إبتدرت نقاشاً حول موضوع هذا المقال فى المنتدى الأسبوعى الراتب لخريجى كلية الإقتصاد و العلوم الإجتماعية بجامعة الخرطوم مساء الأثنين 26 فبراير 2018 ، بدار خريجى جامعة الخرطوم.و كالعادة شارك كل الحضور فى نقاش موضوعى وعميق إستفدت منه كثيراً فى كتابة هذا المقال .وكتر الله خيرهم.

الخطل هو المنطق الفاسد المضطرب.وتعنى كلمة (إدارة) إتخاذ و تنفيذ أو إنفاذ قرارت بقصد الوصول إلى مقاصد محددة. و أعنى بالإقتصاد الحر ، الإقتصاد الذى يقوم على تملك الناس و ليس الحكومة لوسائل إنتاج و تبادل السلع و الخدمات بالأسعار التى يتراضى عليها البائعون و المشترون. وأعنى بالمنظور التحكمى طريقة التفكير التى تقوم على الإعتقاد بأن الحكومة تستطيع أن (تجبر) و أكرر (تجبر) الناس على التصرف فى ما يتعلق بماذا ينتجون و يستهلكون و كيف و بأية أسعار و التصرف فى أموالهم؛ تجبرهم على التصرف بالطريقة التى تريدها هى بواسطة إصدار الأوامر للناس للقيام بتصرفات معينة أو عدم القيام بتصرفات معينة و الترصد الأمنى و المطاردة البوليسية و القبض و التغريم و السجن و مصادرة الأموال. و أقول إبتداءً إن المنظور التحكمى؛ أولاً غير شرعى و ثانياً فاشل و ثالثاً يفتح أبواب الفساد ورابعاً فيه إهدار للمواردwasteful.
لا يوجد حرج دينى أو أخلاقى فى عدم الإنصياع :
عندما يقول الناس عن أى تصرف بأنه مشروع أو شرعى فإنهم يعنون أن التصرف (مقبول) و أكرر (مقبول) لأنه يوافق تعاليم الدين و العرف و أية قواعد أخرى يحكمون من خلالها على جواز أو عدم جواز القيام بذلك التصرف.و أهمية شرعية أو مشروعية القرارات الحكومية هى إنها تلعب الدور الأكبر فى تحديد مدى إنصياع أو عدم إنصياع الناس لتلك القرارات. و إذا ما أعتقد أى شخص ينطبق عليه القرار، إن القرار غير مشروع ، سيكون إحتمال إنصياع الشخص للقرار ضئيل جداً لأنه لا يجد حرجاً دينياً أو أخلاقياً فى عدم الإنصياع للقرار. و لنضرب مثال بمنشورى بنك السودان المركزى رقم (5) و رقم (6) لعام 2018 الصادرين فى 18يناير 2018 وموجهين إلى المصارف و الصرافات. و يتعلق المنشوران بالسعر الذى يجب على المصارف و الصرافات أن تبيع و تشترى به الدولار الأمريكى.وينص المنشوران على إلزام البنوك و الصرافات ببيع و شراء الدولار الأمريكى بالسعر الذى يصدر عن بنك السودان المركزى و يسمى بالسعر الـتأشيرى؛ (س) زائداً أو ناقصاً 4 %. و توجد فى السودان اليوم ثلاث أسواق للعملات؛هى السوق الرسمية الأولى التى يتم التعامل فيها بسعر بنك السودان المركزى وهناك سوق رسمية ثانية يتم التعامل فيها بالسعر التأشيرى الذى يصدره البنك المركزى والسوق الثالثة سوق غير رسمية هى السوق الموازى ويتم التعامل فيها بالأسعار التى يتراضى عليها البائعون و المشترون للدولار.وفى تاريخ كتابة هذا المقاال وهو يوم الأحد 4 مارس 2018 كان سعر الدولار فى السوق الرسمية الأولى (17) جنيه و(95) قرش، وفى السوق الرسمية الثانية أو السعر التأشيرى (28)جنيه و(20)قرش ، و كان السعر فى السوق الموازى حوالى (33) جنيه.

وأشك جداً فى وجود شخص يعتقد بأن حكومة ( الإنقاذ) أو أية حكومة أخرى تملك الحق لتحديد السعر الذى عليه أن يبيع به حر ماله.و نحن السودانيين نعتقد دينياً إن التجارة تقوم على التراضى.و أى حديث لمحاولة تبرير مثل تلك القرارت بحجة المصلحة العامة حديث فارغ وبائس لأن كل المصالح، مصالح خاصة و شخصية. وتكون أية مصلحة، تكون مصلحة عامة عندما تكون مصلحة لعدد كبير أو أكبر عدد من الناس .و لا توجد مصلحة خاصة أو عامة فى سياسات تلحق الضرر بكل من لديه دولارات يريد بيعها، و سوف تؤدى إلى شل الكثير من الأنشطة الإقتصادية ،و هروب المستثمرين و المنتجين من السودان إلى حيث يدار الإقتصا د بمنطق إقتصادى سليم و تحترم و تصان حقوق الناس.


