(إذا أردت قراءة التاريخ بصورة صحيحة فعليك استخدام عمليتي التفكيك وإعادة التركيب)
"المفكر الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد"


غُرّر بنا تاريخياً أنه استقلالٌ أتى كصحن الصيني بلا شق ولا طق بيد أن المشبَّه كان قابلاً للكسر منذ البداية بحيث أحدث شقوقاً وطقوقاً مركبة تعذر جبرُها على مرّ السنين، وهذا ما حدث لاستقلال السودان الذي اتى بارداً برود طقس الدولة المُستعمِرة. اقول استقلالاً بارداً لأن من يُسمَّون بصُنّاعه كانت مودتُهم ومداهنتُهم للمستعمر الراحل أقرب منها إلى خصومة الثائر المتمرد، وفي ذلك يقول قلم المخابرات السوري إدوارد عطية عن أولئك الفتية: (كانوا كثيراً ما يأتون إليّ وهم يستشيطون غضباً، أناساً كدأبهم عقلاء وذوي ودٍّ مع الحكومة فيقولون لي: لا أمل في أصدقائك فهم لن يتخلصوا من عجرفتهم العنصرية وليس هناك فرصة لأن نصادقهم فهم يقولون إنهم سيأخذوننا معهم في شراكة ويعاملوننا أنداداً ... إنهم سيظلون حكاماً في الواقع مغرمين بالهيمنة ومستائين من مطالبنا بالمساواة عملياً). ولكن قلم المخابرات لم يورد أسماء مناضلي الشراكة وتسول السلطة، فالاستقلال نفسه يجب أن يكون بالصورة التي رسمها معاوية نور الذي كان يرى (أن الاستقلال هو مجرد وسيلة لغاية، ولذا إذا لم توجد غاية نبيلة في قومية معافاة وخلاقة فإن الاستقلال يكون غير مستحق لهذه القومية، وحتى إذا تم تحقيقه فإنه سيكون بلا غاية..). رسم معاوية نور هذه اللوحة النورانية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وبعد مضيّ عشرين عاماً عليها انقلب مضمون تلك اللوحة رأساً على عقب وعلى عكس رغبة معاوية: فقد كان استقلال الفاتح من يناير 1956م غاية في ذاته حتى أن أناشيده وأهازيجه طغت على التعمير والعمران، وكانت الغاية النبيلة المتمثلة في الرؤى الاستراتيجية والبرامج القومية غائبة تماماً عن سوح المعارك الحزبية، كما لم تكن القومية السودانية معافاة وقد أصابها الجرب الطائفي منذ زمنٍ ليس بالقصير فلم تتحرر العقول بعد أن تحررت الحقول. بل لم تكن القومية السودانية قومية خلاقة بحكم اعتمادها على النشاط الزراعي/ الرعوي التقليدي، فالعقلية السودانية عقلية رعوية وإن تسترت بالبذلة الإفرنجية التي تزينها ربطة العنق وبـ(الروب) الجامعي وبعباءات الوجاهة وقفاطين السيادة. وخلافاً لمقدمات معاوية نور فقد كانت نتائج الاستقلال السوداني غير ذات غاية، وإن كانت لها غاية فغايتها السلطة ولا شيء غير السلطة، ولهذه الغاية وحدها استنت سنة المؤامرات قبيل ذاك العام الميلادي المحتفى به سنوياً.
سافر الأزهري زعيم صناع الاستقلال إلى الديار البريطانية قبيل الاستقلال ليستشير وزير خارجيتها في ما عسى أن يفعل! يقول د. محمد المرتضى مصطفى، وكيل وزارة العمل الأسبق، نقلاً عن أحمد السيد حمد مسؤول صحافة الوطني الاتحادي، إن الأزهري اجتمع بوزير الخارجية البريطاني آنذاك أنتوني نوتينغ Anthony Nutting وكان يحمل في جُعبته قضية الاتحاد مع مصر، ولكن نوتينغ لم يدخر جهداً في إسداء النصح للأزهري وهو يقول له ــ على ذمة الراوي ــ (أنتم مقبلون على انتخابات الحكم الذاتي فإذا أثرتَ قضية الاتحاد مع مصر في الوقت الراهن فستواجه مصاعب جمة خاصة من قبل حزب الأمة، وعليك أن تنتظر نتيجة الانتخابات وتكوين البرلمان، وبعدها قمْ بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، ومن ثم يمكن أن تضع في أجندتك الاتحاد مع مصر ليُصوِّت عليه الأعضاء، فإذا وافق البرلمان على الاتحاد فستكون حققت هدفك وإذا لم يوافق فسيكون لك فضل إعلان الاستقلال). أخذها الأزهري باردة طرية وأسرّها بضاعة مزجاة وعاد بها إلى السودان. هذه أول مؤامرات الاستقلال نفذها الأزهري ضد مبدئه الاتحادي بإيعاز من أنتوني نوتينغ الذي ناولها إياه في (بُرطمانية) مكتوبٌ على ديباجتها (صُنع في إنجلترا). ومنذ ذلك الوقت لم يبق من (الاتحاد) إلا اسمه وقد ذهب رسمه بمكر أنتوني نوتينغ وطيب خاطر الأزهري.
استوى الأزهري على كرسي السيادة لأكثر من عامين لكن بريقه الشعبي وشخصيته الجماهيرية أوغرت صدر الطائفية التي رأت في سطوع نجمه مهدداً حقيقياً لمجدها المصنوع فسارع ما يُسمى بالسيدين (علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي) إلى عقد اجتماع ثنائي كارثي يوم 28/6/1956م أعلنا في خاتمته ائتلافهما الحزبي وتشكيل حكومتهما ليضعا حزب الأزهري في مقعد المعارضة. كان لقاء السيدين يمثل قمة الانتهازية السياسية وقد وصفه محمد أحمد محجوب ــ مُحقاً ــ بأنه أكبر كارثة سياسية مُنيت بها السياسة السودانية، فالسيدان لم يجتمعا إلا على ضلالة ولم يكن يجمعهما من قبل إلا مجلس الحاكم العام بوصفهما ضيفيْ شرف على وليِّ النعمة. تآمر السيدان على حكومة الأزهري وأوتي بعبد الله بك خليل رئيساً لوزراء حكومة السيدين من جانب حزب الأمة فقضى في رئاسة الوزارة أكثر من عامين (5 يوليو 1956م – 16 نوفمبر 1958م)، ولأن مؤامرات ما بعد الاستقلال ما انفكت تتناسل من أرحام بعضها فقد تخلقت المؤامرة هذه المرة داخل البيت المهدوي وكان هدفها الإطاحة برئيس الوزراء واستبدال مأمون الخليفة شريف به. ولما شعر عبد الله خليل بالمؤامرة طفق يفتل حبال مؤامرته الخاصة لإبطال مفعول مؤامرة خصومه المهدويين ولكن فعلها على طريقة (عليّ وعلى أعدائي) فرسم في ذهنه ما سماه (أزمة) ولن يستطيع حل الأزمة إلا الجيش فأوعز إلى مرؤوسه الفريق إبراهيم عبود بتسلم السلطة لكي يجابه الأزمة. وفي الواقع أن الأزمة لم تكن سوى ذاك الرعيل الاستقلالي المهرِّج الذي تجسدت فيه مظاهرُ الأنانية والتحاسد وحُب الغلبة أياً كان الثمن! فلو أن عبد الله خليل كان صادقاً مع نفسه لقام بتنفيذ الانقلاب العسكري بنفسه بدلاً من أن يترك الفريق عبود يتحمل (وجه القباحة)، ولو كان عبد الله خليل صادقاً مع نفسه ومع الشعب لقدّم استقالته إلى برلمان السيدين مسببة بأي سبب خلاف (الأزمة).

