حتى لو لم يقل رئيس شعبة الصيدليات الخاصة ما قاله وصمت (صمت السمكة) فإن الحال لا يكاد يخفى على الناس فهم الواطئون على جمر الغضا والطندب، وهم الذين تركت الدولة أمر دوائهم وعلاجهم (لمحاسن الصدف) وحسب المقدرة المالية أو الرغبة في الحياة أو مقدار القُرب ومشاعر الحب مع الحزب الحاكم! وما يعرفه الناس ويعيشونه جهر به رئيس الشعبة الذي أبرأ ضميره بتوضيحاته التي قدمّها في الهواء الطلق ولم نسمع ما يناقضها؛ وقد بدأ الرجل بالحديث عن الشح البالغ في أدوية الأمراض النفسية والعصبية وكان الأحرى بمن يتسبّبون في (النفسيات) أن يجتهدوا في توفير علاجها! ثم تناول موضوع إنعدام أدوية السرطان التي قال إن الصيدليات العادية تحجم عن استيرادها نسبة لإرتفاع أسعارها..وأشار إلى ما هو معلوم بالضرورة عن واجب الدولة في توفير العلاج المجاني لغير القادرين، ثم دعا الرجل (مَنْ لا يسمعون) إلى الجدية في توفير النقد الأجنبي لمقابلة فاتورة الدواء وكأنه لم يسمع عن إخراج الأدوية من قائمة السلع الاستراتيجية وعزله من رفيقيه (البترول والقمح) ولكن الرجل عاد وتساءل: لماذا لا توفر الدولة الدولار من مواردها وهي تصرف مليارات الدولارات على (الوفود والسفريات)؟ وقد صدق.. فمن يماري في هذه الحقيقة؟ لقد أحسن الفيلسوف والشاعر الأمريكي "رالف إمرسون" عندما قال إن الرجل الشجاع وحده أغلبية! 

ومضى الرجل يتحدّث عن واقع تجربته العملية فذكر ما يُوجِع "لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهوشهيد" فقال إن 60% ممن يترددون على صيدليته حينما يعلمون سعر الدواء يتركونه في طاولته ويذهبون (إلى غير رجعة)! ثم اختتم حديثه بما لا يحتاج إلى استخلاص وهو أن العلاج أصبح للاثرياء و(للقطط المترهّلة)! ولكن يا سيدي كيف يمكن حل معضلة الدواء والعلاج حلاً ناجعاً وقد أخرجت القرارات الأخيرة الدواء من ثلاثية المواد الاسترتيجية رغم ما نسمعه من المسؤولين (غير المُساءلين) أن القمح (سلعة عاصمية) ليست مهمة! لكن متى قالوا ذلك؟ قالوه عنما احتج المواطنون على زيادة سعر الخبز.. وعاد القمح الآن ليصبح سلعة استراتيجية مقدّمة حتى على الدواء! وهذا دأبهم في عكس الأمور بما يوافق هواهم، لكن لم ينخدع المواطنون الأذكياء الذين كشفوا تناقض الخطاب السياسي للمؤتمر الوطني؛ والمعادلة المُضحكة هي كما يلي: (الغرب يحاربنا لأننا رفضنا التنازل عن الشريعة) .. (الضيق والبلاء الذي يلازمنا هو نتيجة ابتعادنا عن شرع الله)!!
لكن على هذا الصيدلي الغيور ألّا ييأس.. فهناك مطالبة جادة بالتوسع (في بعض المجالات) وأنا أحيله لما صرّح به رئيس المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد بولاية الخرطوم الذي قال إن اغلب المقابر بالولاية أصبحت (شبه ممتلئة) ولا يمكنها استقبال المزيد! مُعلناً عن الحاجة إلى 12 مقبرة جديدة "لاستيعاب" الموتى (قالها هكذا!) وكشف عن اتجاه للتصديق بعدد من المقابر للموتى لمدى 50 عاماً قادمة.. إنتهى.
أرأيت يا صديقي أن هناك من يعملون بعقل منفتح لإيجاد (البدائل المناسبة)! فإذا أنت لم تستطع أن توفر الدواء للناس فما عليك إلّا أن تجتهد في العمل على توفير مراقدهم الأبدية!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.