تسلم المهندس صلاح عبدالله محمد صالح المشهور بإسم صلاح قوش فى يوم الخميس 15 فبراير2018 ؛ تسلم رسميأ مسؤوليات مدير عام جهاز الأمن و المخابرات السودانى. و المهندس صلاح قوش معروف للشعب السودانى لأنه شغل نفس المنصب فى الفترة من 2004 إلى أغسطس 2009.و قد جلست مع قوش و تحدتث معه مرة واحدة فى حياتى فى مايو 2012. فقد أتى لأداء واجب العزاء فى و فاة المغفور لها بإذن الله والدة الأخ تاج الدين العالم و شقيقته زوجة الأخ سلمان سليمان الصافى الوالى السابق لغرب كردفان و وزير الإستثمار الإتحادى السابق. و جلسنا معه سلمان و تاج الدين و شخصى و بينما كان قوش يتحدث مع سلمان و تاج الدين و أنا صامت ؛ أتى ألفريق أول بكرى حسن صالح فقام سلمان و تاج الدين لإستقباله و طلبا منى البقاء مع صلاح قوش. وكان على أن أخلق موضوعاً للحديث.فقلت لقوش: يقال إنك قد دخلت السوق و صرت من أكبر المصدرين للماشية و المستوردين للمشتقات البترولية . فعلق بالقول الناس يبالغون فى القول و لكن الحمد لله. فواصلت الحديث و قلت له أريد أن أسألك سؤالاً قد تجد فيه بعض الحرج. فرد بالقول ما هو؟ قلت له لو عاد بك الزمن إلى الخلف، و خيرت بين منصب المدير العام لجهاز الأمن و المخابرات و عمل السوق الذى تقوم به اليوم ، أيهما تختار؟ فرد قائلاً: الإجابة بدهية جداً؛ سوف أختار عمل السوق بالطبع. و واصل قائلاً أنا اليوم مرتاح فى المعيشة و أسرتى مرتاحة و يعمل لدى عشرات الناس يعيلون أسر و فى ذلك أجر لى عند الله أما فى العمل الحكومى فإن الشخص قد يؤذى الناس . ولكن عاد صلاح قوش و أختار العمل الحكومى. و قد صدق المثل السودانى:( سلطة للساق ولا مال للخناق).

عليه الحذر من الإنتفاخ و التمدد:
فى السودان من الصعب أن تحكم على نزاهة شخص (عدله و أمانته و صدقه ) وعلى قدراته العملية (جدارته المهنية) بناءً على ما يقوله الناس لأننا نحن السودانيين لا نعرف التوازن فى إصدار الأحكام. المادح يفرط فى الثناء و القادح يفرط فى الذم و تضيع الحقيقة.و من ما سمعته من خصوم صلاح قوش إنه جرئ و حاسم فى إتخاذ و تنفيذ القرارات و هذه فضيلة كبيرة إذا ما وظفت فى عمل الخير. و يقولون إنه لا يعرف النفاق و إذا ما صح ذلك، فهو بالضبط ما يحتاج إليه الرئيس عمر البشير ؛ مستشار و ناصح صادق و أمين. و لكن ( و لعن الله لكن) يقولون إن صلاح قوش شخص يعتد برأيه. و الإعتداد بالرأى درجة من درجات الغرور قد تصل أحياناً إلى العناد و (ركوب الراس ) والمكابرة فى الباطل. و أياً كانت صفات صلاح قوش و الأسباب التى جعلت عمر البشير يعيد تعيينه ، نتمنى له التوفيق فى القيام بما يتوقعه المواطن السودانى من مدير عام جهاز الأمن و المخابرات و هو حماية و حفظ أمن الوطن و حماية و حفظ أمن حرمات الناس؛حرياتهم و أرواحهم و أعراضهم و أموالهم. و إذا لم يعرف صلاح قوش المطلوب منه بالضبط و يركز عليه؛ سوف يجد نفسه قريباً جالساً فى ضرا الفشلة يتحسر و يجتر الذكريات. و يبدو لى إن هناك من يعمل عن قصد و خبث أو عن جهل على دفع صلاح قوش إلى ضرا الفشلة بالتوقعات الكبيرة و المطلوبات الخارجه عن نطاق عمله مثل تحقيق استقرار الأسعار و محاربة إرتفاع سعر الدولار و مطاردة التجار (الجشعين) وغيره .

