قبل سنوات انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صورة ملتقطة من داخل سوق بإحدى الدول الأفريقية، ويظهر فيها طفل صغير يبدو فرحا وهو يدفع بسرعة "درداقة"، من ذلك النوع المنتشر عندنا في السودان، الذي يدفعه أيضا الأطفال الصغار ممن أجبرتهم ظروف الحياة القاهرة للعمل مبكرا، لكن هذا ليس موضوعنا الآن رغما عن أهميته؛ موضوعنا يتعلق بتلك الحمولة التي كان يدفعها هذا الطفل بجوف "درداقته"، كانت عبارة عن أكداس من النقود المرتبة والمنسقة على الطريقة البنكية، أما التعليق على الصورة فكان يقول: إن كل هذه الأموال فقط للتسوق وشراء حاجيات المنزل اليومية. كثيرون في ذلك الوقت "شيروا" وتبادلوا هذه الصورة في ما بينهم باعتبارها "نكتة" وموقف يدعو للسخرية والاندهاش، لكن الشيء الذي لم يتوقعه أحد منهم هو أن يحدث ذات هذا الشيء في بلاده وخلال سنوات قليلة جدا.. وهذا أسوأ سيناريو "مُعد" الآن للأسواق السودانية.
مفردة "التداعي" التي استخدمها عنوانا لهذا المقال ذات دلالات عميقة جدا -في رأيي- لتبيان الحجم الكارثي لحالة الانهيار والتشظي التي تصيب الأفراد والمجتمعات والدول واقتصادياتها، ورغما عن أننا لا نجدها مستخدمة كثيرا في الحالة الأخيرة –الدول واقتصادياتها- إذ يفضل السياسيون والصحافيون استخدام مفردة "انهيار" ذات الوقع المباشر والقوي من حيث التأثير والمعنى، إلا أنها –كما أرى – أصلح في حالات خاصة لتوصيف مثل هذه الحالات الانهيارية العنيفة، لاسيما تلك التي تأتي مباغتة في تدرجها مثل انهيار القصور الرملية. ولو أنك تعاملت مع هذه المفردة "تداعي" "صوريا" ستحس بحجم الألم والأثر العظيم الذي تحدثه على الشيء الذي توصف به. فهي من حيث النطق والتركيب الحروفي تقارب في مبناها المقطع السينمائي الذي يرى مخرج الفيلم أن تقديمه بـ"التصوير البطئ" أكثر وقعا على المشاهد، فالتداعي ما هو إلا انهيار عنيف، لكنه ولتعميق عنفه هذا يتباطأ في أداء الفعل التدميري الشامل الذي ينجزه. هل ما نمر به في هذه اللحظة التاريخية "النادرة" يقارب هذه الحالة يا ترى؟
من الأخبار الرائجة خلال اليومين الماضيين، حالة الفزع التي أصابت المواطنين من ضياع أموالهم المودعة في البنوك والصرافات جراء الأزمة الاقتصادية التي يحركها التدني المريع للجنيه السوداني في مقابل الدولار الأمريكي. والصور المرفقة لتوضيح حالة الفزع هذه تستدعي بدورها حالة فزع أخرى، فما يحدث سيقود حتما إلى عملية إفراغ وإفلاس للبنوك وتكديس وتخزين للأموال "فاقدة القيمة" لدى المواطنين، أو هذا ما اتصور حدوثه إذا اتجه كل شخص لسحب نقوده ومدخراته من البنوك والصرفات. وهي حالة بدورها ستزيد من الشرخ الاقتصادي الماثل وتسرع من عملية "التداعي" الجارية بصورة أكثر درامية ليصبح الفزع والرعب هما المحسوسان بدلا عن إحساس "الألم النبيل" الذي يستولد حالة من المقاومة الصبورة رغما عن وضوح الصورة الانهيارية الشاملة.
هل هناك من وسائل وبدائل وحلول اقتصادية يمكن أن تجنب البلاد والعباد هذا الواقع المتداعي؟ أم على "الشعب" أن يردد مع الباردوي:
"فسوف تصفو الليالي بعد كدرتها
وكل دور إذا ما تم ينقلب"

Mansourem @hotmail.com