وصف موقف الحكومة السودانية من التطرف والإرهاب بالازدواجية

تتميز مجريات السياسة الخارجية للدول الأوروبية بتعدد مراكزها، بحيث لا يمكنك أن تتعرف على مساراتها واتجاهاتها من خلال قراءة ومتابعة مركز واحد. صحيح أن مراكز اتخاذ القرار النهائي موحدة ومعروفة، لكن عملية اتخاذ القرار تمر بمراحل متعددة، ولا تنفرد بها جهة واحدة، وتؤثر فيها جهات عديدة. وتشكل منظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والبحوث والجامعات وجماعات الضغط، مركزا مهما ومؤثرا في اتخاذ القرار، بجانب الأجهزة التشريعية والتنفيذية والأحزاب السياسية.
مرت العلاقات السودانية بدول الاتحاد الاوروبي بشكل عام، وبالمملكة المتحدة بشكل خاص، بتحول كبير خلال العامين الماضيين، حيث بدا نوع من التقارب غير المسبوق، وانفتح الباب لأشكال من الحوار والتعاون، بالذات في ملف الهجرة، وهو الملف صاحب الأولوية الكبرى لدول الاتحاد الأوروبي خلال هذه الفترة. اكتسب السودان أهميته في هذا الملف باعتباره دولة تجمع كل توصيفات الهجرة، فهو دولة مصدرة للمهاجرين، وممستقبلة لهم من دول الجوار، وهو دولة ممر للراغبين في الهجرة إلى أوروبا، عبر مصر أو ليبيا.
أثارت العلاقة الجديدة للمملكة المتحدة، وبقية دول الاتحاد الاوروبي، بالحكومة السودانية، ردود فعل متفاوتة، تفاوتت بين الترحيب والتنديد. رحبت بها بعض الدوائر الإقليمية والدولية المهتمة بقضية الهجرة والمهاجرين، حيث شكلت الحكومة السودانية شريكا أساسيا في سياسة قفل ممرات الهجرة ومحاولة وقف سيل المهاجرين تحت مسمى "عملية الخرطوم"، كما استفادت الحكومة السودانية من مساعدات مالية وفنية كبيرة، بجانب فتح توافذ الحوار حول تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية.
بالمقابل تجد هذه السياسات نقدا شديدا من المعارضة السودانية، ومن جانب منظمات مدنية و إنسانية وسياسية كثيرة في أوروبا، اعتبرت أن ما تم مقايضة غير أخلاقية باعت فيها الدول الأوروبية، والمملكة المتحدة بالذات، كل مواقفها السابقة الداعية للإصلاح السياسي والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في السودان كشرط مسبق لفتح أبواب التعاون مع الحكومة السودانية. وتعتبر هذه الجهات ان المملكة المتحدة قدمت قضية الهجرة على كل القضايا الأخرى، وبدأت تحدد سياستها الخارجية على هذا الأساس.
واحدة من أهم مؤشرات عدم الرضاء بين بعض المؤسسات السياسية في المملكة المتحدة عن سياسة حكومتها تجاه السودان التقرير الذي صدر عن "المجموعة البرلمانية لجميع الأطراف للسودان وجنوب السودان". وتضم المجموعة اكثر من مائة من اعضاء مجلسي العموم واللوردات من جميع الأحزاب المهتمين بشؤون السودان وجنوب السودان، ويرأسها النائب البرلماني مارك دوركان من حزب الديمقراطيين الأحرار. استمر إعداد التقرير لفترة تسعة أشهر، استمعت خلاله اللجنة لشهادات من ناشطين وسياسيين سودانيين، ولخبراء وباحثين ومسؤولي منظمات بريطانية وأجنبية عن الأوضاع في السودان، وصدر تحت عنوان "شراكة خارج المركز: تقريراستقصائي عن مستقبل العلاقات بين المملكة المتحدة والسودان"
نافش التقرير باستفاضة السياق المتغير في السودان من خلال تحليل الأوضاع السياسية بما في ذلك العملية السياسية وتجربة العصيان المدني التي حدثت العام الماضي ودلالاتها والأوضاع الاقتصادية، وحالة حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية وإدارة النزاعات والاعتقالات وحالات التعذيب، ثم سياسة المملكة المتحدة تجاه السودان والحوار الاستراتيجي بين البلدين وعملية الخرطوم، ثم اختتم التقرير بملاحظات وتوصيات لحكومة المملكة المتحدة.
