ازمة سعر صرف الجنيه السوداني هي اقوي المؤشرات الاقتصادية التي لا يمكن اخفاءها 

لتفسير ضعف اداء الاقتصاد السوداني

من المعلوم في مبادءئ علم الاقتصاد, ان استقرار سعر العملة الوطنية في اي بلد يعد مؤشر جيد لتفسير الاتجاه الايجابي لاداء الاقتصاد الكلي في البلد المعني .بداءت مشكلة عدم استقرار سعر صرف الجنية السوداني تحتل حيز كبير ما بين القضايا العامة التي شغلت الراي العام في السودان . اذا ما تتبعنا حركة سعر الصرف منذ استلام الانقاذ لادارة البلاد في العام 1989 والي يومنا هذا باستثناء فترة انتاج النفط ,يمكن وصفها بانها حركة غير صديقة للنمو الاقتصاد .في بداية حكم الانقاذ كان سعر الجنيه السوداني الواحد يعادل 0.08 من الدولار الامريكي او 12 جنيه مقابل الدولار الواحد. وبعد عام واحد في العام 1990 انخفض سعره الي 0.02 من الدولار اي 60 جنيه مقابل كل دولار واستمرت عملية التدهور حتي فترة انتاج النفط . حاولت الحكومة اخفاء حركة سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بطريقة تعد خارج اطار الوسائل الاقتصادية وذلك بحذف ثلاثة اصفارممرحلة من واجهة سعر صرف الجنية باستخدام اعادة تسمية وتغير فئة العملة المحلية من جنيه الي دينار والعكس , الا ان تلك المحاولة لن تفلح في اخفاء حركة سعر العملة الوطنية كمؤشر لاداء ونمو الاقتصاد. بعد انفصال جنوب السودان في العام 2011 بداءت مشكلة انهيار سعر الصرف تفرض نفسها من جديد وبصوره واضحة عندما خرجت الايرادات النفطية من ميزانية الدولة ,ثم بداءت المشكلة تتفاقم كل عام بعد الاخر وتقاوم كل الترتيبات والسياسات التي استخدمتها الحكومة لمعالجة الوضع و تجاوزت وفضحت تنبؤات كبار الاقتصادين في الدولة . فمنذ بداية العام 2015 بداء سعر الجنيه يتدهور امام الدولار بمعدلات كبيرة ووتائر سريعة ملفتة للانتباه شغلت بال الكتاب والمحللين بشكل راتب . بينما شكل الفرق الشاسع ما بين سعر الصرف الرسمي للجنيه مقابل الدولار الامريكي الذي اصرت علي ثباتة الحكومة وسعره في السوق الموازي ظاهرة غريبة يندر ان تجد لها مثال من بين تجارب اقتصاديات العالم او تبريرها باي فرضية اقتصادية يقر بها علم الاقتصاد .
حاولت الحكومة ان تشخص وتقترح حلول لهذة الحالة بطرق غير منهجية معظمها ذات طابع دفاعي دون الاستعانة بادوات وطرق التحليل الاقتصادي المعروفة وهو الشئ الذي ادخلها في حالات احراج مستمرة امام الراي العام من جهة والمنظمات الاقتصادية العالمية والاقليمية من جهة اخري . اصرت الحكومة علي تفسير ازمة الصرف بانها ناتجة عن المضاربة مابين تجارالعملة الصعبة (الدولار الامريكي) في السوق الموازي-فلما لن يستقيم الامر اعادت تشخيص الازمة بانها ناتجة عن العقوبات الاقتصادية العالمية المفروضة علي السودان . اما الخطأ الثاني الذي وقعت فيه للحكومة بداءت تختار الترتيبات والسياسات لمعالجة الوضع بشكل عشوائي من مصفوفة الحلول الاقتصادية المتعارف عليها دون الالتفات الي اهمية تشخيص الداء الشي الذي جعلها في خاتمة المطاف عاجزة تمام عن ترتيب عملية اختيار الادوات المناسبة وتقديم الحلول لايقاف تدهور سعر الجنيه . بداءت الحكومة باعادة ترتيب الميزانية العامة ثم رفعت الدعم عن السلع الاساسية والمحروقات ثم رجعت تتحدث عن خيارات اخري مثل اعادة تنشيط تحويلات المغتربين والقروض والمنح و من ثم انتاج وتصدير الذهب واخيرا انتظار رفع العقوبات الامريكية. فبعد رفع العقوبات الامريكية حدثت هزة طفيفة في منحيات العرض والطلب للدولار الامريكي المتداول في السوق الموازي فزادت الكمية المعروضة بشكل نسبي بسسبب التوقعات الغير رشيدة من قبل المحتفظين بها ,هذه الهزة ارسلة اشارات غير حقيقة لارتفاع سعر الجنية ولكن بعد اقل من خمسة ايام زالت تلك التوقعات وبدءات عملية التوازن الحقيقي تتشكل من جديد ومن ثم استمرار انهيار الجنيه السوداني بمعدلات اكبر .

