- جابر حسين -

( ثمرة ناضجة
والشمس في داخلها قلب نقي
الشمس كلها للناس .
... ... ...
الناس كلهم للناس
والأرض بأجمعها والزمن
والسعادة في جسم واحد .
... ... ...
أنا أقول ما أري
أقول ما أعلم
أقول ما هو حق !)...
- بابلو نبرودا -

و ... لكن ما هو - أصلا – الأرابيسك ؟ هو يعني، من ضمن ما يعني ، التزيين، يقوم بالتداخل المنفلت ، المغناج في دلاله ، للزهور وللورود وللثمار و للخطوط في تنوعها وتعرجاتها وللألوان تذهب ، من تلقاء ألوانها ، في اللوحة لتقول قولها ! نتحدث عن ( الأرابيسك ) في نسيج قصيدة القدال ، لكن قبل ذلك لننظر إلي عنوانه الجديد المبتكر ، الذي لم نعرفه عنه من قبل ولا أظن أنه قاله بهذا ( اللون ) الذي تحار كيف تنظر إليه في وهلتك الأولي : ( طنين الشك واليقين ) ، هذا ما جعله عنوانا لأحدث قصائده المؤرخة .... . ونظن أن العنوان هنا هو مفتاح يرشدنا إلي الباب الذي يمكننا من الدخول إلي براح القصيدة . وأول ما يطلعنا عليه عنوانه هو تنبيهنا بأننا نقف علي أعتاب عالم تتداخل فيه الأفكار والأشياء والوقائع والمشاهد و ... التفكرات .عالم تلتف مكوناته علي بعضها البعض ، وأن العبارة ، العبارة التي هي من جنس القصيدة وجسدها نفسه ، متروكة لغواية هي في صميم ذاتيته ، هي إنفلاته حينا ، وحينا آخر مزاجيته الشعرية ورؤياه ، قد تكون أيضا هي بعض فوضاه ومتاهته ، هي منطقه المكشوف وجهه في القصيدة مرتسما في هذا التداخل اللغوي اللين مع رؤاه ووعيه ، لكنه المتروك – له وحده – لتزيينه في ذلك الأرابيسك المكون لشكل القصيدة الذي يفصح عن فتنتها . نعني أن
( الشكل ) هنا محكوم بحالة الشاعر تلك ، بمزاجيته عند إمساكه ببرهة الشعر ، هي مزاجية القول وإنفلاته صوب رغباته ، وصوب أشواقه ، من حيث هي طبيعة مجئ المحاميل إلي النطق ونسجها – بخيوط فيوضاته – في قول أو لنقل في صياغة أو بالأحري في نسيج مبتكر ، ومن بتلك القدرة علي إبتكار النسيج النفيس سوي النساج الأكبر ! لقد رأيت في القصيدة بعضا كثيرا من هذا التطريز البديع في رداء القصيدة ، ليس في النسيج وحده ، بل في الألوان التي تزينها فتبدو كحلية نفيسة لامعة تحيط بخصرها . قرأت ما قالت به يمني العيد حول السرد الذي جعله أنطوان شماس في روايته :
( ARABESOUES ) وتعني أرابيسك أيضا ، كتبها بالعبرية وقرأتها يمني مترجمة للفرنسية ، وبدا الأمر لي وكأنها قرأت قصيدة القدال هذه ، ولو جاز لنا أن نجعل قولها عن الشعر عوضا عن السرد لما رأيت تعسفا في قولي ، تقول يمني: ( في التزيين تترك للخطوط حرية ترسم جمالية الشكل . لا معني يقود حرة الخطوط ، بل إن معناها هو حركتها . وفي السرد يترك للكلام حرية تنسجه وتبنيه شكلا ، كأن حركته هي قوله . أي كأن الكلام السردي يتحرك في صياغته متروكا لذاته ، أو ، لما هو ذاته ، قوله المعادل لواقعه وحقيقته . هكذا يوحي تكون القول بأنه تكون شكله ، كما يوحي تكون الشكل بأنه هو ، تماما ، تكون القول وظهوره . )* ... تماما ، مثلما نراه جليا في ( طنين الشك واليقين ) لدي القدال . الحركة اللغوية هي نفسها ، واحدة ، والصور في معيتها رافدة وحاملة إليها محمولاتها بالذات ، حركة العبارة إذ تجئ – لفرط فتنتها – إلي صياغة تبدو غير مكترثة بالقوانين السائدة ، تلك الجاهزة و المعدة سلفا في قوالب يقولبون فيها القول الذي يجافي مقولاتهم .