ودعا التقرير في المقدمة لضرورة أن تسترشد سياسة المملكة المتحدة في السودان" بسعى الشعب السوداني لتحقيق السلام العادل، والديمقراطية الشاملة و الرفاه الاقتصادى المشترك". وأضاف التقرير إنه يهدف للتأثير على وتشكيل العلاقة بين السودان والمملكة المتحدة، داعيا لدور أكثر نشاطا من حكومة بلاده للتواصل ليس فقط مع الحكومة السودانية، وإنما مع المجتمع والثقافة السودانية، وإشراك الخبراء المستقلين ومنظمات المدتمع المدني والنشطاء السودانيين في الحوار.
شملت التوصيات ثلاث محاور هي النزاعات وعملية السلام، التطرف، وقضايا الهجرة.
في محور النزعات وبناء السلام دعت التوصيات الحكومة البريطانية للعب دور أكثر نشاطا مع جهود لجنة وسطاء الاتحاد الافريقي، تشجيع عملية السلام الشامل والاتجاه نحو التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان. ودعت حكومة المملكة المتحدة للانخراط بشكل أوسع في الحوار مع أحزاب المعارضة والمجتمع المدني وممارسة الضغوط على الحكومة السودانية لإشراك المجتمع المدني في أي عملية حوار. كما طالبت الحكومة البريطانية بربط أي تقدم في الحوار الاستراتيجي بين البلدين بحدوث تحسن في الأوضاع الإنسانية وانسياب وصول الإغاثة ووقف العدائيات وفتح الفضاء السياسي واحترام حرية التعبير وحقوق الإنسان.
في محور التطرف دعا التقرير الحكومة البريطانية للتعامل الحذر مع الحكومة السودانية التي تتعامل بازدواجية في هذا الملف، حيث تقدم نفسها كجزيرة استقرار في محيط ملتهب، فيما لا تزال تحتفظ بعلاقات مع الجماعات المتطرفة. ودعا لتوسيع شبكة التعامل مع المجتمع السوداني في المجالات التعليمية والثقافية وقتح حوارات واسعة حول قضابا التطرف.
وأشار التقرير في محور الهجرة للانتقادات الواسعة لما عرف باسم "عملية الخرطوم" التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع حكومة الخرطوم، وقال إنها عرضت سمعة الاتحاد الأوروبي للخطر وصورته بأنه ضحى بالتزامه بقضايا حقوق الإنسان على مذبح الهجرة. ودعا الحكومة البريطانية للتأكد من احترام حقوق الإنسان خلال تنفيذ عملية الخرطوم والتعامل بشفافية في كل مراحلها.
تعتبر هذه التوصيات ذات أهمية كبيرة في اتجاهها العام وفي توقيت صدورها، ورغم أن المجموعة البرلمانية ليست لجنة تشريعية، لكنها تكتسب أهميتها من حجم عضويتها التي تضم أكثر من مائة عضو برلماني يمثلون كل الأحزاب والمستقلين. ومن حيث التوقيت فإن هذا التقرير سيعتبر بمثابة دعوة للتوقف والتفكير قي مسار العلاقات بين البلدين التي تسير بخطى متسارعة تم تتويجها بزيارة وزير الخارجية إبراهيم غندور للندن في نهاية العام الماضي. ورغم إن إعداد التقرير تم قبل الزيارة إلا أن نشره إعلاميا يتم بعد الزيارة، حيث لم تؤثر نتائج الزيارة على محتواه وتوجهه العام وربما رفدته بروح جديدة دعت للإسراع في النشر الإعلامي .
الاتجاه العام للتقرير يشير أيضا لاعتقاد سائد في كثير من الدول الأوروبية، وبالذات بريطانيا ذات الروابط التاريخية بالسودان، بأن أوروبا اندفعت في التعامل مع حكومة الخرطوم دون أن تجد تنازلات مناسبة من الجانب المقابل، بالإضافة للانتقادات المتزايدة لـ"عملية الخرطوم" وما أحيط بها من سرية، ثم ما تم الكشف عنه في ليبيا من وجود تفاهم بين بعض دول الاتحاد الأوروبي وبعض الميليشيات الليبية التي تمارس انتهاكات واسعة بحق المهاجرين.
ومن المؤكد أن نتائج التقرير وتوصياته ستؤثر على أي مناقشات تدور داخل البرلمان البريطاني حول العلاقات بين البلدين، كما سيكون لها تاثير على القرارات والخطوات العملية التي تتخذها الحكومة البريطانية في المستقبل فيما يختص بالعلاقات مع السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

/////////////////