عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بتاريخ الأحد 4 فبراير 2018م لفت انتباهي في الشريط الإخباري لقناة (سودانية 24) ورود خبر مفاده (أن البشير يوجه السلطات العدلية والقضائية بتشديد عقوبات جرائم التهريب والتعامل غير الرسمي بالنقد الأجنبي) ، ولا شك في غمرة الأحداث والأخبار المتلاحقة قد لا ينتبه الكثيرين لهذا الخبر ، وان كنت أتمنى ان يكون سوء تقدير أو خلل في الصياغة ، لإدراكي التام بأن هناك مستشارون في مجال القانون والإعلام لن تمر مثل هذه الأخبار عبرهم دون تمحيص وادراك ووعي ، وهذا الخبر يجعلنا نُذكِّر بمبدأين هامين ، هما: مبدأ استقلال السلطة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة.
ولا شك ان النظام القضائي في الدولة يلعب دورًا مهماً ورئيسًياً في ترسيخ قيم العدالة والقانون وحقوق الإنسان ، وعندما يخضع الحاكمين والمحكومين الى سلطة القانون يشعر الفرد بمدى فعالية هذا النظام القضائي وإستقلاله، وحياده ، وهذا يعرف في الفقه القانوني بمبدأ استقلال السلطة القضائية .
ومبدأ استقلال السلطة القضائية يعني أن السلطة القضائية مستقلة عن جميع السلطات في الدولة وهذا يعني عدم السماح للسلطتين التنفيذية والتشريعية أو أي جهة أخرى بالتدخل في أعمالها وصلاحياتها أو توجيه الأوامر والتعليمات لها ، وينعقد للسلطة القضائية – وحدها - الاختصاص بالفصل في المنازعات والخصومات ولا يجوز المساس باختصاصها الحصري في ولاية النظر بالمنازعات والخصومات بين الأطراف بأي حال من الأحوال .
ويفرض مبدأ الاستقلال قيوداً على السلطة التنفيذية تتمثل في أنه يمتنع على رجال السلطة التنفيذية التدخل في أعمال القضاء ، فليس لأي فرد في السلطة التنفيذية أن يصدر إلى القضاة او الى السلطة القضائية أي توجيهات أو أوامر تتعلق بالقضايا المعروضة على المحاكم او في القضايا التي ستنظر مستقبلا في المحاكم ، ويفرض مبدأ الإستقلال أيضا على السلطة التنفيذية أن تقوم بواجبها في معاونة المحضرين على تنفيذ الأحكام بإستعمال القوة الجبرية في حال إمتناع المحكوم عليه بتنفيذ الحكم طواعية وهذا الدور تنفيذي من اهم واجبات السلطة التنفيذية في معاونة السلطة القضائية لتنفيذ احكامها .
ونصت المبادئ الأساسية الواردة بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في ميلانو 1985م على أن تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات إحترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية. ونصت على ان تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقا للقانون ، ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة أو لأي سبب ، ولا يجوز أن تحدث أية تدخلات غير لائقة، أو لا مبرر لها، في الإجراءات القضائية ولا تخضع الأحكام القضائية التي تصدرها المحاكم لإعادة النظر. ولا يخل هذا المبدأ بإعادة النظر القضائية أو بقيام السلطات المختصة، وفقا للقانون، بتخفيف أو تعديل الأحكام التي تصدرها السلطة القضائية. هذه المبادئ تعتبر ذات قيمة دستورية وقانونية تمثل عصارة ما انتجه الفكر القانوني في سبيل إقرار دولة القانون التي يتساوى فيها الجميع امام القانون ، ويخضع فيها الحاكم والمحكوم وجميع السلطات الثلاث للقانون .
ودساتير السودان المتعاقبة نصت على مبدأ استقلال القضاء ابتداء من دستور السودان لسنة 1956م وحتى دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005م حيث جاء فيه : " تكون السلطة القضائية مستقلة عن الهيئة التشـريعية والسلطـة التنفيذية ولهـا الاستقلال المالي والإداري اللازم " ، و " ينعقد للسلطة القضائية القومية الاختصاص القضائي عند الفصل في الخصومات وإصدار الأحكام وفقاً للقانون" .
واستقلال القضاء يرسخ لمبدأ الفصل بين السلطات في الدولة ، ويؤدي الى عدم تركيز السلطات في الدولة لدى سلطة واحدة ، وتوزيع وظائف الدولة القانونية الثلاث على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وتتولى كل سلطة منها وظائفها بمعزل عن السلطتين الأخريين ، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال وفق هذا المبدأ أن تعمل كل سلطة بمعزل تام عن السلطتين الأخريين ، ولكن لكل سلطة الحق في مراقبة أداء السلطتين الأخريين في حدود (ما يقرره القانون)، بمعنى أنه وفق هذا المبدأ يبقى هناك نوع من العلاقة التكاملية التي يكون أساسها والغرض منها تحقيق المصلحة العامة واحترام سيادة القانون في الدولة ، بمعنى ان هذه العلاقة يجب أن لا تكون "توجيهات" أو "تدخلات" يفهم من ثناياها أن السلطة التنفيذية تهيمن او ترغب في الهيمنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتتدخل في اعمال السلطة القضائية .
جاء في ديباجة المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية بما يشير بان هناك تضارب في الرؤية بين المبادئ المعتمدة بشأن استقلال القضاء وبين الأوضاع الفعلية في بعض الدول بقولها : " وحيث أنه لا تزال توجد في حالات كثيرة فجوة بين الرؤية التي تقوم عليها تلك المبادئ وبين الحالة الفعلية ، وحيث أنه ينبغي أن يسير تنظيم وإدارة شؤون القضاء في كل بلد على هدى تلك المبادئ، كما ينبغي بذل الجهود لتحويلها كاملة إلى واقع ملموس"
ومبدأ إستقلال السلطة القضائية يعني أيضا إنحصار الوظيفة القضائية في القضاء فقط ، وليس لأي جهة أخرى غير القضاء ، واستقلال القاضي يعني عدم التدخل بعمله من أية جهة كانت بُغية توجيه عمله بطريقة معينة أو لتعرقل مسيرته أو لتعرض عن أحكامه ، بمعنى أن استقلال القاضي يجعله متمتعاً بحرية إصدار الحكم بالمسائل المعروضة عليه بحيث يحكم إستناداً إلى الوقائع بموجب القانون بعيداً عن التدخل أو المضايقة أو التأثير من جانب الحكومة أو من يمثلها ، حيث ان تشديد العقوبات او تخفيفها عمل قضائي وقانوني بحت ليس لأي سلطة أخرى أن تفرض على القاضي أي أمر سواء كان يتفق أو يخالف القانون ، إذ أن القاضي يحكم بموجب قناعته الوجدانية عند إسقاط القانون على الوقائع المعروضه أمامه، حيث ان التوجيه بتشديد العقوبات ونحوه يعتبر تدخل غير لائق في اعمال السلطة القضائية المفروضة عليها بموجب القانون والدستور.
وحيث أن أحد أهم أسباب التأخر والرجوع الذي نعانيه يأتي من خلال هيمنة السلطات التنفيذية على السلطة القضائية والتدخل في شئونها والتحكم بها ، رغم النص في دساتيرها وقوانينها على أن السلطة القضائية مستقلة ، إلا أن هذا الأمر يبقى حبراً على ورق مالم يكون هناك وعي بأهمية هذه المبادئ ، والعمل على ترسيخ هذه المفاهيم لدى جميع السلطات في الدولة ولدى العامة .