عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يظل المفكر الوطني ( خارج السلطة ) مستقلا متجردا - يرى مواضع الإخفاقات بوضوح و يمتلك الرؤية الصائبة لمعالجتها ، إلا أن سنن أنظمة الحكم المعاصرة كما نرى تحول دون دخوله إلى مربع الحل و العقد إلا على صهوة حزب ما .. و المفتاح عند النجار و النجار عايز عروس و العروس عايزة هي الأخرى. .
فمربع السلطة عايز حزب و الحزب عايز الولاء الأعمى و هذا يعني خروج ( علقة التجرد ) من جوف صاحبها .

تماما كما يشيع في ثقافة العامة أنه لا يفك عقدة السحر إلا ساحر ، و أن القدرة على ممارسة السحر و الصلاحية له - شرطها خروج الإيمان من جوف طالبه كما في الأثر ...

هكذا بدا لي الشبه مطابقا بين مربع السحر و مربع السلطة - و وجه الشبه هنا شرط الأهلية حيث إنه لا يختلف كثيرا - فالتجرد هناك يقابله الإيمان هنا .. و هذا هو الموضع الذي يتم فيه تدوير و إعادة إنتاج المعارضات - الحكومات - المتعاقبة عندنا.

عليه فإن المعارضة حينما تكون ( حزبية ) ضد حكومة حزبية ( أصلا ) فهذا يعني ( دوري نهائيات سياسي ) بمعنى أنه مجرد ( صراع حزبي ) لا علاقة له بمواضع الإخفاقات و معالجتها ..

و المفارقة أن هذه المعارضات - و هي في حزبيتها تلك - تجتهد كل معارضة منها في إخفاء دافعها الأقوى نحو ذلك إلى حين بلوغها السدة - و تجمع على رصد أخطاء الحزب الحاكم رافعة راية النضال لأجل الديموقراطية ( صنم الحلوى ) ثم تتحالف مثيلاتها رغم ذلك تحت نظرية ( عدو عدوي صديقي ) و يلهج ذلك التحالف بالولاء لذلك الصنم حتى إذا ما ذهب العدو - انفرط الحلف و احتدم الصراع و حان موعد تدوير جديد حيث يكبر الحزب و يصغر الوطن ثم يؤكل الصنم .

لقد عاصرنا بوعي حقبة من هذا التدوير - شهدنا فيها ( مناقرات ) الحكومات و المعارضات فحفظنا منها في أواسط الستينيات عبارات كان الحزبان التقليديان و الإخوان يرمون بها اليسار كالإلحاد و الفسوق و العصيان - ثم حفظنا أثناء و بعيد انقلاب مايو بقليل و لسنوات قليلة عبارات أخرى مثل الرجعية و الطائفية و التخلف كان اليساريون يطلقونها على أولئك - فإذا ما انقلبت رحى التدوير و حل اليسار محل اليمين - يختفي البرنامج الحزبي و ينشغل اليسار بالكيد لليمين و المغايظة و الانتقام - تماما فعل سابقه ضد سابقه ثم تعود دورة الزمان بالقديم إلى مربع السلطة من جديد فيعلن برنامجه الكيدي تحت شعار ( كنس آثار مايو ) فيكنس الصالح و الطالح منها نكاية في خصمه - علما بأنه كان جزءا من تلك الآثار ذات ( مصالحة ) مباركة .

و تحضرني طرفة لصديقي الكاتب الساخر د.كمال عبد القادر يشبه فيها العهد المايوي بسيجارة بنقو - مرت على كل الأحزاب و لكن كما قال ( شقي الحال ال اتمسكت في يده ) ..

و أذكر أنه بعد ذلك الكنس أرسل الله سيلا و فيضانات عام 1988 و قد ( تمت الناقصة ) قبل أن تجف الأرض و هبت على الكانس و المكنوس ريح عسكر جديد خرج إليهم هذه المرة مؤدلجا من داخل المؤسسة القومية التي كان الانتماء الحزبي فيها يعاقب عليه بعزل الرتبة و السجن الحربي و الفصل من الخدمة حرصا على قوميتها - و لعلها من عبقرية كاتب السيناريو الذي اكتشف أن طبيعة الانقلابات إنما تولد على الفطرة فتتنافس الحواضن الحزبية على احتوائها بعد خروجها إلى النور - لتهودها أو تنصرها أو تمجسها ، و علم السيناريست أنه لن يستطيع الفوز عندئذ - فقرر أن يدخل إليها داخل الرحم ليخرجها بنفسه ثم يغسل يديه و يذهب إلى السجن لاستكمال المشهد الثاني و الأخير و من ثم يبدأ تطبيق منهج الغسل ( و ليس الكنس ) هذه المرة ، أي غسل الأدمغة و مسح الأرشيف و تجفيف المواعين و إحكام ربط صواميل التمكين تحت شعار : ( إعادة صياغة الشخصية السودانية ) بمعنى إجراء ( Format ) لاستئصال فايروس ( التدوير ) هذا إلى الأبد .

شهدنا من مواسم عدة لمراسم عمليات تدوير الحكومات و المعارضات هذه - منذ أكتوبر 1964 و رأينا كيف يصنع الشعب الانتصارات و كيف تسرقها الأحزاب ..

ستون سنة و الصحف لا تخلو من صور و أخبار آل فلان و آل علان و جماعة فلان - مثبتة على خلفية المشهد و جنرالات يطيلون المكوث على المنابر خطباء لهم عصي سوداء قصيرات يرفعونها في الوجوه أثناء المخاطبات الجماهيرية فيصفق الملأ و يغني المغنون للفارس الجحجاح الذي شدوا له فما إن ركب و هز ساقيه حتى هدأت تحته ثائرة مهره الجموح و البلاد من طرب تجد و تجتهد في تراجع القهقرى عكس اتجاه سير الأمم من حولها ثم يمضي الفارس و يغور و تدور الدوائر .

فهل من معارضة معافاة من الولاء الحزبي الأعمى تترفع عن مكايدة الخصوم إذا ما استقر الأمر في يدها و تعلو عن رغبة الانتقام و الشروخ النفسية و المطامع الشخصية - هل من وجيع لهذا الوطن يدير أزماته و يستهدف مواضع الإخفاقات و يعمل على معالجاتها ؟؟

لن يجيء فارس الأحلام هذا ما دام مفهوم الحزبية هكذا - بل و يغرس مبكرا في أجيال الطلاب بديلا عن العلم و الثقافة و الوعي و معرفة الوطن ليحول الجامعات و المدارس من دور للعلم و التربية إلى برلمانات حزبية و ساحات اقتتال .