يعيش المؤتمر الشعبي حالةً من الضبابية منذ خروجه من قوى الإجماع ومشاركته في الحوار الوطني في العام 2014 م ، ومن ثم دخوله الحكومة ، فأصبح لا هو حزبٌ مشاركٌ في الحكم بوزنٍ يسمح له التأثير في مجريات الأحداث ، ولا هو حزبٌ معارض تتعامل معه قوى المعارضة وفقاً لهذا الوضع .

ظهر هذا جلياً بعد القرارات الإقتصادية الأخيرة وبداية حراك قوى المعارضة في يناير الماضي ؛ فعندما بدأت الحكومة قمع المظاهرات وإعتقال المحتجين ذكَّر الأمين السياسي للحزب ابوبكر عبدالرازق الحكومة بمخرجات الحوار الوطني وما حوته من حريات ظلت حبيسة أضابير الحكومة ، ثم خرج بيان من الشعبي بولاية الخرطوم يستنكر طريقة الشرطة في فض المظاهرات . وتصاعد الأمر لينظم مجموعة من شباب وطلاب الحزب وقفة احتجاجية أمام مفوضية حقوق الإنسان بالخرطوم يدينون فيها اعتقال المتظاهرين ويطالبون بإطلاق سراحهم ، إعتُقِل حينها أحد المنظمين ، وقبلها فض المؤتمر الشعبي شراكته مع الوطني بولاية القضارف لأسبابٍ أهمها سيطرة الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة .
كل هذا الحراك والحكومة لا تشعر بوجوده ولا تقيم له وزناً ، فلم تشركه في القرارات الإقتصادية الأخيرة ، ولم تعير احتجاجه على التغييب أي إهتمام ، ولا حتى مجرد رد من مسئولٍ صغير بالمؤتمر الوطني ، ما يوضح موقع الشعبي الحقيقي في حسابات الحكومة ، ويؤكد أنها لا تأبه بآرائه ووجوده ضمن الأحزاب الشريكة ، وربما يعني أن للحكومة حلفاء داخل الشعبي ذوو أثرٍ أكبر من إحتجاجات الآخرين ، وقد تكون حصلت على ضمانات جعلت الشعبي في جيبها ، فلا ترى داعياً للرد .
أخطر تعدٍ قامت به الأجهزة الأمنية مؤخراً هو إختطاف أحد نشطاء الحزب بالخرطوم ولم تعلن عن ذلك إلا بعد خمسة أيام ، ولم تكلف نفسها بتوضيح أسباب الإعتقال . لم يصدر الشعبي بيان استنكارٍ أو مطالبة بإطلاق سراح عضوه المعتقل واكتفى بنشر بيان أسرة المعتقل محمد محمود أبوكشوة ، وكأن سبب إعتقاله أسريّ لا علاقة له بنشاطه الحزبي .
هذا الوضع من السيولة السياسية يغذيه غياب الأمين العام للشعبي عن البلاد لأكثر من ثلاثة أشهر ، ما يدفع لقراءته من عدة زوايا ؛
فإما أن تكون حالة اللا معارضة ولا مشاركة هي مقصودةٌ في نفسها تمهيداً لخروج الحزب من الحكومة ، وبالتالي يمكن تفسير هذا التململ وفض الشراكة كمرحلة أولى للخروج ، وإما أن الشعبي بعد رحيل الدكتور الترابي قد فقد البوصلة ، وأصبح من الصعب خلق عضوية متجانسة مع قيادتها برؤيةٍ واضحة ومتفق عليها .
وربما مثلت هذه المرحلة فترة تخلُّق جديد وسط قيادات شابة داخل الخزب لم يرضيها واقع حال الحزب بعد رحيل عرابه ، وهنا نقرأ تصريحٍ للأستاذ كمال عمر قبل أيام قال فيه أن أصحاب القضية من أبناء الترابي سيخرجون من الحكومة ولن يبقى إلا أصحاب المصالح الشخصية . ليقفز سؤال : هل خروج أبناء الترابي سيكون من الحكومة فقط أم على قيادة الحزب التي ظلت عاجزة عن الحضور في قضايا وطنية كبرى ، وصامتة على تجاهل الحكومة لمقررات الحوار الوطني وعلى الخروقات التي ظلت ترتكبها الحكومة على توصيات الحوار .
مؤشراتٌ تدل على أن الشعبي ، وفي ظل تصاعد الأصوات المعارضة للإستمرار في الشراكة ، يقابلها تجاهل من قيادات الحزب ، وفي واقع تمومة الجرتق الذي تتعامل معه الحكومة على ضوئها ، سيشهد شيئاً ما ، ربما ضغطاً في اتجاه فض الشراكة ، أو إنشقاق في صفوفه يُرفع فيه توصيف ( أبناء الشيخ الخُلَّص ) كواجهةٍ للإصطفاف ، في مقابل أصحاب المصالح الشخصية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.