في الطريق إلي الطنين :

يجب أن لايغيب عن إنتباهنا ، ونحن نسعي للأقتراب من منطقة الطنين ، حيث الشك و ... اليقين في قصيدة القدال ، أن الشاعر بدأ يغدو " مطوقا " ، لا بالايديولوجي الذي نراه في بعض شعرنا ، بل ب " الحدثي " الذي تفصح عنه الذاكرة ، مطوق لا بوعي هذا الحدثي إذ يتجلي في مشهد الحياة من حوله فحسب ، بل بمشهديته المنسوجة علي وجه الذاكرة . هذا ما سعي ليقوله لنا في صورة الذكري . وهنا بالضبط يفلت الواقع الخشن منه ، برغمه فلا يكاد يكون في طوعه ، لذا يفتح نوافذ قوله كلها لتكون في تعدد الأقوال في اختلافها وإلتباسها ، فتتحاور ما شاء لها أن تتحاور وتخلق أزرقها ، تلك المساحة جهيرة الحرقة والمرارة في ما بين الشك الذي يداخله و اليقين الذي في أشواقه كلها و يسعي إليه . لكن العبارة تبقي ، في مجمل السياق ، تشف وتشي عن توجهها فتكاد تكون هي منطوق الشاعر نفسه ، بل تجد صدي لها في صوته ونبراته وأنفاسه حين يقول بالقصيدة ، تلتمع أحيانا كثيرة كومضة عن قصد ، أو كمنطوق بها لكنها تشرع في الهروب من قصدية يراد لها أن تكون طوقا يطوقها ، كل ذلك يمكننا أن نلتقطه من لسانها حين تكون قد توغلت في تلك المتاهة و ... تود لها هروبا إلي البراح ! في طريقي إلي تلك " المنطقة " وددت أن أبدأ أسير قليلا من أول الطريق ، إلي قصيدته التي سبقت قصيدته هذه مباشرة وأحدثت دويا لا يزال صداه يرن في السامعين والقارئين فينبههم إلي ما في حياتهم من قسوة ومسغبة وتغيرات خلخلت منهم نسيجهم الذي كان في التماسك والتراحم و ... مودات التسامح والحب ، أعني بها قصيدة " طواقي الخوف " . التي تحسر فيها أيما تحسر وتحرقت من جراء وجعها المفردة والعبارة حد أصبحت لهيبا ونارا في المشهد برمته . يعلن أنه ما عاد يعرف خوفا ولا يخشي عاقبة تأتيه من حيث لا يدري أو هو يدري لكنه لا يتواري عن ما يستوجب، لدي بعضهم الكثير ، التواري خشية أو تقية ، فيمضي في بسالة الفرسان ليقول قوله ويتحسر علي إنفصال الجنوب وتخلخل وتفتت أطراف البلد ، تلك حال تجعل الطريق وعرا إلي منطقة الشك و ... اليقين ، منطقة وعرة لاشك ، لكنه بالغها بإرادة الذكري وواقع الحال و رؤي الشاعر التي هي ممكنات ومعقولات في أشد المناطق وعورة وخشونة . انفصل الجنوب ، والحرب تأكل من أطراف البلد ، أطرافها الأكثر حيوية وخصوبة و الحال أصبح " مقلوبا " حد لا تكاد تتبين خيطه الأبيض من أسوده ، والناس – بعض الناس – صاروا أبواقا وطبول والبعض الآخر في توهان الذهول والحيرة :

" والمنابر
أه من تلك المنابر
أنداية كرتلة وبنابر
والجرايد
داقة طارات المدايد
الصدق في الناس كذوب
الساسة نيام العسل
بين أنتباهة
وغفلتين
بين السلاطين والجيوش
والشلاتين
والقرايب
فين حلايب?
واللي بني الارض كان في الفرض
سوداني ! "

" شلاتين " منطقة مطلة علي ساحل البحر الأحمر بالقرب من حلايب ، والشاعر هنا يقول بسؤال السيادة الذي يقلق الروح التي في حب الوطن . ولكن ، أنظروا للحلية في هذا الجزء الصغير من القصيدة ، ونعني بها ذلك الأرابيسك الذي يجعله الشاعر في المفردة فتغدو مثل عقد اللؤلؤ في عنق العبارة : المنابر / المنابر( يكرر المفردة لتغدو جرسا وإيقاعا يسري مسري القصيدة فيجلب إنتباها ومعني ) / كرتلة ( إستدعاء تلك المقامرة المحفوفة بالمغامرة من زمان سمح مضي ) / الجرايد / المدايد ( جمع مديدة وهي في دق الطار لها طقس ومذاق يكون في وجه المداهنة أحيانا ) ثم أنظر في العبارات لتجد فيها تلك الحلي في تمام جمالها : الصدق في الناس كذوب / الساسة نيام العسل / بين أنتباهة وغفلتين ( هي غفلة آخري ، ليست واحدة ، وفي المابينها وأنتباهتها تلك المساحة الرمادية ، الغبشاء في رؤي الناس ، فكيف لل الشوف يكون جليا واضحا ومؤشرا والحال كذلك ؟ ) / السلاطين والجيوش ( في كفة أو بالأحري في الضمير اليقظ ) و / الشلاتين والقرايب ( هنا تكتمل الصورة وتبدو واضحة في مشهد المقابلة بينهما ) ليأتي – برغم السرد نفسه – سؤال الروح وقلقها علي جسد الوطن : فين حلايب ؟ / واللي بني الأرض كان في الفرض سوداني !! ، أينها تلك الجفرافيا الآن من وجه الوطن؟

