أذهل الخواجات ، أثنى عليه آدامز وخلّفه تشيني ، واحترمه شارلس بونيه ، وتنبأ له أستاذه هيكوك بمستقبل رائع ، وضعته كامبردج في سجلها الذي يحتوي على 2000 عالم أثروا في القرن العشرين وامتد أثرهم إلى القرن الحادي والعشرين ، جمع بين طاقية الشريف الخاتم وكاب تشيني في محبة لا تعرف الفوارق بين المعاني الإنسانية فهو من خلفاء الشريف الخاتم وخليفة شيني في آن واحد وهكذا تكون عظمة الرجال ، من قناديل الليل ومن أحباب الفقراء والمساكين ورجل ذكر بامتياز من رآه بالنهار وحُجب بظاهره ظنه علمانياً ، يتستر بعلم الآثار وأوابد الحضارات القديمة كما كان الشيخ محمد محجوب الدوكالي – الولي الكبير – الذي قال عنه أبوبكر العتيق : ( وكان يتستر بصناعة الحلواء بمدينة كنو ) ، كان الشيخ الدوكالي عارفاً كبيراً وكان متمكناً من صناعة الكيمياء وفي مقدوره أن يحيل النحاس ذهباً ولكنه آثر صناعة الحلواء زهداً في الدنيا وستراً لحاله مع الله ، هو من أرومةٍ قومٍ أنا أسميهم يواقيت السودان إنهم المحس – النوبة – والخزرج – والعروبة – والإفريقانية – والحضارة في أسمى معانيها .

العمل معه أشبه بالوجد الصوفي الشفيف وهو رجل صاحب مرايا كاشفة من أحبه نسبه إلى الكشف الصوفي ومن لا يحبه يعتبره أرواحي على علاقة بالجن و (النزازيل) وهو بين هذا وذاك إنسان أروع ما يكون الإنسان .

علي عثمان سفرٍ نفيس جمع بين دفتيه تاريخ الحضارة السودانية بكل جمالها وسماحتها من العصور الحجرية مروراً بكوش الخالدة ومروي الأفق المفتوح على إفريقيا والعالم إلى رهبانية المسيحية الرائعة المسالمة إلى إشراق الإسلام الحنيف ، هو رجل ممتلئ بروحانية الطبقات التي هي عين روحانية السودان هذا الوطن العربي الإفريقي ذو المعجونة النادرة ، إنه ابن هذا الشعب الإكسير ذي الكيمياء المتفردة – تربال وعلامة ورجل تكايا ودرويش بطران ، بسيط إلى درجة الطفولة صعب المراقي إذا جالس كبار العلماء وزاحمهم في آفاق مدارات المعارف العالية .. جمع فأوعى وشرب عصارة المعارف ونفذ إلى الخلاصات فصار على حد قول بدوي الجبل :
وأوجز في قارورة العطر روضةٌ ** وأوجز في كأس الرحيق كروم
إذا جلس بين النوبة وراطنهم صار ملكاً وإذا جالس العرب صار سيدهم تجري في عروقه دماء الشرف النبوي الكريم ..
بخبرة الآثاري العجوز الذي ينضج الأسئلة على النار الباردة قرأ الترجمة الصحيحة لنقش عيزانا وتلك كانت ترجمة جمال محمد أحمد ( قبالة الخليج ) وليس عكس الخليج التي ضللت الباحثين ، وبعد جهد مضنٍ وصل علي عثمان إلى مدينة عيزانا وكان في حالة أقرب إلى الجذب وهو يمدح بالرطانة ، وقد بدأ تلامذته يهتفون حينما رأوا أطلال المدينة في الوادي السحيق وكان علي أشبه بدليل لقافلة أشرفت على الهلاك وقد أوردها مشرعاً مجهولاً في غياهب صحارى التاريخ ، وكان كشف مدينة عيزانا فتحاً أثرياً ودينياً وربما كان كشفاً صوفياً لأن الله أعمى عنها عيون الآثاريين على كثرتهم ولم يطلع عليها جيرانها حتى اكتشفها البروفيسور علي عثمان محمد صالح ، قال لتلامذته وهو يصعد الجبل : ( إذا توقف قلبي واصلوا أنتم ) وهذا كلام رجل يضحي بحياته من أجل المعرفة ومن أجل أن يكون السودان في مكانه المرموق بين الأمم ، وجد رسومات الإبل وسيلة المواصلات في ذلك الزمان ووجد نجمة داؤود التي لمعت في آفاق نجران وغابت في ركام وادي الضيقة ، ولك أن ترى امتداد الأثر السبأي داخل القارة حتى مدينة إفريقية بتونس التي ترمز إلى اسم إفريقش بن صيفي بن حمير بن سبأ الأكبر الذي سميت على اسمه القارة ، وقد أورد المسعودي أن راهباً قبطياً عجوزاً أخبر أحمد بن طولون إن أصل ملوك النوبة من حمير ، وهذه الواقعة التي أوردها المسعودي ترجع إلى أكثر من ألف عام فتأمل ولك أن تتأمل أن بعض سكان الجبل الغربي بليبيا يتكلمون لهجة الدناقلة وأن بعض الفولاني يفهمون لهجة البجا وقد فهم سودانيٌ نيلي لهجات الولف والبنبارة القاطنين على ضفاف نهر السنغال وتوجد كوش في الحوض الشرقي بموريتانيا ويصنع ( الكول ) في كوش موريتانيا ، وامتد الأثر النوبي حتى زنجبار ويظهر القاموس النوبي جلياً في السواحيلية وغيرها من اللغات الإفريقية .

