باغتني خريف 1988 وأنا في أعماق البطانة، على مرمى حجر من نهر ساسريب، الماء من أمامي ومن ورائي ومن يميني ومن شمالي، وفي حلقي جرعة ماء لم تستقر في الجوف بعد، حين انهمر ماء طليق لاشيء يقيّده ويحبسه، ماء حرُّ الإرادة، يفعل مايشاء. وقتها كنت أحيا بين الفلاحين من عشيرتي النوبية، محفوفاً بمضارب الرعاة من عشائر البجة والزبيدية والتامة والمَلَّو، وعمّال الزراعة، الموسميين منهم والمستقرين، المهاجرين إلى المشروع الزراعي، من شتى بقاع السودان ومن دول مجاورة. أعيش حياة يسودها طابع الهدوء، وتخلو من عوامل التوتر. أتسلّى بلفافات القَمشة. واكتفي من الطعام بالزهيد الثمن، الذي تقدمه المطاعم الشعبية المهمّشة في أطراف السوق، تلك التي يغشاها اللاجئون الفارون من عسف الأنظمة العسكرية والحروب الأهلية في بلادهم.

توقظني في الليل نقرشة (1)عجيبة على طارٍ مشدود الجلد محمَّى باللهب، ثم ما تلبث حنجرة جعفر جمال (جنكير)، وهو مغن بارع، بزغ نجمه عندنا في البطانة في الثمانينات من القرن الماضي، أن ترتفع بغناء عذب ومشبوب العاطفة، يسوقني، وفي عيني بقيّة من النعاس، إلي ساحة يضجّ فيها عرس، ينيره قمر بلغ طوراً في الكمال والجمال، يصفه لسان النوبيين باليانع، وأضيف إلى ذلك الوصف : الداني القطاف.

أنفق جلّ وقتي في المطالعة وتمارين الكتابة أبعث منها إلي جريدة الميدان من حين اإلي حين، وفي قطع المسافات الطوال في الهواء الطلق، سيراً على الأقدام، شبه متفرّغ للعمل الحزبي، والمساهمة في بناء فروع الجبهة الديمقراطية بثانويات حلفا الجديدة. مستور الحال، قليل النفقات. في القلب يعشعش طير الهيام الخُضاري بالفقراء. لهذا الطير الذي لايراه أحد في برجه الخفيّ في صدري أكتب الشعر في الأمسيات التي تتنزّل فيها سكينة البلدة الوادعة بالوحي، مستضيئاً بالميسور من النور.

منتشياً بهواء الحرية المستعادة في انتفاضة مارس - أبريل 1985، أذرع المسافات، تحت شمس الظهيرة العمودية، مشتملاً بأغبرة الطريق من مملكة الحاجة الى مملكة الحرية، في انتقالي من اجتماع حزبي إلى
تكليف بأداء مهمّة ما. ترى، ماذا يعوز المرء أكثر من هذا ليسعد بحياة ذات لباب، يؤدِّي فيها ماعليه من الواجب، تقديساً للمكان الذي رأى فيه نور الشمس لأول مرة، ومن ثم ينتظر حسن الخاتمة بنفس رضيّة
مطمئنة ليغسله أهله حين يكتمل مشروع حياته بالدموع، ويطيّبونه بالحنوط، ويودّعونه بالمراثي، ثم ينزلونه الى الظلمات تأكله؟ ما الذي يتوجّب على المرء القيام به لكي يزخر وجوده الذي هو ورطة بجليل المعاني، حتّى إذا سأله منكَر في الحياة أو نكير عن دنياه كيف أمضاها، وأيامه القصار في الجدّ، أم في الهزل قضاها، وشتلة الخير المودعة في صدره هل سقاها، ودوّاته وريشته ودفاتره فيم سخّرها، ولسانه بم جعله يلهج آناء الليل وأطراف النهار، وهل أدّبه وأحسن تأديبه، وجهده فيم أنفقه، وأبواه هل بَرّهما، وإخوته هل أسبغ عليهم عطفه وشملهم برعايته، والأقربون كيف عاملهم، والصحاب هل سرّهم ولاطفهم، والأحباب هل أخلص في مودّتهم وصانهم كجوهرة ثمينة، أجاب غير متلعثمٍ ولا هَيّاب؟

كنت قد توقّفت مؤقتاً عن العمل في أستديو الذكريات بحلفا المدينة، بعد أن أمضيت في خدمته قرابة الأربع سنوات، وعدت إلى قريتي، عندما تفجّر مخزون السماء من الألعاب النارية زوابعَ رعدية متبوعة بمطر عنيف، انسدل بين البلدة وبين العالم حجاباً حاجزاً من البَلل والأوحال. ولأنّ السكك طينية غير معبّدة، انقطعنا لثلاثة أيام أو يزيد أسارى عزلة شاملة قضيناها في الأنس، واجترار الذكريات، منصتين لصوت المذياع، مستعينين على مقاومة الزِيفة (2) بتناول العصيد المصنوع من القمح المجروش يُصَبّ عليه اللبن الساخن. على الأرض المبتلة نتحلّق حول قصعة لها بخار، ثم نستأنف غَزْلنا للحكايات.

