* يا كونترالتو العالم انفجروا!

عن "محاضر مؤتمر الخريجين" المجلد الثاني، عن صحيفة الأهرام المصرية، أن سودانياً قضى لانفجار حلقه أثناء مظاهرة تنادي باستقلال السودان. وقال قاسم ولد عاصم في "مسطرة القليب" لإبراهيم إسحق، قال بتكرارات العناية: هل انفجار الكونترالتو ماريان آندرسون بالغناء في يناير 1955م، بوصفها أول آفركيان أمريكان تشارك أوبرا الميتروبوليتان النيويوركية الأداء؛ ليس إلا تكراراً جمالياً للحلق السوداني المنفجر؛ عنايةً بقانون التكرارت؟].
نجلاء عثمان التوم


(1)
نفهم اليوم جميعاً، وقد عبَّر البعض –كراشد مصطفى بخيت- أن المظاهرات والمواكب لن تعود بأي استجابةٍ للمطالب العقلانيّة والسلميّة التي نطالب بها الحكومة، وهي محاولة لتدارك الخراب الملموس المستمرّ بشدّةٍ انحداريّةٍ مُرعبة، وبلا كوابح، والخروج بأقل الخسائر. فجميعنا نعلم أن النظام قد سقط منذ مدّة، وأن عدم اعترافه بذلك سيزيد الموتَ هَونَا؛ نعلم أن وقف الحرب نهائيّاً قد آن أوانه، وأننا اليوم لا نبحث عن حقوقٍ فقط، أضحت هذه مرحلة قديمة جداً، أصبحنا نبحث عن الحياة في ذاتها وصميمها.
ولكن، بما أننا نعرف عدم الجدوى -مرحليّاً- إذ لا حياة لمن تنادي كما هو بائن؛ علينا أن نقدّم بدائل، أو وسائل موازية للمظاهرات التي تؤثّر في حدود استنزاف النظام ماديّاً –المصاريف الباهظة التي تُصرف مقابل استعداد قوّات الشرطة والأمن- وإعلاميّاً –من ردود فعل العالم تجاه الاعتقالات التي تشنّها السلطة في حقّ المتظاهرين من المواطنين والناشطين والسياسيين- ولكن لكي نؤثّر تأثيراً يشلّ الدولة فعليّاً –أو قل، بالتحديد، "سوق النظام" كتسمية أشمَل- فإنه من الممكن أن نقوم بأعمال بسيطة ذات تأثير كبير وواسع.

(2)
إن الدعوة داخل جميع المؤسسات، الخاصّة والعامّة، للعصيان والإضراب لم يعد أمراً صعباً أو يستاهل نقاشاً لأجل الإقناع، في هذا الظرف غير المُصدَّق لكلّ شخص، ومن الواضح أن المطالب بمضاعفة الأجر –من العمالة في المنازل وعمّال البناء والسوّاقين والمصححين وإلخ- ومن ثمَّ يبدأ التصاعد مع الزمن؛ المطالبة مضاعفة الأجر لأكثر من 300% على الأقل كخطوة أولى، وأن يرتكز الناس إلى قوّتهم كآلات كونترباص كما سأوضح أدناه.
مثلاً؛ نحن في معمل الصحيفة الفنّي (أو المسلخ كما نسميه، حيث يتم سلخ الصحيفة وتجهيزها للطبع) قد قررنا -كمصححين ومصممين فنيين- رفع مذكرة للإدارة والتوقّف عن العمل ابتداءً من يومِ الأحد 3 فبراير إلى أن تتم هذه المضاعفة الطبيعيّة والعادلة جدّاً وغير القابلة للتراجع، وبنشرنا لخبر الإضراب فإن على جميع معامل الصحف (نسبةً لقلّة العاملين فيها وكذلك لكونهم كونترباص الصحيفة) أن يكونوا مبادرين بالإضراب، وكذلك بالنسبة لجميع المؤسسات، أن يركّز الإضراب باستهداف القلب. فإن أضرب المسلخ فالأبقار لن تذهب إلى المائدة.
يجب أن يبدأ الأمر بدوائر صغيرة ومؤثّرة، وبموازاة المثال أعلاه يمكن أن يبدأ الأمر من الأسفل ثمّ يتصاعد لولبيّاً بإيقاعٍ وتوالٍ طبيعيَّيْن، وبلا خسائر، إلى أعلى المستويات.

