في عام 1983 زرتُ بيونس أيريس عاصمة الأرجنتين للمشاركة في أحد المؤتمرات. وفور وصولي الفندق، تذكرتُ أنني أحتاج لعلبة ثقاب (كبريتة)، وكنتُ قد لاحظتُ أن هناك "كشكا" صغيرا أمام الفندق مباشرة يشري الدخان والصحف وغيرهما من "الهواميك". طلبتُ من البائع بأسبانيتي المحدودة الكبريتة وسألته كم ثمنها. هالني ما طلبه: خمسين ألف بيزو! ما جعلني استشيط غضبا وارفض الكبريتة بشمم، وأعود إلى الفندق وأنا أبرطم: "بدينا في الحقارة؟!"، وانا أتذكر أن الأرجنتين – دون بلاد أمريكا الجنوبية جميعها – بلاد بيضاء "من غير سوء"، ليس بها سكان من أصول افريقية أو من اصول "هندية" من السكان الأصليين. وحين عدتُ إلى الغرفة وهدأت ثورة غضبي، اكتشفت أن السعر الرسمي للدولار حينها كان ستمائة ألف بيزو، (ونحو مليون بيزو في السوق "الموازي")، ما يعني أن ثمن الكبريتة لا يزيد عن بضعة ملاليم!

كانت الأرجنتين قد خرجت لتوِّها من حكم الجنرالات الذين أطاحت بهم الهزيمة النكراء في حربهم مع بريطانيا حول جزر الفولكلاند (مالفيناس)، وسنوات من الإنهيار الاقتصادي المتمثل في التضخم الجامح، ,والفساد، وانهيار قيمة العملة (البيزو) مقابل الدولار، وارتفاع الأسعار الخرافي، إلى جانب الغضب الشعبي من (الحرب القذرة) التي شنها الحكم العسكري على كافة أطياف المعارضة، وخاصة اليسارية منها، وما صاحبها من عنف وحشي شمل اعتقال آلاف المعارضين من المنظمات السياسية والعمالية والطلابية في "بيوت الأشباح"، واغتيالهم بدم بارد، وإلقاء بعضهم من حالق في عرض المحيط الأطلسي، والإختفاء القسري للآلاف، ونزع أطفال المعتقلين أو المختفين و"توزيعهم" على ضباط ومسؤولي النظام. وقد فشلت كل "التدابير" التي أقدم عليها النظام العسكري لكبح جماح التضخم وووقف تدهور قيمة العملة (وشملت تغيير اسم العملة من "البيزو" إلى "الأسترال" ثم إلى البيزو مرة أخرى، وشطب ثلاثة اصفار أكثر من مرة)، وتواصل هبوط قيمة العملة الوطنية وارتفاع نسبة التضخم بمعدلات مخيفة.

تذكرتُ كل ذلك وأنا أرقب من على البعد تهاوي قيمة الجنيه السوداني في "سقوط حر" في فترة وجيزة، وارتفاع معدل التضخم، و"عَيَران" اسعار السلع والخدمات الأساسية وتأثيرها المُدمر على غالبية أهل السودان، مما جعلني أتساءل إن كان هناك ثمة أوجه شبه بين وضع الأرجنتين آنذاك ووضع السودان الحالي. والحق يُقال أنه رغم آلاف الأميال التي تفصل البلدين، واختلافات التاريخ والجغرافيا والثقافة واللغة والديانة، ومستوى النمو الاقتصادي بينهما، ينتابني إحساس بأن أوجه الشبه بين السودان والأرجنتين توازي أوجه الإختلاف.