تشخيص الحالة .
ازمة سعر صرف الجنيه السوداني – ماهي الا احد و اقوي المؤشرات الاقتصادية التي لا يمكن اخفاءها لتفسير ضعف اداء الاقتصاد الكلي في البلاد . و تفسيرها بشكل منعزل وصياغة الاسباب اوالحلول لها دون اعتبار الاجابة علي الاسئلة التقليدية في علم الاقتصاد (ماذا وكم وكيف واين ننتج ) كان بمثابة اضافة جرعة مميتة في جسد الاقتصاد السوداني . في تقديري ان السبب الاساسي هو :انهيار هيكل الانتاج وتراجع معامل الانتاجية الكلية في البلاد. وذلك بسبب فشل الادارة السياسية علي خلق بنية هيكلية محفزة لعملية الاستثمار و النمو بعدم قدرتها علي بناء مؤسسات قوية وصياغة سياسات وبرامج صديقة وخادمة لهيكل الانتاج .
انهيار سعر الجنيه السوداني لم يكن فقط مؤشر قوي لتقيم الاداء بل يرسل مؤشرات نحو الخلف توحي بان الاستقرار وحركة النموالاقتصادي النسبية التي صاحبة انتاج النفط قبل انفصال الجنوب ما هي الا حالة عابرة مرت علي تاريخ الاقتصاد السوداني . بمعني انها لم تكن طفرة اقتصادية حقيقة ناتجة عن تضافر وعمل سياسات ومؤسسات متماسكة مخطط لها لانتاج الحالة .
فترة انتاج النفط منذ العام 1999 وحتي انفصال جنوب السودان في العام 2011 كانت بمثابة فرصة نادرة مرت علي تاريخ الاقتصاد السوداني دون استثمارها .كانت فرصة ممتازة لاحداث طفرة تنموية اذا ما اخذنا حجم الموارد الاخرى والميزات النسبية التي يتمتع بها السودان في الاعتبار . بداءت الشركات الصينية انتاج النفط في السودان بكميات كبيره معتمدة علي عقود لا تتضمن اهمية المخزون الاستراتيجي في باطن الارض ولا ادراج حقوق الاجيال القادمة .و تزامن انتاج تلك الكميات الكبيرة من النفط مع ارتفاع اسعار النفط في الاسواق العالمية فزاد حجم العائدات النفطية. ففي العام 1999 سجل الميزان التجاري اول فائض ادي الي الاستقرار في سعر الصرف ثم راح الانتاج النفطي يتزايد حتي اصبح في العام 2003 يساهم بنسبة 80% من عائدات الصادر . الا ان تلك الفرصة ضاعت علي السودان بسبب غياب الافق الاسترايجي لادارة الاقتصاد و سوء ادارة تلك الوفورات . فترة انتاج النفط هي فترة وئد القطاعات الانتاجية الحيوية للاقتصاد السوداني ,فبدلآ من اعادة تدوير تلك العائدات النفطية واستثمارها باتباع سياسات هيكلية وقطاعية لتغذي وترفع كفاءة القطاعات التقليدية مثل القطاع الزراعي بشقية الزراعي والرعوي الذي يستوعب ما يقارب 80% من القوه العاملة وكذلك قطاع الخدمات والقطاع الصناعي التي تعتبر قطاعات واعدة بالنجاح اذاما وضعنا الميزات النسبية والموارد التي يتمتع بها السودان ايضا في الاعتبار ,راحت كل تلك العائدات كنفقات لسداد فواتير الحروب الاهلية وتبدد ماتبقي منها بفعل الفساد و سوء الادارة المالية .

