لا هي داعمة أساسية للمنظومة الدولية، رغم دعمها ومناصرتها لبعض تمظهراته، ولا هي معارضة ومناهضة له، رغم ما تشير من دلائل الممارسة السياسية الي سعيها لتكوين محور موازي للمحور الليبرالي. ربما تكون الصين ساعية نحو اكتساب حيز نفوذ أوسع وتأثير أكبر في الشأن السياسي الدولي، وذلك لما تتمتع به من مقومات مثل عدد السكان والمقدرات العسكرية الهائلة والاحتياطات النقدية الضخمة، التي يمكن ان توظف في استثمارات علي نطاق واسع في افريقيا واسيا. يمكن للصين من خلال هذه الميزات أن تؤثر بصورة واضحة في تركيبة النظام الدولي سواء بدعمه او مناهضته. إن أدوات التحليل السياسي، في ضوء المعطيات المتوفرة في الممارسة السياسية الصينية دولياً، مدركة لمحاولات الصين لعب أدوار دولية أكبر وإكتساب حيز نفوذ أوسع. وتظل استجابة النظام الدولي، في ظل التشكك في مواقف وخيارات الصين، تتأرجح بين الترحيب بالدور الجديد للصين، ومحاولة إحتواء التمدد والنفوذ الصيني. وعلي ما يبدو فان الصين تعمل علي محورين، الاول دعم المنظومة الدولية القائمة ومحاولة التأثير عليها، والثاني تهيئة البدائل في حال رفضها أو السعى لعزلها. وبذلك تكون الصين قد فرضت اطاراً ديمقراطياً للنظام الدولي بانشاء نظام لا يتبع ولا تقوده القوي الليبرالية العالمية المتمثلة في مجموعة الدول الصناعية السبع.
أما بالنسبة لروسيا، فان سقف تفاوضها مع الغرب يوضح طموحاتها وتطلعاتها. طلبت روسيا من الولايات المتحدة التراجع عن توسيع حلف الناتو، وانهاء العقوبات المفروضة عليها، وتعويضها عن الضرر الذي لحق بها. شروط وضعتها وكأنها المنتصرة في خضم التنافس الحاد مع الغرب. تعلم روسيا ان مطالبها عصية التحقيق، ولا تتوقع الاستجابة لها، الا أنها تشير الي نزعة وتوجهات قومية روسية، مدعومة بنخبة سياسية مرتبطة بصورة قوية بالإرث الروسي القديم، وطموحاته دولياً. وإن كان البعض يفسرها في إطار المحافظة علي دولة شاسعة الأطراف بتعقيدات ديمغرافية وسياسية مما يتطلب أن يكون هنالك عامل يوحدها. وقد وجد السياسيون ذلك في البعد الخارجي المرتبط باشواق وطموحات الصفوة الروسية التقليدية التي تناهض اي توجهات تجعل روسيا تدور في رحى النظام الليبرالي.
ان الواقع الجديد للمنظومة الدولية، التي ظلت سائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وافرازاتها تُنبئ ببداية ظهور شكل جديد لنظام دولي وإن لم تتضح معالمه بعد، الا أن تمظهراته تتمثل في حال الفوضى والتخبط والاضطرابات في السياسات، ونمط العلاقات بين القوى الدولي الأساسية والفاعلة في المجتمع الدولي. وتظل هنالك عدة اسئلة مطروحة من قبيل ما اذا كان العالم يشهد بداية التراجع عن النظام الليبرالي العالم، أم إعادة النظر في مسلماته واُسسه، أم تطويره لاستيعاب التحديات الماثلة امامه؟ وهذا ما ستتم الاجابة عليه من خلال قوة و تأثير المدخلات الجديدة علي النظام الدولي.