يبدو أن معاناة المواطنين مع المؤسسات الصحية والعلاجية ستظل قائمة وليس في المنظور القريب ما يشي بالقضاء عليها بالصورة التي تعيد الأحوال إلى أوضاعها الطبيعية من حيث تقديم الخدمة العلاجة المستحقة وتوفير الدواء بالأسعار المناسبة. فإلى جانب المشقة التي يواجهها المواطن العادي في توفير المال الكافي لعلاجه وتنويمه في المستشفيات إن استدعى الأمر، فإنه لا يجد في هذه المستشفيات والمرافق العلاجية تلك التي يدفع من جيبه في مقابلها، والأدهى والأمر أن تزداد حالته الصحية سوءا بدلا عن تتحسن جراء التدهور المريع داخل هذه المستشفيات والمرافق الصحية الأخرى، سواء أكان ذلك جراء الإهمال الإداري، أو التدهور البيئي و"الوقائي الصحي" أو نتيجة للعبث الممارس باسم ما يعرف بـ "الأطباء المزيفون".

قد تكون ولاية الخرطوم هي أفضل مختبر لهذه الحالة الصحية المتردية على كافة المستويات. فالولاية هي العاصمة السودانية والواجهة الحضارية للبلاد بما يتفرض أن يكون مستوى الخدمات داخلها مرتفعا إن لم يكن متجاوزا في مستواه لباقي الولايات ومناطق السودان – وهذا افتراض سوداني بالأساس وغير سليم – كما أنها الوجهة الأولى لسكان السودان عامة؛ بحثا عن الرزق ولأجل إكمال التعليم، وسعيا وراء الفرص العلاجية المثلى مقارنة ببقية أجزاء البلاد الأخرى، لذا فإن الكثافة السكانية داخل الخرطوم هي الأعلى على مستوى السودان، ويقابل هذه الكثافة السكانية كثافة أيضا في عدد المرافق والمؤسسات العلاجية الصحية، إلا أنها للأسف لا تقدم تلك الخدمة الصحية – العادية – التي يستحقها السكان، بل بالعكس قد تسهم في تفاقم أمراضهم وأواجعهم أكثر!
من الإشكالات الصحية والبيئية التى تواجه المنومين بالمستشفيات والزوار والمرافقين، ما كشفت عنه وزارة الصحة بولاية الخرطوم، حيث تشير إلى أن نحو تسعين مؤسسة علاجية في الخرطوم تستخدم مياها غير صالحة للشرب! ولم توضح الوزارة طبيعة هذه المياه، ولا نسبة التلوث التي بها، وما يمكن أن تسببه من أمراض لأناس هم في الأصل مرضى وصلوا إلى هذه الأمكنة بهدف العلاج والتعافي وليس زرع أمراض وآفات جديدة في أجسادهم المنهكة والمهدودة.
قديما، ونحن أطفال، كنا نقف مبهورين أمام مصطلح "الحجر الصحي"، فحين نسمعه يحيلنا مباشرة إلى إجراء صحي صارم تمارسه الجهات المسؤولة بهدف محاصرة وباء بعينه والحد من انتشاره، ورغما عن الانقباض الذي يصيبنا من تصور حالة الحجر – الحبس التي يتعرض لها الشخص المصاب إلا إن العملية برمتها كانت تثير إعجابنا وتعلي بقدر كبير من قيمة الأطباء والجهات الحكومية الأخرى التي تقف وراءها.
الحجر الصحي يقوم على العزل والحصر والفصل والإبادة، والحرق بالنار إن اقتضت الضرورة، مع تطبيق بروتوكول طوارئ متكامل حتى لا يتمدد الوباء وينتشر أو يودي بحياة المرضى ممن تم إنقاذهم واللحاق بهم قبل أن يقضي عليهم.
هل نحتاج إلى إجراء مشابه في مواجهة المؤسسات العلاجية ملوثة المياه؟ وهل هي محصورة في فقط العدد "تسعين"؟ والأهم: ما هي نسبة تلوث المياه المستخدمة طبيعيا خارج هذه المؤسسات؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////