ومن الاستقلاليين الذين تآمروا ضد مبادئهم فارتموا في أحضان الطائفية كان المحجوب الذي انضم إلى حزب الأمة في ديسمبر 1956م وفي ذات الحكومة التي شكلت نتيجة للقاء السيدين الكارثي! وإمعاناً في التشبث بالطائفية لم يستنكف المحجوب أن ينضم إلى أحد جناحي حزب الأمة بعد انشقاق الحزب التاريخي في عام 1966م ليجابه ما سُمي بـ(جناح التجديد) الذي خلع بطل الجبهة الاستقلالية خلعاً من كرسي رئاسة الوزارة في مؤامرةٍ مكشوفة، لكن المحجوب ظل مستكيناً في مقاعد جناح حزب الأمة الكائن في أقصى اليمين إلى أن أتته رئاسة الوزارة مرة ثانية وأخيرة.

سرت عدوى المؤامرة إلى جبهة الميثاق الإسلامي في عام 1965م فقد كان لتلك الجبهة التي حظيت بمقاعد في برلمان ما بعد ثورة أكتوبر عدوٌّ لدود وعقبة كؤود اسمها (الحزب الشيوعي السوداني) الذي كان في قمة مجده وقد حظي أيضاً بمقاعد في ذات البرلمان. لم يرُقْ لجبهة الميثاق أن ترى خصمها الآيديولوجي يروح ويغدو ناشطاً في الشارع وفي حرم الجامعات وخلايا الليل فباتت تترصد الوقائع لتوقع بخصمها حتى واتتها ما سُميت آنذاك بحادثة (رجب) بعد أشهر من تكوين البرلمان الثاني عام 1965م. كانت الحادثة عبارة عن مداخلة في إحدى الندوات السياسية بمعهد المعلمين العالي بأم درمان ألمح فيها طالبٌ يسمى شوقي محمد علي إلى حديث الإفك الذي ورد ذكره في سورة النور وكأنه أراد أن يثبت حديث الإفك خلافاً لما ورد في السورة. انتهز بعض أعضاء جبهة الميثاق الفرصة وألبسوها الحزب الشيوعي باعتبار أن الطالب المفتري هو أحد أعضاء الحزب وعلى الحزب أن يتولى كِبر تعليقات أعضائه ويتحمل وزرها. وبدلاً من فتح بلاغ قانوني ضد ذاك الطالب بتهمة الإساءة إلى العقيدة مثلاً انتهز أعضاء جبهة الميثاق القنص وأدخلوه إلى البرلمان لتجريم الحزب الشيوعي وانتهت القضية سياسياً بطرد نواب الشيوعي من البرلمان بيد أن المحكمة العليا برئاسة بابكر عوض الله قضت قانونياً بعدم دستورية القرار البرلماني.

بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من قضية حادثة رجب جمع الشيوعيون وبعض العروبيين كيدهم ليردوا على جماعة الميثاق ومجموعة البرلمانيين الحزبيين الذين تعاطفوا معهم بمؤامرة انقلابية عسكرية وأشهروا في وجوه أعدائهم (سيف الفدا المسلول) وكان ذلك صبيحة الأحد 25 مايو 1969م فشتتوا شمل الاتحاديين والميثاقيين وحزب الأمة المنشق كما ضربوا حزب الأمة الأصل في مقتل، وهكذا شفوا غليلهم وقد شقوا أعداءهم عرضاً وطولاً أو كما قالوا (نشق اعدانا عرض وطول). ولكن لأن مؤامرات ما بعد الاستقلال ما فتئت تتناسل من أرحام بعضها فقد رأت المجموعة الشيوعية صاحبة الامتياز الانقلابي أن العناصر الأخرى المشاركة ستفسد عليها برنامجها الآيديولوجي فقررت القيام بعملية تطهيرية سمتها (إصلاحية) لإزالة الشوائب الرجعية وكان ذلك عبر تنفيذ عملية عسكرية عجولة وغير مدروسة في شهر يوليو عام 1971م حيث جُوبهت بردّ فعل قاسٍ بسبب الافتقار إلى الدعم الشعبي داخلياً وتضافر المؤامرات الخارجية ضدها فأجهضت تلك المؤامرة وماتت في مهدها.

مضت السنون ثقيلة لتنتهي بانتفاضة شعبية أطاحت بالنظام القائم آنذاك وأجريت الانتخابات بعد عامٍ واحد (أي في صيف عام 1986م) وتقرر أن يجتمع زعماء ثلاثة أحزاب (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية الإسلامية) ليشكلوا حكومة ائتلافية ثلاثية يبدو أنها كانت مرتكزة على القاسم الديني المشترك، لكن الطمع السلطوي أغرى زعيمي الحزبين الأول والثاني أن يجتمعا وراء ظهر شريكهما الثالث وينفردا بائتلافٍ ثنائي كدأب آبائهما الأولين. لما شعر زعيم الحزب الثالث حسن الترابي أن السيدين الجديدين تآمرا عليه وأخرجا حزبه من الائتلاف عقد مؤتمراً صحفياً نقلته وسائل الإعلام وقال ما نصُّه: (لقد اجتمعتُ أنا والسيدان وقررنا أن نشكل حكومة ائتلافية من الأحزاب الثلاثة ونضع الميثاق لكن يبدو أن السيدين أغرتهما السلطة فاجتمعا مرة أخرى وقررا تشكيل حكومتهما وأخرجا الجبهة الإسلامية من الائتلاف ولذا لم ير الميثاق النور ...). كان الترابي يتحدث بمرارة شديدة عن تلك المؤامرة الثنائية حديثاً يوحي لك بأنه سيحفر حفرة لأخويْه (أتذكرون قصة المسيح والرجال الثلاثة والذهب الإبريز؟)، نعم هذه هي ذات القصة ولكن غاب عن مسرحها المسيح عليه السلام.

مضى عامان على الائتلاف ليفضَّ زعيم حزب الأمة شراكته مع الحزب الاتحادي ويدخل في شراكة مع الجبهة الإسلامية إما خوفاً من مَكْرها أو استقواءً بها، الشيء الذي حدا بزعيم الحزب الاتحادي لأن يخرج مغاضباً إلى إثيوبيا في نوفمبر 1988م ليلتقي بقائد الحركة الشعبية والجيش الشعبي ويوقع معه اتفاقاً نكاية في الشريكيْن الحاكميْن رغم أن هذا الزعيم ليس له قاسم مشترك مع قائد الحركة الشعبية ولكنها المؤامرة فكأنَّ لسان حاله كان يقول لحزبي الأمة والجبهة الإسلامية (تآمرتما ضدي وسأتآمر ضدكما مع عدوي وعدوكما)، ثم عاد إلى البلاد فاستقبله الدهماء والغوغاء في مطار الخرطوم وكأنه المعتصم بن هارون الرشيد فاتح قلعة عمُّورية. لقد كان حرياً بحزب هذا الزعيم أن يجلس على مقعد المعارضة كما فعل حزب الأزهري بعد مؤامرة السيدين الشهيرة، بيد أن الزعيم الغاضب ظل يتفرج على الوضع لمدة سبعة أشهر بعد توقيع اتفاقية فندق (قيون) حتى خرج الرجل الثالث من قلب المدينة وهو يحمل طعاماً دسَّ فيه سمّاً كافياً لعشاء الآخرين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
>