قال الشاعر العربي القديم:

لولا بنيات كزغب القطا ** يطرن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع ** في الأرض ذات الطول والعرض
ألا أن أطفالنا بيننا ** أكبادنا تمشي على الأرض
وقال بدوي الجبل :
وسيم من الأطفال لولاه لم أخف ** – على الشيب - أن أنأى وأن أتغربا
تود النجوم الزهر لو أنها دمىً ** ليختار منها المترفات ويلعبا
يزف لنا الأعياد عيداً إذا خطا ** وعيداً إذا ناغى وعيداً إذا حبا
كزغب القطا لو أنه راح صادياً ** سكبت له قلبي وعيني ليشربا
إنهم الأطفال "دنيتنا الجميلة" الذين تغنى لهم الموسيقار يوسف حسن في تجربة امتدت إلى نصف قرن من الزمان . تخصص الدكتور يوسف حسن في غناء الأطفال وقدم روائع مثل دنيتنا الجميلة وغيرها من الأعمال الرائعة التي ساهمت في تشكيل وجدان أطفال السودان ، حضّر الدكتور يوسف الدكتوراه في غناء الأطفال وهو الآن محاضر جامعي في هذا التخصص النادر .
إنه الدكتور يوسف حسن الصديق الكردفاني ثم الشويحي .. وكردفان هي أرض الأكاسير النادرة ، فتربتها تنبت شجرة الإكسير التي تحيل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة ، وهناك مظان لشجرة الإكسير بجبل "أبو سنون" وجبال "العين" و"العنيبة" ، وتحوم حول تلك القلل الباذخة كواسر الطير والصقور الحرة تحرس تلك الشجيرات الساحرة ، وتنسب تلك الجوارح إلى قبيل من الجن يحرس الكنوز والأكاسير .
ووجد رجل فقير شجرة مضيئة بالقرب من حلة وريل شمال الأبيض فأدخلها في مخلاته "فشفطت" إبريقه وأحضرها إلى أحد العارفين بالسيمياء وعلمه الكيفية وأعطاه المقادير فصار من أهل الثراء العريض .. من ثنايا هذه الواقعية السحرية تشكلت ملكة يوسف حسن اللحنية .. والألحان هذه الكباريت النادرة توجد في أطراف حلّال كردفان وفي الهيوت والجراري وعصي تويه والهسيس ..و الألحان التي ابتدعتها الحامديات والكاهليات والحمريات سارت بها الركبان وتلقفتها الروادي وما شقيش قول ليا مروح وكباشي كان برضى عنك ببعيد ، ودار أم بادر يا حليلا من اليواقيت التي صارت فواريص لخواتيم الغناء السوداني المختوم . في هذه البيئة الساحرة نشأ يوسف حسن الذي أعد الأغاني للصغار فأفتتن بها الكبار .. والكتابة للأطفال والغناء لهم من السهل الممتنع والعاقل من أوغل فيه برفق ، حتى إذا وجد كلمة المرور وانفتحت أمامه بوابة السحر التي تفضي إلى رحابة الفراديس استخرج تلك الألحان المذهبة من حواصل العصافير وزركشها بأجنحة الفراشات وغمسها في جداول العسل واللبن المصفى لتتغذى بها "ملكة" ممالك الأطفال تلك الممالك المعمدة بالبراءة والسذاجة الفطرية التي تستهزئ بجبروت معارف الفلاسفة والشعراء .
واختصر يوسف حدائق الشعر السوداني في قارورة عطر واحدة مثل ما اختصر بدوي الجبل الشعر في قوله :
وأوجز في قارورة العطر روضة ** وأوجز في كأس الرحيق كروم
ومختارات يوسف الرائعة من الحلنقي والتجاني وغيرهم دلت على حسن ذوقه وقديماً قيل "اختيار المرء قطعة من عقله".
فعالية تقديم التجربة اللحنية ليوسف حسن ربما كانت إرهاصاً لتكريم هذا الرجل الذي سيكون حضوره البهي تكريماً لأي تكريم مهما علا شأنه ، شكراً للمصنفات الأدبية التي أقامت هذه الفعالية التي قادها الأستاذ الأديب شيخ العرب والمثقفاتية بشير سهل ، هذا الرجل البدوي المتحضر يعرف من أين يبدأ وأين ينتهي ، ومن جلائل أعمال بشير سهل طباعته لديوان شاعرنا العبقري خليل عجب الدور الهواري وبطباعته لرسالة الدكتور يوسف حسن في غناء الأطفال يكون قد تم الخياطة بالحرير ، ولا غرو فبشير كتبي من الطراز الأول .
ويوسف إن لم تكرّمه الدولة فقد كرّم نفسه بهذه الألحان الباذخة التي صارت تمائماً تعلق على أطفال السودان ومراجيح تمتد مثل ظلال الضحى في حواضر وأرياف السودان ، وستبقى ذكراه ما بقي الحنان في قلوب الأمهات وما بقيت الطفولة طهراً يمحو كآبة الزمان ، وليبقى يوسف دنيا جميلة مترعة بالحب والجمال وأطال الله عمر هذا الرجل الشريف الذي أوقف عمره للأطفال والبراءة والمعاني الشريفة ، وليقف الصغار والكبار إجلالاً لهذا الرجل العظيم الذي ألغى المسافة بين الطفولة والكهولة فصارت ألحانه أغانٍ للكبار وأهازيج ينام على إيقاعاتها الصغار وحوّل دنيانا الجميلة إلى حدائق ذات بهجة .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.