ماهي الاسباب الحقيقة لانهيار هيكل الانتاج .

لا يمكن رصد و تحليل اسباب انهيار هيكل الانتاج في السودان فقط باتباع منهج التحليل الاقتصادي البحت دون تحليل الوضع السياسي الذي يعمل فية الاقتصاد. بمعني انه لا يمكن الاجابة علي هذا السؤال الا باتباع منهج الاقتصاد السياسي .هذه هي النقطة الجوهرية التي اسقطت تنبؤات كبار الاقتصاديون عندما حاولوا تفسير ازمة صرف الجنية السوداني من زوايا اقتصادية بحتة دون التطرق للدورالذي يمكن ان تلعبة الادارة السياسية لتقويم اوتشوية الاقتصاد.هنالك اربعة اسباباساسية قادت لانهيار هيكل الانتاج و اول هذه الاسباب يكمن في فشل الادارة السياسية في خلق بيئة محفزة ومشجعة لعمل الاقتصاد :
1- غياب البيئة المحفزة والمشجعة :The reward structure
فشلت الحكومة اثناء تلك الثلاثة عقود في صياغة حزم سياسات اقتصادية تنموية متماسكة وبناء مؤسسات قوية جاذبة ومشجعة لعملية الاستثمار والانتاج في البلاد . اضف الي ذلك فشلها وعدم قدرتها علي احداث الاستقرار السياسي وتماسك وحدات المجتمع بدخولها في حروبات اهلية غير مبررة في كل من جنوب السودان, دارفور ,جبال النوبة والنيل الازرق لاتفه وابسط الاسباب الا وهو عدم التوزيع العادل للسلطة والثروة الذي يعتبر من المتتطلبات الاساسية لبداية مشروع النموالاقتصادي . وبالتالي فان غياب البيئة المحفزة والمشجعة يمثل قاعدة اسباب انهيار هيكل الانتاج في السودان .
2- عدم كفاءت وفعالية الجهاز الصرفي .
سياسة اعتماد صيغ التمويل المصرفي الاسلامي في البنوك والموسسات المالية منذ بداية حكم الانقاذ وحتي يومنا هذا شلت بنية الجهاز المصرفي في الداخل وفصلته عن المحيط العالمي وافقدتة الفعالية والمقدرة علي التحكم في الفوائض المالية وادارتها او تدويرها لصالح العملية الانتاجية . اصبح الجهاز المصرفي غير قادر علي جذب المدخرات من الجمهور ومن ثم توجيهها نحو العملية الانتاجية ثم بات الامر يزداد سوء بعد سوء بمنافسة الحكومة له علي تلك المدخرات البسيطة لتمويل عجوزات الميزانية العامة عبر عمليات السوق المفتوح .بينما نجد ان اصرار الحكومة علي الحفاظ علي الفرق الكبير ما بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي في السوق لفترة طويلة من الزمن خلق ما يعرف بعدم الثقة ما بين الجهاز المصرفي من جهة والمغتربين والمستثمرين من جهة اخر الشي الذي ادي الي عدم كفاءة وفعالية الجهازي المصرفي لجذب الاسثمارات الخارجية وتحويلات المغتربين .
3- تدهور قطاعات الانتاج .