ثم أخذت مسام التربة تتفتّح شيئاً فشيئاً لتمتصّ ماطفح من مياه تعوم فيها العقارب. وبدأ الوحل يجفّ، مخلخلاً طوق الحصار المضروب، فانفتح طريق "التيرف"، لتسلكه طلائع المركبات الكبيرة القادرة على اختراق الأوحال بما لها من بأس تمهّد به ممشى للمركبات الصغيرة: تتحسّس طلائع المركبات السكّة المعطونة، ثم تتقحّمها، ملقية بهياكلها في لجج تتطاير مرشوقة كسهام من الطين. تصطبر المركبات عند الإبتلاء إذا غطست، تئنّ قليلاً، تقدِم وتدبر، تكرّ ثم تفرّ، تنعطف انعاطفات حادة، تارة إلى اليمين، وتارة إلى الشمال، وتارة ثالثة تتلوّى كالحنش، وهي تئزّ أزيزاً عظيماً غضوباً، تفرغ فيه جماع طاقتها، في هذه البريّة الموحلة بين الجداول والترع، في معركة المصير للإفلات من قبضة فكوك خفية. طوراً تتقدّم، وطوراً آخر تتأخر، وطوراً ثالث تراوح في موضعها، بينما عجلاتها تدور في الفراغ مبعثرة الطين في كل اتجاه. تحسبها استسلمت للوحل عندما تراها قد انحنت على جنبها، حتى توشك على ملامسة الأرض، فيرتفع عندها صياح الناس، ولكن ما أسرع ماتعتدل المركبة التي ظُنت منقلبة لامحالة، مستعيدة توازنها صامدة لقسوة الإختبار، متقدمة تقدماً حثيثاً، حتى يكتب لها الخروج سالمة من الضفة الأخرى لنهر الطين، فتقتفي أثرها الأخريات، وتشيع في الجوّ الموحش المشحون بالقلق والخوف بهجة الانتصار على عدو من أعداء الإنسانية.

في تلك المركبات عادة مايمسك بمقود القيادة سائق مخضرم. يبدو لي صنيع هذه المركبات الكبيرة الثورية المسلك، والتي تجازف بتقحّم المجاهل، قريب الشبه بمشهدين. الأول هو" الهجرة الكبرى"، وهي بتعريف مقالة مترجمة، نشرتها صحيفة البيان في 08 أكتوبر 2012 " رحلة محفوفة بالمخاطر، إذ تضطر مئات الآلاف من الحيوانات البرية عبور أكبر المعابر البرية وأكثرها إثارة وخطورة، وهو معبر نهر مارا الملقب بـ"نهر الموت" والذي يجري في كل من كينيا وتنزانيا الإفريقيتين، ويعتبر المعبر الرئيسي لمئات الآلاف من حيوانات النو أوالجاموس الإفريقي والحمار الوحشي والغزلان خلال هجرتها من الحديقة الوطنية سيرنغيتي في تنزانيا إلى مراع أكثر اخضراراً في محمية ماساي مارا الوطنية في كينيا"
( 3)، أمّا المشهد الثاني، فهو ما اجترحه روّاد الحركة الشيوعية السودانية في الأربعينيات من القرن الماضي من معجزات. حوصر هؤلاء الرواد بغثاء الجهلاء، وكيد المغرضين، ودسّ المتربّصين، وزُجَّ بالسواد الأعظم منهم، إلّا من توارى عن عيون السلطة، في وحشة المحابس الرطبة، لأنّهم لم يستسلموا للقدر، بل تنادوا لكي يكون للفقراء مؤسسات( حزب شيوعي ونقابات واتحادات) تتصدّى للمقاومة وانتزاع الحقوق، ذات منعة وبأس يثيران الرهبة في نفوس الأعادي.

ترامى الأفق من جديد فدبّت الحياة بعد كمون، فغادر إلي حلفا المدينة فوج يضمّ طلاب المدارس، وأصحاب المتاجر، وعمّال النقل الميكانيكي، وموظفي المجلس البلدي، والبريد والبرق، ومؤسسة حلفا الجديدة
الزراعية، والبنوك، ومطاحن الغلال، غاب هؤلاء جميعاً من أنظاري واحتوتهم ثنيّات المدينة، ثم فتّقوا( 4) ثانية كبتلات في خاطرٍ مشتاق، عائدين إلى "ماكوندو" في آخر النهار، بعضهم يمشي خفيفاً طليق اليدين، والبعض الآخر يحمل صحيفة، والبعض الثالث تثقل خطوه أكياس الخضروات والفاكهة، فانتظرتُ من الفريق الثاني جريدة الميدان.
هامش:

(1)مصدر للفعل نقرش ( لفظة سودانية) الطار أو الطبل أو العود. ضرب عليه ضرباً خفيفاً أو نقر نقراً خفيفاً.
(لعرّفها قاموس اللهجة العامية في السودان، للدكتور عون الشريف قاسم، الطبعة الأولى، 1972، اشرف على طباعته وإخراحه: الدار السودانية للكتب ، الخرطوم، بالاشتراك مع دار الفكر، بيروت)
(2) الزِيفة: من اللهجة العامية في السودان. وتعني الهواء الرطب البارد غَبّ المطر.
(3) المصدر: http://www.albayan.ae/editors-choice/varity/2012-10-08-1.1742892
(4) فَتّقوا: فَتّق.عفها قاموس اللهجة العامية في السودان للدكتور عون الشريف قاسم بأنّها نما واخرج زهره.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.