أحوال

 

يبدو أن البرلمان السوداني بإجازته لميزانية العام الجديد "2018"، أمس الأول الأحد، قد مرر فعليا "موازنة" في شكل "معاناة" حقيقية وضاغطة ستواجه المواطن السودان. فجلسة البرلمان التي شهدت مقاطعة "نحو 44 نائبا" واستقالة أحد نواب كتلة الحزب الحاكم، احتجاجا على الموازنة الجديدة، وما رأوه من أنها ستزيد من معاناة الشعب السوداني يوضح بشكل جلي أن هذا السنة ستكون "كبيسة" على المواطن البسيط وأن مكابداته المعيشية ستزداد تعقيدا، وأن حياته اليومية ستنزداد ضنكا وبؤسا في مواجهة التصاعد اليومي المتوقع لأسعار السلع الأساسية في حالة توفرها. الدليل الأكبر على هذا "الجحيم" الذي ينتظر المواطن السوداني يأتي من داخل البرلمان نفسه وفي جلسة إجازة الموازنة نفسها، وتمثله كلمات نائب رئيس البرلمان، عائشة محمد صالح، التي حذرت فيها من "ثورة الجوعي والعطشى" بعد تطبيق هذه الموازنة.

المتغير الاقتصادي الرئيسي في موازنة هذا العام والذي يجعلها بهذه الخطورة على واقع الحياة المعيشية للمواطنين، هو زيادة أسعار "الدولار الجمركي"، وذلك بتقييم السلع المستوردة بـ 18 جنيها للدولار بدلا عن 6.2 جنيها، مما يعني تأثيرا مباشرا في الأسعار الفعلية لكل السلع المستوردة، الشيء الذي بدأت بوادره تظهر في ارتفاع أسعار الأسمنت "الجوال وصل إلى 140 جنيها والطن إلى أكثر من ألفي جنيه"، وعلى ذلك قس في أسعار كافة السلع الأساسية.

بالعودة إلى تحذير نائبة البرلمان من "ثورة الجوعى"، فإننا سنكتشف ببساطة أنها تعني الارتفاع غير المسبوق في أسعار المواد الغذائية وما يتعلق بها. وإذا استمر هذا الارتفاع بذات المتوالية الآنية فحتما سيجد المواطن البسيط نفسه عاجزا عن توفير "لقمة العيش" له ولأفراد أسرته ناهيك عن مقومات الحياة الضرورية الأخرى بما فيها الكهرباء "مرتفعة الأسعار" و"الغاز مرتفع الأسعار" والأدوية المنقذة للحياة التي بات الحصول عليها في حكم المستحيل بالنسبة لأي شخص من ذوي الدخل المحدود أو "المهدود" إن شئت، هذا ناهيك عن التدهور المريع في الخدمات الصحية بصورة عامة، وحال مستشفيات الخرطوم "عاصمة البلاد" لا يغني عن السؤال، فما بال الأقاليم وبقية مناطق السودان البعيدة.

هل هناك دور يتوجب على الحكومة الاضطلاع به للتخفيف من المعاناة العنيفة التي سيواجهها المواطن "العادي" خلال مقبل الأيام؟ أم أن الأمر وبهذه الصورة – النظام الاقتصادي المتبع – يعني أن الحكومة نفضت يدها تماما عن أي دعم متوقع، وأنها تركت مواطنها وحيدا في ساحة المعركة يواجه مصيره يقاتل "أشباح الأزمات" المتوالدة يوما إثر الآخر؟ من الواضح أن الإجابة ستكون "رفع اليد" وأن على كل إنسان أن "يأكل ناره" ويواجه مصيره. والنار ومواجهتها هي ما قد يولد نارا أكبر وأعني تلك الثورة التي حذرت منها نائبة رئيس البرلمان. الأوجب ثم الأوجب أن تستشعر الحكومة مسؤولياتها تجاه مواطنيها أكثر وأن تبتكر وتبتدع حلولا تسهم في تخفيف – على الأقل – المعاناة عنهم وأن تحسسهم بآدميتهم وبأحقيتهم في هذه الحياة.

يتفاءل الناس، في كل الدنيا، بمقدم العام الجديد ويلهجون بالأمنيات بأن يكون عاما للخير والبركة والرخاء، وأن تتحقق فيها الأمنيات الطيبات للجميع، لكن الإنسان هنا في هذه البقعة من الأرض المسماة السودان يبدأ عامه الجديد متشائما ومحباطا وحزينا وكأنه مقاد إلى ساحة الإعدام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.