ضيق الافق الاسترايجي لادارةالاقتصاد القطاعي للانتاج وعدم كفاءة وتوزيع التمويل ما بين قطاعات الانتاج المختلفة ادي الي تدهور مخيف طال كل قطاعات الانتاج الاساسية ولاسيما القطاع الزراعي والقطاع والصناعي فتدني بل تهاوى معامل الانتاجية في كل من القطاعين . الشي الذي قاد الي الانخفاض الكبير في انتاج السلع الاساسية المدرة للعملة الصعبة التي كان يساهم بها القطاع الزراعي مثل القطن والصمغ العربي السمسم والكركدي بالاضافة الي الثروة الحيوانية التي تمثل افضلية نادرة يمتاز بها الاقتصاد السوداني علي كل اقتصاديات القارة الافريقية. في حين ان عدم كفاءة التخطيط لادارة القطاع الصانعي ادي الي انخفاض و توقف عدد كبير من المصانع التي كانت علي الاقل تساهم بانتاج السلع التي تساعد علي احلال الواردات.
4- التحولات التي صاحبت مزاولة النشاط الاقتصادي في بؤر الصراع .
الحروبات الاهلية في كل من جنوب السودان سابقا, دارفور ,جبال النوبة والنيل الازرق احدثت انحرافات كبيرة في السلوك الاقتصادي وتركيبة وتوازن المجتمع الاقتصادي في السوداني . الا ان اهمية التحليل تكمن في – التحولات الكبيرة التي صاحبت مزاولة النشاط الاقتصادي في بؤر الصراع . في تلك المناطق التي كانت تعتبر حواضن الانتاج التقليدي من اجل الاكتفاء الذاتي وتوفير الغذاء حيث الكثافة السكانية العالية, بالاضافة الي المساهمة الكبيرة في صادرات البلاد. تحول سلوك ونشاط الفرد من منتج ومكتفي ذاتيا الي نازح وعاطل ومستهلك معتمدا علي الاعانات , اذ لم يكن مقاتل في صفوف المسلحين سوءا كان الي جانب الحكومة او المجموعات المسلحة المناهضة لها .فاصبح ذلك يشكل ضغوطات اضافية علي الميزانيات العامة للحكومة ومن ثم العجوزات .


الادوات التي استخدمتها الحكومة لضبط مسار واستقرار سعر الصرف .

حاولت الحكومة ان تخاطب ازمة سعر صرف الجنيه السوداني بشكل منعزل بعيدا عن ارتباطها بانهيار هيكل الانتاج واستخدمت وسائل وادوات مختلفة يمكن تلخيصها في الاتي :
1- ادارة السوق الموازي للدولار .
تنظيم وادارة السوق الموازي للدولار كان اول الوسائل التي استخدمتها الحكومة للتعامل مع ازمة انهيار الجنيه وذلك باستخدام ادوات مختلفة ادارية واجرائية . بذلت الحكومة جهود كبيرة ولفترة طويلة من الزمن من اجل ادارة طلب وعرض الدولارات التي تباع وتشتري في السوق الموازي من اجل الحفاظ علي استقرار سعر العملة المحلية وذلك عن طريق تغذية السوق الموازي من الاحطياطي المركزي للحكومة من العملة الصعبة الا انها فشلت في ادارة السوق الداخلي للدولار الامريكي لسببين . اولا. ففي ظل انهيار الوعاء الانتاجي في السودان وتراكم عجوزات التبادل التجاري والميزانيات العامة للحكومة فشلت الحكومة في بناء و ادارة الاحطياطي المركزي نفسة بصورة مستدامة لان ذلك لا يمكن ان يحدث الا في ظل اقتصاديات الانتاج المدار حيث فوائض موازين التبادل التجاري . فحاولت الحكومة تبرير مقدرتها علي امتلاك الاحطياطي المركزي من العملة الصعبة بتصعيد مسميات جديدة بشكل دوري لمصادر الدولار (مثل البترول ,القروض والمنح والذهب ) الا انها لن تفلح في ذلك . ثانيا : ايضا من الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحكومة تبني سياسة الحافظ علي الفرق الشاسع ما بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي للدولار لفترة طويلة من الزمن . وبالتالي فان رعاية الفرق الشاسع ما بين السعر الرسمي والموازي للدولار يعتبر من اول الاسباب التي افشلت الحكومة وافقدتها القدرة علي امتلاك الاحطياطي من العملة الصعبة وهو بمثابة الالة