(3)
يقول باتريك سوزكيند في مسرحيته (الكونترباص)*، يقول حول هذه البديهة الثوريّة الفعّالة:
[لا يمكن تصور أوركسترا بدون كونتراباص، بل يمكننا القول إن الأوركسترا –وهذا توصيف علمي- لا يُولَد إلا مع وجود كونتراباص. يوجد أوركسترا بدون كمان أول، بدون آلات نفخ، بدون طبل أو أبواق، بدون كلّ شيء.. ولكن ليس بدون كونتراباص!.
ما أريد الوصول إليه هو التأكيد على أن الكونتراباص أهم آلة في الأوركسترا على الإطلاق، ويسبق بمسافة كبيرة كل الآلات الأخرى في الأهميّة. هذا أمر لا يلاحظه الإنسان عندما يَنظر إليه، ولكن الكونتراباص هو الذي يشكِّل الكيان الأساسي للأوركسترا، وعليه يرتكز أعضاء الأوركسترا الآخرون، بما فيهم المايسترو!. الكونترباص –مجازيّاً- هو الأساس الذي ينهض عليه البناء الرائع كلّه. إذا أخرجت الكونترباص، سادت على الفور بلبلة لغويّة كما في بابل أو في سدوم، ولن يعرف عازفٌ لماذا يعزف أساسه. (...) واسألوا أي عازف في أي أوركسترا: متى يعوم في عَرقه؟ اسألوه! عندما لا يستطيع سماع الكونترباص طبعاً! الفشل الذريع! الأمر أكثر وضوحاً في موسيقى الجاز. فرقة الجاز سوف تتمزَّق تمزّقاً –على نحوٍ مجازي - إذا توقَّف الكونترباص عن العزف. (...).
أردت فقط أن أمهّد للقول إن الكونترباص هو الآلة الرئيسيّة في الأوركسترا. وفي الحقيقة، هذا ما يعلمه الجميع أيضاً. ولكن لا أحد يعترف صراحةً بذلك؛ لأن عازف الأوركسترا –بطبيعته- يغار بسرعة. كيف ستواتي عازف الكمان الأول الجرأة على الاعتراف بأنه، من غير الكونترباص، سيقف في المسرح مثل القيصر بلا ملابس – رمز ساخر لانعدام الأهميّة والاختيال في آنٍ واحد. سيكون في موقف مُحرج، محرج للغاية. اسمحوا لي أن أشرب جرعة.. "يحتسي جرعة بيرة"-]. انتهى.

(4)
يجب أن يبدأ الحراك الثوري من الأسفل، لا من أعلى كما نراقب من مظاهرات تُعتبر بالنسبة لي صفويّةً جدّاً (لا يطعن ذلك في الشجاعة ولا في البطولة)؛ فالطلاب والناشطون (بمختلف مسمّياتهم) والمثقفون والفنانون والكتاب والإعلاميون و"الشباب"؛ جميعهم مجتمعين يُعتبرون صفوة، حتى ولو بلغوا –وهذا لم يحدث حتّى الآن إلى الأقل- الآلاف!
لدعم العمل الصفوي على التنظيمات –إن كان من تنظيم- أن تفعّل الجميع داخل مؤسساتهم، والتحريض على الإعلان – إذ أنه لا يُمكن أن لا يُتَّفق عليه- عن الرفض المطلق لما يسمّونه بوقاحة: معالجات اقتصاديّة. أقول، لدعم هذا العمل الجليل الذي رأيناه عياناً بياناً، يجب علينا أن نهزّ عرش جميع المؤسسات، جميعها، خاصة وعامة، أن يفهموا أنهم –بدون كونترباص- قَيَاصِر عراة في مسرح!

2 فبراير 2018م
ــــــــ
هامش:
* مسرحية من تأليف الألماني باتريك سوزكيند، وهي مسرح فرد واحد، عبارة عن مونولوج طويل يقدّمه عازف الكونترباص الذي جاءت العبارة على لسانه. وتعتبر المسريحة من أكثر المسرحيات عرضاً منتصف القرن الماضي في المسارح الأوربيّة والعالمية المختلفة. ونعتزم تقديم المسرحية في السودان قريباً بالتعاون مع معهد جوته الألماني.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.