قرارات فاشلة لتعارضها مع المصالح الخاصة:
نسبة لأن الدافع الأساسى لسلوك كل الناس أو على الأقل أغلبيتهم هو المصلحة الشخصيةself- interest فإن مصير كل السياسات الحكومية التى تتعارض مع مصالح الناس الخاصةهو الفشل فى الوصول إلى مقاصدها التى تتعلق بالمصالح العامة. وقد تفلح السياسات و الأجراءات التحكمية فى تحيقيق مصالح لبعض الناس أو إلحاق أضرار ببعض الناس و لكنها لم و لن تحقق مصلحة عامة طالما تعارضت تلك السياسات و الإجراءات مع مصالح الناس الخاصة. وقلت أعلاه إن السعر التأشيرى للدولار كان (28.20)جنيه فى 4 مارس 2018 وكان سعر السوق الموازى أعلى من ذلك السعر بنسبة (18%). و لذلك من مصلحة كل شخص لديه دولارات معروضة للبيع فى ذلك التاريخ؛ من مصلحته أن يبيع دولاراته فى السوق الموازية إذا ما وجد مشترياً. ولن يفلح الترصد و المطاردة البوليسية و الحبس و مصادرة الأموال فى إجبار الناس على التصرف بالطريقة التى تريدها الحكومة طالما إعتقد الناس فى عدم وجود حرج دينى أو أخلاقى فى مخالفتهم لسياسات و إجراءات الحكومة التى تتعارض مع مصالحهم الخاصة.


توسيع أبواب الفساد:
يعنى الفساد الحصول على منفعة أو تفادى مضرة بطريقة غير مشروعة(مقبولة). و من مآلات الإجراءات التحكمية و أسوءها توسيع أبواب فساد الذين يقومون بإنفاذ و تنفيذ الإجراءات التحكمية. فساد يشمل الإبتزاز ويشمل الإنهيار أمام إغراء المال وقبول الرشوة ويشمل إنخراط الشخص نفسه فى ممارسة الأنشطة التى تخضع للتحكم.ويساهم الفساد مساهمة كبيرة فى هزيمة الإجراءات التحكمية ويؤدى إلى عجزها فى الوصول إلى مقاصدها.و فى واقع الضيق و البؤس الذى تعيش فيه أغلبية الشعب السودانى اليوم أتوقع أن يكون حصاد الإجراءات التحكمية الخاصة بتجارة العملات المزيد من الفساد.


إهدار الوقت و المال:
قلت أعلاه إن القرارات والإجراءات التحكمية تفشل فى الوصول إلى مقاصدها لأن الناس لا يجدون حرج دينى أو اخلاقى فى عدم الإنصياع لها و لأنها تتعارض مع مصالحهم الخاصة وتؤدى إلى توسيع أبواب الفساد و لذلك فإن الوقت و المال و المجهود البشرى الذى يبذل فى محاولة إنفاذها إهدار فى إهدار. ويجب على الحكومة أن تراجع الطريقة التى تدير بها الإقتصاد إذا كان مقصدها مصالح كل السودانيين.


لايصح إلا الصحيح:
و قد قلت فى مقالات كتبتها فى الماضى القريب إن الواقع البائس الذى نعيشه اليوم نتاج طبيعى لهيمنة الحركة الإسلامية المطلقة سياسياً و إقتصادياً و ثقافياً (التمكين).و قلت إنه لا توجد حلول سهلة أو سريعة العائد للخروج من مستنقع البؤس والضعف والهوان والنهوض بالسودان. والمطلوب:
أولاً تحرير مفاصل الدولة من هيمنة الحركة الإسلامية.
وثانياً إنشاء نظام سياسى يقوم على الحرية و على مشاركة كل السودانيين رجالاً و نساء فى إدارة بلدهم و يقوم على الشفافية و على المساءلة و المحاسبة لكل الذين يعملون فى الدولة، وفى كل المواقع ،على قصور الأداء و سوء التصرف و الفساد.و لايتطلب إنشاء مثل هذا النظام أكثر من إحترام الحكومة لما ينص عليه الدستور والعمل به، و نهوض الأحزاب لتنتزع و تمارس حقوقها التى ينص عليها الدستور بدل البكاء و الشكوى للمجتمع الدولى(!!!).
وثالثاً إنتهاج سياسات إقتصادية تقوم على العدل و على المساواة بين كل السودانيين نساءً و رجال بغض النظر عن الإنتماء الحزبى أو الدينى أو الجهوى و تقوم على إطلاق طاقات كل الناس الإنتاجية. و تقوم على الرشد و والمنطق الإقتصادى السليم بالسعى إلى تحقيق إستقرار الأسعار و ألمحافظة على إستقرار سعر صرف الجنيه السودانى بالتوقف الكامل عن طباعة العملة لتمويل الصرف على الهيكل الحكومى المترهل وعلى الحروب.و زيادة الإعتماد على ضرائب الدخول كمصدر لإيرادات الحكومة و تقليص الإعتماد على ضرائب الإستهلاك.
و التحرر من وهم القمح وزراعة المحاصيل الشتوية القابلة للتصدير فى محله.و توجيه الصرف الحكومى للإستثمار فى البنيات التحتية الضرورية جداً لزيادة و تنويع الإنتاج و خاصة الطرق فى غرب و شرق و جنوب السودان. و تحرير كل الأسعار و فى مقدمتها سعرصرف الجنيه السودانى(سوف أعود بإذن الله إلى موضوع تحرير الاسعار فى مقال لاحق).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.