اقترح أحد رموزنا في العمل الإنساني في السودان، الأستاذ عثمان آدم عثمان، إحياء وجبة سودانية أصيلة وفريدة كادت أن تندثر. والثابت أن عاداتنا الغذائية باتت في خطر بسبب "هجمة" الرغيف الشرسة التي أورثتنا الكثير مما نعانيه الآن من مشاكل معيشية. الأستاذ عثمان يقدم "الخميس طويرة" باعتبارها حلا فعالا من حيث التكلفة، لما تحققه من قيمة تغذوية، وتوفيرية، تسهم في تخفيف تكلفة المعيشة اليومية المتصاعدة. واقتراح الأخ الأستاذ عثمان اقتراحٌ مبدع، وإنساني، ولذلك تلقفتُه بفرح، وها أنذا أشاطركم الفرح.

ذكر الأستاذ عثمان على صفحته في الفيسبوك أن الخميس طويرة، تلك الوجبة التي طالما تمنى أن يقترحها لرواد الفضاء، تصلح، بالأحرى، لحل جزء من ضائقتنا المعيشية الحالية. إذن، "الخميس طويرة" هي الحل الإسعافي العاجل لنا. حسناً. سنرى.
مكونات هذه الوجبة السودانية بسيطة ومتوفرة في الريف والحضر، للفقير والغني. ومع أنّ الوجبة ذات أصل دارفوري، فإن الكثيرين ممن زاملوا رصفاء لهم من أبناء دارفور في الداخليات، في شتى بقاع السودان لا شك يعرفونها، إذ ما من طالب دارفوري يسافر إلى الداخلية، في ذلك العهد الجميل، إلا وتكون أمه قد جهزت له حصيلة من "الخميس طويرة" تكفيه طوال فترة غيابه.

تاريخياً، كانت الخميس طويرة تعد للحجاج والمسافرين ولطلاب الداخليات، كما أسلفنا، نظراً لخفة وزنها، وقيمتها التغذوية، وقدرتها على البقاء صالحة لمدة طويلة، وكذلك، بالطبع، للذتها الفائقة. "الخميس" معروف، و"الطويرة" تصغير طائر في لهجاتنا، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أن الاسم عربي، بل الأرجح أن يكون بإحدى لغات أهل دارفور. فأفتونا يا أهل المعرفة.