عودة فى الزمن الصعب :
عاد صلاح قوش إلى إدارة جهاز الأمن و المخابرات السودانى فى ظرف زمانى صعب و ملئ بالتحديات. هناك درجة عالية من الإستياء وسط أغلبية المواطنين السودانيين من أداء الحكومة بسبب التعدى المتواصل على حقوقهم التى منحها الله لهم و ينص عليها الدستور و بسبب الغلاء الفاحش و البطالة العالية و الإنهيار شبه الكامل لخدمات التعليم و العلاج و حديث عن الفساد يزكم الأنوف .و هناك إحساس قوى لدى أغلبية الناس إن الحكومة تدرك كل ذلك و لكنها لا ترغب فى الفعل لأن الذين ( تمكنوا)غير مشغولين بهموم و تطلعات الناس العاديين. و هناك إرتفاع كبير فى درجة الوعى السياسى للسودانيين و خاصة الشباب بحقوقهم و بالنفاق الذى يمارس بإسم الدين و صار من الصعب خم الناس و إستعباطهم بالشعارات الدينية أو تخويفهم بالعصا الغليظة. وهناك حقارة و إستهداف واضح من الخارج و عمل لإضعاف السودان و ربما تفكيكه. و أعتقد إن صلاح قوش يدرك كل ذلك. فماذا هو فاعل و هو يعرف أكثر من كل شخص آخر إن الحركة الإسلامية كانت و ما زالت تدير السودان بواسطة جهاز الأمن و المخابرات وكل الأجهزه الأخرى مجرد ديكور.


ماذا قال صلاح قوش؟
ذكر صلاح قوش فى خطاب تسلمه لمهامه أمور مهمة جداً. فقد قال:
أولاً البلاد أمام تحديات تقتضى العزم و الحزم و عدم الإلتفات إلى الوراء.
وثانياً قضايا البلاد تحتاج لإبداعات و إجتهادات جديدة و لتفكير خارج الصندوق.
و ثالثاً قضايا البلاد تحتاج لدولة مؤسسات قادرة على خلق الإبداع فى القضايا و المتابعة و الإنجاز.
وكل ما قاله صلاح قوش جميل و إيجابى بإستثناء مناداته بعدم الإلتفات إلى الوراء لأن الإلتفات إلى الوراء ضرورى جداً لكى نعرف أين أخفقنا و كيف ولماذا و ما المطلوب عمله لتصويب المسار. و لكن ما هى مطلوبات ما ينادى به صلاح قوش؟

تحرير مفاصل الدولة من قبضة الحركة الإسلامية:
أول مطلوبات العمل بما ينادى به صلاح القوش الإقرار بأن التحديات التى يشير إليها قد نتجت عن إدارة الدولة السودانية وفق العقيدة السياسية للحركة الإسلامية التى تقوم على التمكين وهو الهيمنة المطلقة لرموز و مناسيب و محاسيب تلك الحركة على مفاصل الدولة السياسية و الإقتصادية و الثقافية وتمتعهم بالطلقة المطلقة absolute impunity و هى عدم الخضوع للمساءلة و المحاسبة على قصور الأداء و سوء التصرف و الفساد. و كل ما ينادى به صلاح قوش سوف يتحول إلىى حلم ليلة صيف إذا لم تحرر مفاصل الدولة السودانية من قبضة الحركة الإسلامية و يحل محلها نظام حكم مفتوح يقوم على العدل و المساواة بين كل السودانيين رجالاً و نساء بغض النظر عن الإنتماء الحزبى أو الدينى أو الجهوى. و يقوم على الحرية و أكرر الحرية و الحرية وخاصة الحريات السياسية وهى حق تكوين عقيدة سياسية (آراء و تصورات حول نظام الحكم و مقاصده و كيف الوصول إليها) وحق نشر تلك العقيدة السياسية وترويجها و حق تكوين الأحزاب و حق التجمع ويقوم على مشاركة كل السودانيين فى إدارة بلدهم .و يقوم على محاسبة كل من يتولى مسؤولية فى إدارة الدولة؛إبتداءً برئيس الجمهورية نزولاً إلى أصغر موظف؛محاسبته على قصور الأداء و على سوء التصرف وعلى الفساد.وفى هذا النظام المفتوح وحده سوف تكون هناك دوافع و مجالات للإبداع و الإجتهاد و التفكير خارج الصندوق.فهل إبن الحركة الإسلامية على إستعداد لتحرير مفاصل الدولة السودانية من قبضتها؟