واكتشاف مدينة عيزانا يحسم الجدال ويعمل على تأكيد فرضيات عبد الله الطيب والفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة إلى السودان وقد قدم العالمان الجليلان حججاً ناصعة ولكن الدليل الآثاري والكشف الذي قام به البروف سيكون جهيزة الخطباء وجهينة الأنباء وما يبنئك مثل خبير .

وبحسه الآثاري العالي قال لطلابه وهو يقف على أطلال مدينة عيزانا : ( أبحثوا عن الكهوف لأن صورة الإسلام في رؤوس الصحابة المهاجرين هي غار حراء وغار ثور ) ، وقد ودع سيدنا عثمان الرسول صلى الله عليه وسلم بغار ثور حيث أمره بالهجرة وأن تصحبه السيدة رقية ، وقد وجد البروف كهوفاً عجيبة ووجد صرراً وأسراراً ليس هذا وقت إذاعتها ولكل مقام مقال .

نشأ الفتى علي عثمان فلاحاً في بساتين النخل وحقول القمح وكان بقريته مسجداً يغص بالمصلين والعباد وكانت جدته لأمه إمرأة صالحة تحفظ القرآن بسبع روايات رغم أميتها وعجمتها وكانت تضيء كالقنديل وكان الفتى الشفاف علي يرى ذلك النور ويسألها مراطناً ( جدتي ألا تحرقك هذه النار ) .

تقع شخصية البروفيسور علي العجيبة بين ( صفايات ) الشيخ سلمان الطوالي وغزليات إسماعيل صاحب الربابة المكشوفة وبين التاريخ النوبي العظيم الذي أُثرى المسيحية وأعطى الإسلام ألقاً جديداً ظهرت إشراقاته في السلطنة الزرقاء وفي إسلام الطبقات الذي يمثل الروحانية السودانية في أسمى تجلياتها .. والشعب النوبي العظيم هو الذي أدخل الإسلام والعروبة إلى السودان طوعاً واختياراً ، وهم الوحيدون الذين تصدوا للفتح عنوةً ( رماة الحدق ) وارتضوه صلحاً ( اتفاقية البقط ) وبرهنوا في كلتا الحالتين على عنصرهم المذهب ، فالنوبة شعب حضاري لا يقبل العنصرية بأي حال من الأحوال .