دعونا نكن عمليين ولنبدأ بتحضير الخميس طويرة فوراً.
أول المكونات هو الذرة، ويا حبذا الدخن بدلاً عن الذرة. يغسل الدخن (أو الذرة) جيداً، ثم يغطى بقماش رطب لمدة يومين أو ثلاثا. ماذا سيحصل؟ ستبدأ البذور في الإنبات! يا للهول! ويا للجمال! ينمو من كل حبة جذيرٌ صغير، هو مشروع جذر النبتة، ورويشة صغيرة، هي مشروع سويقة وساق المستقبل. الجذير والرويشة يبدوان الآن مثل شعر طفل وليد. ما أنجزناه للتو هو "الزرّاع"، بضم الزاي، المعروف بطعمه الحلو. لنتذكر، نحن لسنا بصدد عملية زراعية، بل بصدد عملية "تزريع"، وقد انتهت للتو، فعلينا الآن أن نضع حداً لعملية الإنبات، وأن نكف عن التغني بجمال "الزرّاع" وطمعه اللذيد. ما يجب أن نفعله الآن هو أن نقوم بتجفيف الحبوب "المتزرِّعة" تحت الشمس. بعد أن تم التجفيف، هيا الآن نتذوق طعم الحبوب! سنجد أنها لا تزال تحتفظ بالحلاوة السكرية! يا للجمالّ! سكر طبيعي صحي بلا ثمن! ها نحن، إذن، نمزق فاتورة السكر الأبيض. بعد التجفيف يتم الطحن؛ وبعد الطحن، نقوم بتحويل الدقيق إلى عجين؛ ومن ذلك العجين نصنع كسرة، كسرةً عادية، لكن في شكل أقراص مستديرة ذات هالات، نستخدم "كاس العجين" في صنعها. كسرتنا هذه اسمها "الكسرة أم كاس"، وهي تبدو أكثر سماكةً من الكسرة العادية. الآن توفرت في منزلنا الكسرة أم كاس. مجرد توفر الكسرة ام كاس يعد بداية بركة عظيمة! فالكسرة طعمها حلو جداً. ويمكن أكلها مع الحليب أو الزبادي، أو حتى مغموسة في الماء العادي...بل يمكن حتى "قرقشتها" بتلذذ شديد!!
الكل شبع الآن من الكسرة أم كاس، لكن بقي منها الكثير بفضل الله. لنقم بتجفيف ما تبقى. لا يحول التجفيف دون الاستفادة من الكسرة، ولله الحمد. فجفاف الكسرة لا يعني أنها لا ترطب بالماء أو الحليب. دعك عن الترطيب، بل يمكنك "أن تقرمش" الكسرة وهي جافة، ثم تشرب كوب ماء بعدها لتشعر وكأنك تناولت وجبة كافية.
بعد كل هذه "القرقشة" و"القرمشة" لا تزال الكسرة المجففة باقية (فنحن قلنا "بسم الله" منذ البداية).
الآن تُدقُّ هذه الكسرة الجافة، ويُسحن الفول السوداني بعد إزالة قشرتيه سحناً خشناً، أي ما بين السحن الخفيف والجرش، بدون تحويله إلى زبدة فول سوداني (أو بالسوداني العديل، دكوة). بعد ذلك يضاف مسحوق الكسرة إلى مجروش الفول السوداني (يمكنك أن تقول: مجروش المكسرات السودانية، لزوم الترويج). وبما أن هذه الوجبة تصلح لإخوتنا الميكانيكيين أيضاً، ولغيرهم من فئات مجتمعنا، فنقول، بلغة إخوتنا الميكانيكيين، إن "الشاسيه" والماكينة جاهزان الآن. لم تتبق إلا الإضافات. والخيار مفتوح بالنسبة للإضافات. فهناك السمسم المحمص المجروش، وكذلك التمر (البلح) الجاف المجروش، وهناك، بالطبع، البهارات لا سيما القرفة والكمون الأسود (حبة البركة)، أو الزنجبيل، أو الهيل (حب الهيل، أو الحبهان) أو أي منكهات أخرى حسب الذوق وحسب ذات اليد، والقليل جداً من الملح. ونقوم بخلط المكونات بعناية، ثم نضعها في إناء مناسب له سدادة.
الآن أصبحت الخميس طويرة جاهزة. جاهزة للأكل والسفر والتخزين وكذلك للتطوير. أجل، يمكن تطويرها أكثر كما سنرى.
خذ ملعقتين أو ثلاث ملاعق (كبيرة) من "مسحوق الخميس طويرة الرهيب" وأضف "كوزاً"، أقصد كوباً، بل كأساً من الماء، ساخناً قليلاً، أو فاتراً. بعد إضافة الماء ستجد أن الخميس طويرة انتفخ وملأ "الكورة"! يمكنك تشبيه الخميس طويرة وهو في هذه الحالة من الانتفاخ بـ "جيري" عندما شرب الخلطة الكيميائية السحرية فانتفخ وتضاعف حجمه وأعطى "توم" علقة ساخنة!
وهنا لا بد من توجيه هذا التحذير، إلى الإخوة والأخوات القراء الكرام، بسبب ظاهرة "جيري" في الخميس طويرة. لا تكثر من "سف" (استفاف) الخميس طويرة وهو جاف. ستزدرد منه كثيراً بسبب لذته، ستزدرد أكثر مما ينبغي لك، وبعد ذلك ستحتاج إلى شرب الماء. ستشرب ماءً كثيراً جداً. جداً جداً. وسينتفخ "جيري" في بطنك. وسيعطى مصارينك علقة ساخنة. فالحذر الحذر.
الآن، أصبح في بيتك "بودرة الخميس طويرة". يا للكرم الحاتمي! بوسعك الآن أن تأكل متى جعت. وأن تطعم كل من جاء جائعاً، صغيرا أو كبيرا: ملعقتان أو ثلاث، و"كوز" ماء، عفواً، قصدتُ أن أقول: كأس ماء. والحمد لله.
يمكن الاحتفاظ بالخميس طويرة كـ "بودرة"، في علبة مسحوق حليب قديمة. ويمكن ترطيب الخميس طويرة بكمية قليلة من الماء، ثم تقطيعه في أشكال هندسية مختلفة، حسب المزاج، وتجفيفها. وهكذا يصبح لديك خميس طويرة في شكل مكعبات، مثل مكعبات "ماجي" لكن أكبر بكثير، أو في شكل مثلثات، مثل أهرامات البجراوية، لكن أصغر، أو في شكل دوائر، مثل الدوائر الانتخابية، لكنها تشبع.
لن نتدخل في عمل اختصاصيي التغذية، ولكننا ندعي أن للخميس طويرة قيمة غذائية عالية. وفي هذا الزمن، عندما تقلصت الوجبات من أربع، إلا ثلاث، ثم من ثلاث إلى اثنتين، فإن وجبتين من الخميس طويرة تقيمان الأود بلا شك.
ذاهب إلى العمل؟ خذ معك مثلث خميس طويرة؛
ذاهبة إلى المدرسة؟ خذي معك مثلثين، واحد لكِ، والآخر لصديقتك التي "نسيت" أن تحضر معها "حق الفطور"؛
مسافر؟ لا تنسَ أن تأخذ معك "علبة مثلثات" خميس طويرة!
***
شبّه الأستاذ عثمان الخميس طويرة بوجبات رواد الفضاء.
لعلنا نحن رواد الفضاء المعنيون. فأي فضاء أشبه بالفضاء الخارجي من أرضنا بلدنا التي هجرناها، أو هاجرنا منها.
ويمكنا أيضاً أن نقترح الخميس طويرة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى. فهو حل سريع، وبسيط، ورخيص، وفي متناول أيدينا، فعلينا أن نأخذ به، وبغيره من الحلول السودانية الأصيلة، حتى لا نضطر لتطعمنا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
***
ها هي (أو ها هو؟)، إذن، الخميس طويرة، وجبة سودانية كاملة الدسم!
لكن علينا – كما تعودنا - أن نشكل لجنةً وطنيةً معنيةً بالترويج للخميس طويرة.
لنجعلها لجنةً افتراضية.
أكاد أجزم أن "لجنة خميس طويرة" الافتراضية، قد تكون أهم من معظم لجاننا في البلد!
بل قد تكون أهم من البرلمان نفسه!
فهي، على الأقل، لجنة افتراضية، تهتم اهتماماً عملياً بما يأكله كل سوداني وكل سودانية.
بالعكس البرلمان، فهو لجنة حقيقية تهتم اهتماماً افتراضياً بشؤوننا.
***
هل تريد أن تأكل مما تزرع؟
وأن تشبع مما تأكل؟
وأن تصدر للعالم بعد أن تشبع؟
ما عليك إلا بالخميس طويرة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.