كالعادة يتشكّك الناس في أحاديث الذين ينشقون عن أحزابهم ويفارقون كياناتهم وولاءاتهم السابقة، حيث يرى الناس أن المنشقين هؤلاء ربما يضمرون شيئاً من التحامل حتى يبرّروا أسباب ابتعادهم عن الرفقاء القدامى.. ولكن ذلك لم يكن الحال عندما استمعت لحلقة تلفزيونية في قناة مصرية من (متحدث إخواني) ؛ لأن الرجل كان في (قلب الجماعة) وهو لا يزال يضمر حباً لبعض رموزها، ثم إنه يتحدث بضمير القاضى وبوجدان الرجل الحقوقي، وثالثاً أنه كان مطّلعاً على دقائق حركة الإخوان المصرية، ورابعاً أنه كان مقرّباً لأكثر من مُرشد من مرشديها، وخامساً أنه كان مستشاراً لمرشدَين إثنين هما (الهضيبي ومهدي عاكف) وهو لا يزال يكنّ لهما الكثير من الإحترام، وسادساً لأن الرجل كان ممن تعوّل عليهم الحركة في مجال الشؤون القانونية وشغل فيها موقع رئيس اللجنة القضائية التي تتبع مباشرة للمرشد العام، وهو ما زال يملك النسخة الأصلية للائحة الجماعة وكان سبب (الغضبة) عليه انه طالب بتعديلها ووصفها بأنها (قطبية تكفيرية إنعزالية صمدية) تنافي الوطنية وتنفي الآخر! وسابعاً لأن الرجل كان (شاهد عيان) وسط القيادات العليا للجماعة عبر المنعطفات الحرجة ولفترة طويلة الزمن، وثامناً للموضوعية التي يتحدث بها الرجل في منطق متوازن يستند على الشواهد والبراهين، وتاسعاً لأنه قد استثنى بعض رموز الجماعة من كثير من الخطايا التي ولغت فيها غالبية القيادات، وعاشرًاً لأن الرجل هو الذي وضع التصوّر المبدئي لإنشاء أول حزب سياسي للجماعة قبل حزب الحرية والعدالة... وأخيراً نقول إن حاسة المتلقي تستطيع تقييم شهادة الشاهد وفحص صدقها من زيفها، كما تستطيع فرز ًأصحاب الضمير اليقظ من الذين يرتكسون في (ضلالهم القديم)!

أهم ما قاله أنه يعلم من واقع الحال وبعد معايشة طويلة مع الإخوان وجماعة الاسلام السياسي أنهم لا يحتملون ًمطلقاً الرأي الاخر وفق تربيتهم داخل تنظيمهم، ويعتقدون بالحتميات التي لا تقبل المناقشة والمراجعة، ويؤمنون إيمان العجائز بعصمة مكتب الإرشاد، ثم أنهم يقصدون بشعار (الإسلام هو الحل) أنهم (هم الحل)..وقال إنهم باختصار (طُلاب دنيا) لا مراء في ذلك، وذكر (بالإسم) أن فلاناً وفلاناً من كبار القيادات يكنزون المليارات مجهولة المصدر ويرفضون المساءلة ويدأبون على انفاق المال بغير حساب وبغير مستندات، وفي نهاية الأمر ضاقوا باللجنة القضائية وعطلوها.. وأكد الرجل أنه وبالمراقبة اللصيقة (مان تو مان) يستطيع القول أن مجلس شوري الجماعة هو (مجلس صوري) لا يحرّك ساكناً (أو يسكّن متحرّكاً) من قرارات النافذين في مكتب الإرشاد، ومن أخطر ما قاله أنهم رفضوا رفع دعوى أو شكوى في الخارج أو الداخل لواقعة تعذيب موثقة أدت إلى وفاة رجل قيادي إخواني داخل السجن (سماه باسمه) وكان هذا الرفض بسبب علاقتهم بالرئيس حسني مبارك في تلك الآونة، فحينها كانوا ينشطون في إعداد منسوبيهم لاستقبال مبارك خلال زيارته لألمانيا. وعرضت الحلقة التلفزيونية تسجيلاً حياً لقيادي إخواني جعل ربطة عنقه من (نسيج العلم الأمريكي) وهو يتحدث لرجال الكونغرس! ثم قدم الرجل شهادات خطيرة عن أسلوبهم في التمكين، وعن الكذب (الصريح والممنهج) الذي صك أذنيه من دعاة تحكيم الشريعة...!
بعد مشاهدة هذه الحلقة وجدت نفسي أقول: (يخلق من الشبه أربعين).. لا بل هذه هي (ذات المناظر) التي نعيشها هنا في جنوب الوادي!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
>
/////////////////