اللغة في ما بين سحرها و الواقع:

لو سرنا مع فرضية إن المألوف في الصياغة الأدبية أن ينتج الواقع رموزه وفضاءه سواء كان خرافيا أو سحريا ، فأن القدال نهج عكس هذا المألوف الشائع السائد حين سعي إلي تحويل ذلك الذي نراه سحريا ورمزيا إلي واقع ، أو هو – في قدرة أخري – قد جعل الواقع يبدو ، في أزمنة متقاربة لكنها غير متشابهة ، في السحر وفي الرمز وفي الإشارة ... أستطاع بمهارة اللغة وأجنحة الخيال والعين الوسيعة أن يجعل الجمالية ( التزيينية )/ الأرابيسك ، تبدو في جمالية الحقيقي ، في الواقع الذي نراه ونعيشه رغم بؤسه وقسوته ، ذلك معناه ، وتلك هي رؤيته التي تزين ملامح القصيدة عنده . لهذا قلنا أن شغله الأساس في قصيدته هو اللغة ، عاميته التي يخوض بها مغامراته الشعرية كلها ، في أخيلتها وصورها ومعانيها ودلالاتها علي حد سواء . وهو إذ يفعل ذلك فأنه يريد لقصيدته أن تكون مجلوة وفي كامل زينتها ، فهي " عروسه " الذي يأبي أن يزوجها لأحد لتكون خالصة إليه ! ولهذا ، أيضا ، نقول أن كل شئ في قصيدته يبدو متداخلا لدرجة تجعلك تكاد تكتفي بمتعة القراءة والسير بمعية اللغة وما في صحبتها والرضي في الدخول إلي عوالمها ، فالتداخل الذي نعنيه هنا تزييني جميل ودخولنا هنا هو من باب المتعة ذات الفتنة تجذبنا ، برغمنا ، جراء جمالياتها ، مشفوعة بإغراءات من تجليات اللغة وما يحف بها من صور ومشاهد و ... معاني ، وبشوق يعترينا حد لا نجرؤ علي مفارقته لنكتشف عوالم اللغة تلك . نجده في عديد المرات يترمز لكنه لا يخرج أبدا عن سعة اللغة في تمظهرها الشعري ويستند إلي ذخيرة حية تستدعي التاريخ وعادات المعاش ، من ذلك الواقع الحي ويسعي بين الناس لصيقا جدا بحياتهم . دعونا ، الآن ، وقد سرنا سيرنا حثيثا نريد أن نبلغ تلك الجغرافيا والتاريخ ولحظة الشعر التي ، من علي تخومها بدأ ذلك ( الطنين ) يخايل الشاعر حتي وضعه في حال ( الشك واليقين ) حيال الأمر كله ، دعونا نتأمل هذا الجزء من قصيدته ( طواقي الخوف ) ونسعي لنري فيه ملامح قولنا عن الأرابيسك في قصيدته ، علما بأن ( طواقي الخوف ) من مطولات القدال وليس متاحا لنا هنا أن نجلو كل وجوهها ، لكننا نكتفي بقليلها الذي هو ، لا شك ، بعضا كثيرا منها أيضا ، وقد يصلح مصباحا إلينا لندخل عبر ضوئه إلي حيث العتمات التي ستنكشف لنا علي وجوهها كلها لدي حالة ( المابين ) التي عايشها حتي طلوع قصيدته في الناس . نتأمل ، إذن ، قوله في هذا المجتزأ :
( عيال بتسرح للمدارس
والقطور نجمآ بعيد
بنوت بتجري
علي الخطاطيب الخطاطيف
البتجرح
والعريس نجمآ بعيد
الدكاكين التملاء تفضي
السماسره يسمسروا
والبسفوا الطين
يسفو
والبحتوا الراب
يحتو
والبناطلين ليها سستم
والقوانين ليها سستم
البنوك الفيها بستم
من سويسرا ولي ماليزيا
باالسفارات
والعمارات
والخبارات
أنا كنت متغطي
ومندفي
العمة ملوية
والشال علي كتفي
سودان وكان ماكان
سودان علي كيفك
السكة ساعة أيد
والارض مروية
والناس حنان وظراف
والرايح يجيك
للحول
والخدمة مظبوطة
مظبوطة مدنية
والدنيا حرية
الماشي درب الكار يغور
والتاب من التمباك يتوب.....!
أنا مابجيب سيرة الجنوب
الغبوا عرفوهو
والعرفو سووهو
أصبحت زي الزول
قادل بوسط السوق
سروالو ملصوهو
لو العرق مسروق
أوقلبي نشلوهو
طعم الكضب مسلوق
ماسخ تضوقوهو
لو فمي ما مطلوق
أو كمي غسلوهو
ياني البسوي القوق
قولي البتابوهو
ماعندكم دمي
ماعندهم دمي
من دمي لا لا لا
ماقدرو فصلوهو
وانا مابجيب سيرة الجنوب)...
وفيما يأتي نتتبع هذا المسار، هذه الوجهة المبتكرة في حساسية القدال الشعرية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////