كنتُ دائما أسال أصدقائي الأرجنتينيين حينما تتملكني الحيرة بشان بلادهم: "ماذا دهاكم؟ بلادكم كانت من أكبر عشرة اقتصاديات في العالم في مطلع القرن العشرين، وحباكم الله بموارد بشرية متعلمة وماهرة، وسهول "البامباس" الشاسعة التي تجعل الأرجنتين من "سلال"غذاء العالم، وثروات طبيعية أخرى. لماذا يحكمكم العسكر بوحشية مفرطة، وتنهار عملتكم الوطنية انهيارا مُريعا، و"تنتفخ" مديونيتكم الخارجية حتى تنوء بها الجبال؟ ماذا دهاكم؟"

طَرَح على نفس السؤال في سفرية طويلة من الرياض إلى "دكا" عاصمة بنجلادش أحد البنغال المغتربين في السعودية حين أخبرته أنني ذاهب إلى دكا للمشاركة في مؤتمر للدول الأقل نموا. التفت إلىّ مستنكرا، وقال لي: "ماذا دهاكم؟ لماذا أنتم معنا ضمن أقل الدول نموا في العالم؟ أراضيكم ومياهكم تجعلكم أحد "سلال" غذاء العالم العربي وأفريقيا، ولكم موارد بشرية عالية التعليم والتأهيل، وخبراؤكم يُديرون كل مرفق في السعودية وبلاد أخرى، وبلادكم شاسعة غنية بالموارد الطبيعية. ماذا دهاكم؟" فبُهت الذي كفر!

وجه الشبه الآخر هو توهم الأرجنتينيين أنهم "أوربيين" بيض، ينظرون نظرة متعالية لبلدان أمريكا الجنوبية الأخرى (وكلها شعوب هجين بينها أقليات صغيرة أو كبيرة من السكان المحليين (الهنود) ومن المنحدرين من أصول أفريقية اقتيدوا حتف أنفهم لتعمير القارة) مما جعل بقية اللاتين يسخرون من الأرجنتينيين ويصفوهم بأنهم "في حقيقة الأمر، إيطاليين (بسبب الهجرات الإيطالية)، يتحثون الأسبانية، ويعتقدون أنهم بريطانيون!" ألا يذكركم ذلك بنظرة بعضنا المتعالية لبعض مواطنيننا ولشعوب بلدان الجوار، وتوهمنا بنقاء الأصل وأننا، باختصار، خير أمة أخرجت للناس؟

بيد أن الفرق الرئيسي بين الأرجنتين والسودان (ضمن امور اخرى منها مستوى كرة القدم) هو أن الأرجنتين تعافت من حكم العسكر في الثمانينيات، وتعمل على تجويد نظامها الديموقراطي بعقد عدة انتخابات حقيقية حرّة، وقامت بمحاكمة جنرالات "الحرب القذرة" (ولو بعد حين، "لأنه الحين بحين")على انتهاكاتهم الجسيمة لحقوق الإنسان، وتعمل على إصلاح شأن اقتصادها باستخدام العقل والخبرة. بينما لا يزال جنرالاتنا على السروج، متدثرين بثوب التدين (الزائف) حينا، وبرداء الوطنية (الزائفة هي الأخرى) حينا آخر، وبلبوس الفساد والمصالح الذاتية دائما، مستخدمين العنف الوحشي ضد العزل، وكافة وسائل القمع وتكميم الأفواه. أما الاقتصاد، فلم ير سوى إنكار الحقائق و"الخمج" والتدليس وتعليق مسؤولية تردي الأحوال الاقتصادية (والمعيشية) في رقبة المواطن (لكسله ومطالبه الزائدة عن المعقول)، أو على ضعف تدينه، وضحالة إيمانه، وقلة استغفاره، وعدم اخلاص تضرعه ودعواته، أو إلى أسباب "نفسية" جعلت الجنيه "يضمحل" حتى ليكاد لا يُرى بالعين المجردة، هو ورغيف الخبز! وكلها أسباب لا يُجدي معها العلم والخبرة لإصلاح الحال، ولا البرامج الثلاثية والخُماسية (وقدها رُباعي)، ولا طباعة العملة، ولا رفع الدعم عن الثلج. لم يبق إلا لجوء النظام "للفقرا" لكتابة التمائم والأحجبة و"المحايات"، أو إللجوء إلى "شيخات الزار" لفتح العلبة!

دستور ياسيادي! (مُرقّعا أو مُنتهكا!)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.