الحادة التي استخدمتها السلطات بدون دراية لتاكل او نفاد احطياطياتها من العملة الصعبة . بما ان سعر الدولار عند الحكومة اقل من السوق الاسود بفارق كبير ,هذا يعني ان الطلب علي الدولار يتجه اولا نحو احطياطي الحكومة او نحو الكميات المعروضة باقل ثمن بطرق غير مباشرة ,رغم ان الحصول علي دولارات الحكومة له تكاليف اجرائية وزمنية الا ان الفرق الشاسع الذي اصرت علية الحكومة كان كفيل بتغطية كل تلك التكاليف بالاضافة الي تحقيق فوائد كبيرة يجنيها كل من يتحصل عليها من الحكومة ويعيد تسويقها في السوق الموازي . اصرار الحكومة علي الفرق الشاسع كان اكبر بوابة لتسريب الدولار من احطياطي الحكومة الي السوق الموازي في ظل دولة تشهد غياب الانضباط المالي والرقابة الادارية و التشريعية. كذلك حاولت الحكومة التدخل لتقليل حجم تداول الدولارفي السوق الحر باستخدام اجراءات رقابية وقانونية ضد تجار العملة تحت شرعية الحد من المضاربة الا ان تلك الاجراءات لن تحدث اي انحراف ايجابي لصالح الجنيه السودان لان فرضية المضاربه كانت غير واقعية في حين ان حقيقة الامر هو ندرة الكميات المعروضة نفسها في السوق الموازي بسبب عدم مقدرة الاقتصاد السوداني علي جلب العملة الصعبة من الخارج .


2- تنشيط تحويلات المغتربين وارباح الاعمال .
ايضا من الوسائل التي انتهجتها الحكومة من اجل ادارة استقرار سعر الصرف –تنشيط وجذب تحويلات المغتربين وارباح اعمال رؤس الاموال السودانية العاملة في الخارج . اصدرت الحكومة قرارت متعددة وسنت سياسات من اجل جذب تحويلات المغتربين حتي تتمكن من توفير العملة الصعبة ومن ثم بناء احطياطي يساعدهاعلي مجابهة فرضية المضاربة في السوق الموازي للدولار, الا ان كل تلك الجهود تبددت دون ارسال اشارة واحدة توحي بمقدرتها او امكانيتها علي تغير مسار توقعات المغتربين بمستقبل الاقتصاد السوداني حتي يتثني لها ضمان تدفقات تحويلات المغتربين من الخارج .كذلك اصرار الحكومة علي الفجوة الكبيرة ما بين السعر الرسمي والموازي للدولار حطم جسر الثقة ما بين المغتربين والحكومة او الجهاز المصرفي بصورة نهائية فبداء المغتربين يقللون من التحويل ويستخدمون وسائل بدائية لانفاذ تحويلاتهم مثل المقاصة التجارية,اوالتحويل عبرالافراد و الوكالات التي تدار بواسطة القطاع الخاص بعيدا عن دراية وسمع الحكومة و تعمل وفق قوانين وفرضيات السوق الموازي للعملة. في حين ان تحويل ارباح رؤس الاموال السودانية العاملة في الخارج الي السودان اصبح ضرب من ضروب المستحيل لان اصحابها ببساطة يفاضلون ما بين عائداتها اذا ما اعيد استثمارها في الخارج في ظل فضاء استثماري يقربنظام سعر الفائدة, و عائداتها في حالة استثمارها في الداخل في ظل بيئة استثمارية مقيدة بصيغ التمؤيل الاسلامي . فبالرغم من ان التحويلات من الخارجRemittances) ( كوسيلة تحتكر اهمية نسبية بحكم انها مصدر سلس للحصول علي العملة الصعبة الا انها لاتشكل اهمية كبيرة اذا ما قورنت باهمية عائدات الصادر والتي تعتبر الدعامة الاساسية للاقتصاد السوداني والمصدر التقليدي للعملة الصعبة واستقرار العملة الوطنية. الحكومة لم تستطع بناء ثقة ما بينها وبين المغتربين واصاحاب رؤس الاموال في الخارج لادارة تحويلاتهم نحو الداخل ,الشي الذي غيب ظنها في امر التحويلات كوسيلة للوقوف امام تدهور الجنيه , في حين ان الوضع يشير الي ان التحويلات نفساها غير كافية لاستعادة عافية الجنية حتي ولو تمكنت الحكومة من ادارتها مادامت الاسباب الحقيقية ذات طابع يتعلق بعلة مزمنة في جسد الوعاء الانتاجي بسبب اختلالات سياسية وهيكلية .
