مواصلة للحديث عن الفيديوهات المنشورة منذ يومين، والذي يظهر قاسم البدري مدير مؤسسة الأحفاد التعليمية وهو يضرب طالباته اللائي تظاهرن ضد الغلاء، أظهرت للجميع الصورة القاتمة لأحد ما يسمي برموز التعليم والوعي، واحد رعاة أهم مؤسسات التعليم العالي في السودان، كما أن الموسسة والشخص ذات نفسه من المعروفين بالدفاع والعمل على نشر الوعي بحقوق المرأة ومكافحة العنف ضدها. ولكن الفيديوهات التي خرجت إلى العلن تبين تناقض المفاهيم مع الواقع بشكل كارثي. والأمر الأكثر أهمية أن هناك من الطالبات والنساء والرجال والنخب المستنيرة من يدافع عن موقف الرجل، بحجة أنه حماية أبوية..!!

للأسف أن هذه الحماية "البابوية"المتوهمة، وهذا التقديس للنخب المتناقضة مع ذاتها هو ليس أزمة قاسم بدري فقط، ولا جامعة الأحفاد،أو من يدافعون عن قاسم أو مؤسسته، و لكن هي أزمة النخب السودانية بشكل عام في التضارب التام بين الواقع العملي وبين الشعارات والمكتوب و المواقف الملتوية في أرض الواقع والخطب والكلام الذي هو في منطقة معاكسة تماما. فما تمارسه النخب السودانية خاصة في المركز في داخل الأسوار والبيوتات المغلقة يختلف جدا عن ما تقوم به في أجهزة الإعلام وأمام الملأ..!!

هذه المواقف المتناقضة تتجلى اكثر في قضايا الوطن المفصلية ابتداءا من المواقف المهزوزة ضد العنصرية والإبادة الجماعية، مرورا بتذبذب الرؤى حول التغيير ووسائله انتهاءا بأزمة المفاهيم حول الحقوق والحريات بكلياتها سواء حرية التعبير، أو حرية المرأة أو غيرها.
هذا كله جزء مهم للأسف من أزمة النخب السودانية التي ترى نفسها فوق النقد وتتعامل مع نفسها كأنها المهدي المنتظر الذي لديه إجابات وحلول كل شئ، والذي لن يقوم بتصرف خارج عن تعليمات من القوى المقدسة التي لا يرفض لها طلب. وفي النهاية تتشكل هالة من التقديس حول أفراد وشخصيات يصبحون خارج دائرة النقد. وان كان لهم مواقف تاريخية كما يدعي البعض الا ان المواقف والمبادئ لا تتجزأ حتى لو كان منتهكها هو صانعها نفسه..!!

ان النخب السودانية تريد أن تصنع اللعبة وتتحكم في شروطها، كما تريد ان لا يكون هناك الحق لأي جهة مهما كانت أن تقوم بمحاسبة وتغيير قواعد تلك اللعبة، وهي لعبة السيطرة على الامتيازات في السودان بكل أشكالها سواء على مستوى السلطة السياسية أو الفكرية او الثقافية أو الاقتصادية. وبالتالي يصبح أشخاص أمثال قاسم بدي خارج إطار الشك، ناهيك حتي عن الإدانة والمحاسبة على ما يفعله ويقوم به، وهذا التغاضي وازدواجية المعايير لصالح هذه النخب التي لا تتعرض إلى أي محاسبة مهما فعلت هو احد أهم أزمات السودان. فلو أن شرطي بسيط من النظام العام بدون رتبة قام بما قام به قاسم بدري لقامت الدنيا وما قعدت. ولانهالت عليه الإهانات والإدانات والتقريع، لكن عندما فعلها احد رموز النخب السودانية انهالت التبريرات، بل أن البعض يعتبرها مؤامرة ضد الرجل من الأمن ومحاولة الهاء بقية النخب عن معركة التغيير. أي تغيير هذا الذي ستقوده نخب لا تستطيع أن ترى (عوجة رقبتها)..!!

ان آليات الحفاظ على هيمنة نخب معينة وسيطرتها دون أي أحقية للآخرين لتعريضها للنقد والمحاسبة هو الذي ابقى على هذا النظام وجعل رئيسه المصدرة ضده مذكرة اعتقال دولية يفر أيضا من المحاسبة، لأن النخب السودانية في المركز سنتها هي اللامحاسبية والتعالي والاحتكار التام للسلطة والفكر وحتي الحقوق. لذلك يبدو أن السودان يظل أسيرا لهذه النخب المركزية التي تقوده بتناقضاتها الي كارثة تلو أخرى على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أخر القول؛ الصراع نحو التغيير الحقيقي ليس مع النظام فحسب، بل مع منظومة نخب المركز التي تحمي ظهر النظام لديمومة مصالحهم المشتركة ..!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.