مؤسسات عاجزة و فاشلة ؛ ولكن لماذا؟
يقول صلاح قوش إن قضايا البلاد تحتاج لدولة مؤسسات institutions قادرة على خلق الإبداع فى القضايا و المتابعة و الإنجاز.و يعرف القارئ الكريم أن المعنى المقصود بمؤسسات الدولة هو الأطر القانونية و التنظيمية التى تنظم و تحدد كيف تدار الدولة. و يأتى فى مقدمة تلك المؤسسات دستور البلد و الأجهزة التشريعية و التنفيذية و القضائية.ولدينا فى السودان ؛و الحمد لله؛ دستور من أفضل الدساتير وقضاء لا زال على درجة عالية من النزاهة و الإستقلال.ولدينا مجالس تشريعية و حكومات فى المركز و الولايات( كلها مترهلة). و عندما يقول صلاح قوش إن السودان يحتاج لمؤسسات قادرة على الإبداع و المتابعة و الإنجاز فإنه يصدر حكماً صريحاً على المؤسسات القائمة بأنها عاجزة عن الإبداع و عاجزة عن المتابعة و عاجزة عن الإنجاز و فاشلة. و أتفق معه فى ذلك. ولكن ماهى أسباب عجز المؤسسات القائمة و فشلها ؟

أولاً يقوم نظام الحكم الحالى على الهيمنة المطلقة لحزب واحد هو الحركة الإسلامية و لا يوجد تدافع و تنافس حول مخاطبة هموم الناس و تطلعاتهم لأن التدافع و التنافس هو الذى يشجع الإبداع و الإنجاز.
و ثانيأ كل الأجهزة التشريعية أجهزة ديكورية و صورية لاتملك أية سلطات للإبداع أو المتابعة أو الإنجاز وهى تعمل وفق توجيه الجهات التى تملك السلطة وهى الحركة الإسلامية و جهاز الأمن و المخابرات. ولم يسمع الناس بقيام جهاز تشريعى فى المركز أو أية ولاية من الولايات ، قيامه بإبتدار مشروع قانون أو تعديل قانون سارى أو رفض أو تعديل مشروع قانون تقدمت به الحكومة أو قام بسحب الثقة من مسؤول تنفيذى بسبب قصور الأداء أو سوء التصرف أو الفساد. و قد صم رموز الحركة الإسلامية آذانهم عن قول الله تعالى إنه لولا دفعه للناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض( البقرة 251) و لهدمت البيوت التى يعبد فيها الله (الحج 40).
و ثالثاً التعيين فى المناصب التنفيذية لايقوم على النزاهة integrity (العدل و الأمانة والصدق ) وعلى الجدارة المهنية competence(الفهم والحزم و الحسم وعدم التردد فى إتخاذ و تنفيذ القرارات) ولكن يقوم على الإنتماء الحزبى و القبلى.و لا يخضع الذين يحتلون المواقع التنفيذية للإشراف و المساءلة و المحاسبة على قصور الأداء و سوء التصرف و الفساد.
و رابعاً دستور السودان لا يجد الإحترام من الحركة الإسلامية و جهازها التنفيذى صاحب العضلات. فهم يخرقون ما ينص عليه الدستور و يعدلون فيه ( على كيفهم). و إذا ما بعث الله فرعون اليوم، أتوقع أن يكون أول ما يتفوه به:(زمان شايلين حسى فوق كام؟).


على صلاح قوش أن ينقض ما غزلت يداه:
يقول التجار و بعض الذين يشغلون مواقع فى المؤسسات التشريعية و التنفيذية إن دور جهاز الأمن و المخابرات قد تمدد فى العهد الأول لصلاح قوش و من خلفه و دخل الجهاز السوق و تملك شركات تتمتع بالإعفاء من الجمارك و االضرائب و تشترى الدولار بالسعر الرسمى و غيرها من الإمتيازات. و دخلت تلك الشركات فى مزاحمة و منافسة غير عادلة مع شركات القطاع الخاص و أدى ذلك إلى تسرب الإيرادات الحكومية و إنخفاضها و إتساع حجم العجز فى الموازنة العامة و لجوء الحكومة إلى طباعة العملة و تأجيج نار التضخم و إرتفاع سعر الدولار و غير ذلك من السلبيات. و يقال أيضاً إن جهاز الأمن و المخابرات يفرض رأيه فى أمور جوهرية تحتاج للمعالجة بمناظير سياسية و إقتصادية شاملة وبعيدة المدى و ليس من خلال المنظور الأمنى الضيق و قصير المدى و من تلك القضايا دعم الإستهلاك و تحرير أو تثبيت سعر صرف العملة وغيرها. و لذلك نتوقع من صلاح قوش أن يخرج جهاز الأمن و المخابرات من السوق بتقديم توصية إلى رئيس الجمهورية لإصدار قرار بتحويل ملكية كل شركات الأمن و المخابرات إلى وزارة المالية و التخيط لتقوم ببيعها للقطاع الخاص.و عليه أن يترك إدارة الإقتصاد للمنتجين و المستهلكين و المؤسسات التشريعية و التنفيذية المختصة. فهل يفعل ذلك؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.