3-القروض والمنح
كذلك من الوسائل التي تناولتها وسائط الاعلام بشكل مكثف كاحد خيارات الحكومة للتصدي لمشلكة تهاوي الجنيه السوداني امام الدولار الامريكي هوالاعتماد علي القروض والمنح الخارجية (مثل المنح القطرية ,السعودية والخليجية الخ ) . رغم ان الحكومة لن تعلن عنها بشكل واضح كاحد خياراتها الا ان هذة الوسيلة تعتير من الخيارات المفضلة والمتعارف عليها اقتصاديا كترتيب اسعافي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية العارضة, مثل تمويل عجز الموازنة العامة او الاهتزازات الطفيفة التي تحدث لسعر العملة المحلية و التي يمكن ان تمر علي اي اقتصاد . فبغض النظر عن ما اذا استخدمتها الحكومة ام لا, الا ان القروض والمنح يمكن فقط ان تكون مسكن ولكنها لا تصلح لمعاجة الحالة التي يمر بها الاقتصاد السوداني الذي يعاني اختلالات هيكلية مزمنة مثل انهيار قاعدة الانتاج ,تراكم عجوزات موازين التجارة الخارجية والميزانيات العامة بالاضافة الي الارتباك في صياغة وتطبيق السياسات الكلية والقطاعية و عدم الانضباط والرقابة المالية. هكذا اصبح هيكل الاقتصاد السوداني مشوه غير مستجيب لمثل هذا النوع من المعالجات .ففي ظل هذه الحالة التي يمر بها الاقتصاد السوداني , اي قرض او منحة تضغها الحكومة في الدورة الاقتصادية كمحاولة منها لتعزيز سعر الصرف ,يقوم الاقتصاد بامتصاصاها في فترة وجيزة و تتسرب باسرع ما يمكن خارج اطار الدورة دون احداث اي انحرافات ايجابية طويلة المدي, وقد تكون عبء اضافي علي الاقتصاد باضافة وزن جديد لكتلة الديون الخارجية .
4-العقوبات الاقتصادية العالمية
العقوبات الاقتصادية العالمية كانت اخر ورقة استخدمتها الحكومة والق عليها الشعب السوداني اماله بصورة اكبر من الحكومة نفسها, كخيار للخروج من اتعاب ازمة الصرف . اعتقدت الحكومة بان العقوبات الاقتصادية هي سبب الازمة ورفعها هو الحل . نعم بصورة عامة نجد ان اي عقوبات اقتصادية لها اثارسالبة علي اي اقتصاد ورفعها له اثار ايجابية ولكن تشخيص العقوبات باعتبار انها هي السبب الرئيسي لتدهور سعر العملة المحلية يعد اكبر الاخطاء التي وقعت فيها الادارة من خلال محاولاتها لتشخيص الحالة. كان اساس الاعتقاد تجاه رفع العقوبات الاقتصادية مبني علي فرضية غير واقعية وضعت الكل في تصور بان هنالك تدفقات مالية هائلة في شكل تحويلات واستثمارات اجنبية سوف تتجه نحو السودان بوتيرة سريعة وتقود الي وفرة العملة الصعبة ومن ثم استعادة عافيته الجنيه. وبدخول المستثمرين يزيد الانتاج ويتحقق الرفاه . بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان في بداية اكتوبر 2017, تفاجاءت الحكومة بعدم واقعية الفرضية وصارت الحال علي ما هي عليه ونفدت كل الوسائل الاقتصادية التي كانت تستخدمها للتعامل مع ازمة سعرصرف العملة المحلية . وبدء سعر الجنيه يتدهور بصورة غريبة خارج اطار السيطرة والتحكم , وانخفص الي ما يقارب ال42 جنية مقابل الدولار الواحد . في حين ان الوضع في السودان كان محتاج الي تشخيص واقعي يستوعب الاسباب الحقيقية لانهيار هيكل الانتاج في البلاد بالاضافة الي فهم المصفوفة العالمية الحديثة للعوامل التي تحكم حركة الاستثمارات الخارجية والمعاملات المالية .