وأثار الزنكور والحرازة تدل على امتداد مروي داخل السودان وفي عمق القارة الإفريقية ، ففي الحرازة حيث مصاهر الحديد وجدت سبيكة النحاس التي صنعها الكوشيون قبل آلاف السنين ولم يهتدي لها العالم المتحضر إلا في القرن الثامن عشر ، ووقفت على أطلال حضارة الزنكور وكنت أمر عليها كما مر عليها الهمباتي زويد وهو يطرد قراناً ثقيلاً من الإبل وهو يردد :
يوم التانيه خطمن حلة الزنكور
ويوم التالته حدرن فوق جبال دارفور
ولا تزال خارطة الآثار السودانية مترامية الأطراف وبعض الآثار بكرٌ لم تُفض أسرارها بعد ولم يقف عليها الآثاريون ، وكنت قد كتبت عن المصورات الغربية في ( أبو سفيان ) و( تقرو ) .. وأخبرني الأستاذ الثبت تكراس الميدوبي أن بشمال دارفور إهرامات ووعدني بالذهبة إليها من أجل التوثيق ، وعرفت منه أن أهلنا الميدوب كانوا يمارسون حجاً وثنياً يقفون في يوم التاسع من ذي الحجة على جبل مخصوص ويفيضون إلى جبيل أشبه بالمشعر الحرام وينحرون الخراف ويمارسون الطواف وهذه الطقوس ربما نقلها لهم عرب الجاهلية الذين وفدوا إلى السودان قبل الإسلام وربما أخذها هذا الشعب النوبي العظيم من مكة مباشرة في عهود سحيقة وفي ذلك مؤشر قوي لعلاقة النوبة القديمة بالحجاز ربما منذ عهد الخليل وإسماعيل .

بدأ البروفيسور علي في تقديم سلسلة محاضرات توثق للحضارة السودانية سجلها لوكالة السودان للأنباء وقد ( بنت ) لنا ( سيجة ) هذه السلسلة ودعا لها مجموعة من جرارق علماء الآثار الغربيين الذين عملوا بالسودان من أمثال بونيه وجلبونسكي وغيرهم .

وقد حدثنا راهب الآثار السودانية شارلس بونيه حديث العارف عن عظمة كرمة وتحديداً ( دودقيل ) ( إرم ذات العماد السودانية ) التي لا يوجد لها ضريب أو أي شي يقاس عليه في كل آثار الدنيا ، وقد قال بونيه بالحرف الواحد عن تاريخ الحضارة السودانية وهو يتحدث عن هذه المدينة : the greatest history in the world
هذا الرجل جدير بالاحترام وقد نعته العلامة علي عثمان بالرجل العظيم وملك كرمة وهو يستحق هذه النعوت .
وسونا بقيادة الإعلامي المتمرس عوض جادين إذ تقوم بهذا العمل الجليل تدرك أهمية الآثار في تحسين الصورة الذهنية للسودان وتدرك الجدوى الاقتصادية المؤكدة للسياحة الآثارية .
وقد كان البروف علي عثمان ( راس القايدة ) في موضوع الحوار حول الهوية وقد أبلى بلاءً حسناً ، أقول إن الصراعات التي أقعدت السودان لن تحلها الجيوش إنما يحلها العلماء والمثقفون من أمثال البروفيسور علي عثمان محمد صالح .
وفي الختام أقول إن علي عثمان ثروة قومية وكنز معرفي لا يقدر بثمن وهو مؤهل ظاهرياً وباطنياً لقيادة الأعمال النافعة أطال الله عمره وفي عمره خير كثير للعباد والبلاد .. وأرجو أن يُكرّم هذا العالم الجليل والبحر المتلاطم وفي تكريمه تكريم لكل علماء السودان ووفاء لأرواح الأسلاف الذين أشادوا عظمة تاريخ السودان العظيم .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////