لانه رغم ضرورة الشرط التقليدي لحركة راس المال العالمي (الاتجاه نحو تحقيق اعلي معدلات الفائدة ) الا انه لم يكن اليوم كافيا دون ان تلازمة بعض الشروط الحديثة لحركة الاستثمارات العالمية . حركة راس المال العالمي اليوم اصبحت محكومة بشروط جديدة تتعلق بالظروف السياسية والامنية ونوعية البيئة المحفزة للاستثمار والتي تتعلق بنوعية هيكل الانتاج ونوعية الموسسات والسياسات التي تلازمه والنظام العدلي ودوره في حماية حقوق الملكية والتعاقد بالاضافة الي الدور والفاعلية التي يلعبها الجهاز المصرفي في تدوير حركة اقتصاد البلد المعني .
الخلاصة
1-ازمة تدهور سعر صرف الجنيه السوداني هي فقد مؤشر لحالة الاختلال او عدم التوازن المزمن التي صاحبت الاقتصاد السوداني بسبب تراكم النتائج العكسية التي خلفتها السياسات الهدامة التي طالت هياكل الانتاج وشلت حركة وتوازن المجتمع الاقتصادي باحداث فوارق توزيعية كبيرة للدخل ما بين قطاعات المجتمع .
2- هنالك اربعة اسباب رئيسية ادت الي حالة الاختلال او عدم التوازن الاقتصادي وهي: غياب البيئة المحفزة للاستثمار والانتاج - عدم كفاءت وفعالية الجهاز المصرفي لاعادة تدوير الفوائض لصالح العملية الانتاجية - التحولات التي صاحبت مزاولة النشاط الاقتصادي في بؤر الصراع احدثت انحرافات كبيرة في السلوك الاقتصادي وتركيبة وتوازن المجتمع الاقتصادي -واخيرا تدهور وانهيار قطاعات الانتاج .
3-كل الحلول التي استخدمتها الحكومة لمعالجة مشلكة انهيار العملة المحلية لن تاتي بمردود ايجابي, لان الحكومة كانت تختار هذه الحلول بشئ من العجلة اي دون تشخيص دقيق( Accurate Diagnostic) وكانت تتعامل مع هذة المشكلة الاقتصادية بشكل منعزل دون ربطها بالمشاكل التي طالت هيكل الانتاج في السودان .واصرار الحكومة علي معالجة الوضع بادارة السوق الموازي تحت شرعية محاربة المضاربة فقط يمكن ان يكون مسكن قصير الاجل الا انه لا يمكن ان يكون علاج جوهري للحالة, مادام كل من العرض والطلب يعملان من الخلف لاعادة تشكيل التوازن الحقيقي ما بين الجنيه والدولار من جديد.
4- الحل الوحيد هو اعادة ترميم و بناء هيكل الانتاج وهو امر لا يمكن ان يحدث الا ببناء مؤسسات قوية وتبني سياسات اقتصادية قادرة علي اعادة التوزيع والتوجيه العادل للاستثمار .وذلك يحتاج الي نقلة كبيرة في الفكرالسياسي والمنهج الاقتصادي لاعادة صياغة الاستراتيجية التي تدار بها الدولة. الوضع محتاج الي نظام حكم المشاركة( corporate governance) و ايقاف الحروب و اعادة قراءة صادقة لتحديد الموارد و الامكانيات والتوزيع الجغرافي للمنتجين والمستهلكين من اجل اعادة توزيع الدخل وبداية مشروع النمو الاقتصادي .


ادم تيراب احمد محمد
محلل وباحث اقتصادي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.