لا أستطيع أن أخفي استغرابي الشديد واستيائي اللامنتهي وأنا أقرأ للكاتب الكبير صلاح شعيب مقال له بشأن وجوب مقاطعة الانتخابات في 2020 لأنها خدمة لتزييف الإرادة . 

و صلاح من المثقفين النبلاء الذين يريدون خيرا للبشرية عامة ، و وطنهم الأصلي خاصة ، و تشربوا و عشقوا فنونه و أدابه ، حتى تحس أحيانا أنك تعرفه من شدة تعلقه بهموم الوطن . و لكن برغم هذا يبدو بعييييدا عن التحولات الكبرى المضطردة التي تمازج الوعي اليومي بل الساعاتي بل الدقيقي بل اللحظي ، الذي يشكل في مجمله وعيا جمعيا مبعثرا جديدا ، لم يألفوه . و هذه هي الغلوتية : وعي جمعي و مبعثر في نفس الفضاء !!

و لكن ما هي الإرادة التي نريد حفظها من التزييف ؟
إرادة الشعوب ، في واقع الأمر ، ما هي إلا وعيها المجسد لآمالها و طريق التعبير عنها . نقطة على السطر . فوعيك الذي تكتسبه هو الذي يملي عليك إرادتك و طريق التعبير عنها . و الوعي الذي نستطيع التحدث عنه ، في هذا المقام ، إنما هو ما تأتي به المعارف و التجارب التي يمكن قياسها بأدوات مفهومة لنا ، و ليس وعيا أنتجته تأملات و رياضات روحية أشرقت في نفوس أصحابها وعيا ساميا يلزم أصحابة .
و ما أفتقده في صلاح و بعض الكتاب الذين أجبروا على المنافي ، أنهم ينظرون إلى الشعب السوداني و كأنه توقف عندما تركوه . و لعل هذا يفسر حيرتهم في ما يبدو كأنه استكانة من الشعب السوداني و معايشة له لنظام رديئ يبادله الكره و عدم الاحترام . كما لا يعني ذلك أن الشعب السوداني يظن أن صلاحا و قبيله المثقف قد تخلوا عنه أو أنهم تجاهلوه ، فهو يعلم أنهم مغلولو اليد لجهة إنقاذه من الإنقاذ . فكلما يريده منهم ، في هذا الشأن ، أن يفهموا إنه أصبح يكتسب وعيا غير ما ألفوه عنه .
فعندما أخذ الإسلاميون السلطة في يونيو 1089 ، بقفاز عسكري ، لم يكن إنقلابا عاديا يحاول ، كغيره من الإنقلابات ، الزعم بأنه أتى لإحداث التنمية و تسهيل الحياة للشعب السوداني و إن أدعى ذلك في بداية أمره ، و إنما أعتقد الانقلابيون أن للشعب السوداني مشكلة مع السماء و هو يعرف حلها و الطريق إليها ، لذلك لم ير مفهموما لفكرة الوطن إلا داخل هذا الزعم . و هو ما قاد النظام ليعتقد أنه يفوق العالم أجمع باستعلائه بالإيمان ، و المسميات الإسلامية التي سادت حتى البصات و الترحيلات السفرية الإسلامية !!
في هذا الجو الغريب و البيئة الموتورة ، سحب النظام الدعم الذي كان يتوفر على الرعاية الصحية و التعليم . و هما البندان اللذان يبرران وجود أي دولة طبيعية ، و هما أيضا البندان اللذان يصنعان الطبقة الوسطى التي أضطلعت بحركة التغيير على طول التاريخ البشري . و ما كان ذلك كذلك دوما ، إلا لأن الطبقة الوسطى تملك شيئين مهمين : الطموح للتغيير ، و الوعي الضروري بقضايا التغيير . فالطبقة العليا لها وعي بقضايا التغيير في عمومها ، و لكن ليس لها الطموح في عمومها ، أيضا . فهي طبقة عليا ، فإلى أي شيئ تطمح أن تكون ؟ و أما الطبقة الدنيا ، فهي عكس أختها العليا ، لها الطموح للتغيير في عمومها ، و لكن ليس لها الوعي الضروري بقضايا التغيير في عمومها ، أيضا .
و لكن الطبقة الوسطى لم تختف كما تبادر إلى ذهن كثير من المثقفين ، ويسوقهم إلى قراءات عقيمة للواقع الذي يحاولون فهم مشاكله و ابتداع حلول له ، و إنما تغير شكلها و محتوها . و لقد جاء في مقال لنا ذي صلة :
"عندما تشتت الطبقة الوسطى ، قليل منها إلى أعلى وكثير منها إلى أدنى ، ظهر فراغ لحظي في المنطقة الوسطى . فلم يعد فيها بشر يمثلها كما كان ، و لا مفاهيم وسطى كما كانت ، لتجذب الأطراف إليها فيما يسمى بالنسيج الاجتماعي .. و لكن الطبيعة لا تقبل الفراغ ، بل لا تردد في تعطيل أهم قوانينها تفاديا لذلك الوحش الكوني الذي يسمى الفراغ ، فعبأته بفئات جديدة وتلك هي طبقتك الوسطى الجديدة .. و لكن ما هي هذه الفئات ؟؟ وما هو وعيها المسؤول عن إجرائها مجرى الكتلة الحرجة التي تزرع بذور التغيير ؟
كان التشريع العجيب المسئول من تغيير تركيبة الوعي في المتصل السياسي والاجتماعي في سودان الراهن ، هو سحب الدعم من قطاع الرعاية الصحية والتعليم حيث أصبحتا - كما صرح أحد المسئولين - دخلين إضافيين لخزينة الدولة !! ولكن هذين البندين - الصحة والتعليم - هما بندان عاجلان ملحان فوريان حاسمان ، و لهذا خرجت جموع الشعب السوداني المسحوب منها الدعم ، لتلبية هذين المطلبين فافترعت دروبا في الحياة غير مطروقة ولم تألفها من الماضي ، وهكذا ظهر الباعة المتجولون المتعلمون ، وسائقو الركشات والمواصلات العامة الاخرى ، وبائعات الشاي والأطعمة ، وأصحاب المهن القلقة .. إذن ، هذه هي طبقتك الوسطى الجديدة .. فما ظنك بها ؟؟
وفي حقيقة الأمر، ما جعل التعرف عليها عصيا ، أن سيمياءها لم تعد تعلوها تلك الملامح المطمئنة التي ميزت رصيفاتها السوابق ، بأنها آخر الشهر تستطيع أن تقابل احتياجاتها الملحة بكل أريحية ، و أن نمط حياتها لم يعد متناغما مع بعضه البعض كالذي ميز رصيفاتها السوابق ، بأنها في وظائفها الوسيطة تبلور لها وعي متشابه المآخذ ، ترجم بدوره سلوكا متشابها وتصرفات يمكن التنبؤ بها ، ومن ثم إجراءها مجرى الصالح العام . وهو ما عنيناه حين قلنا إن الطبقة الوسطى قد تغير شكلها كما تغير محتواها..
و لما كان الوعي هو الإبن الشرعي للتزاوج بين التجربة وخائضيها ، كذلك أنتجت تجربة الإنقاذ المريرة وعيها و وعي خائضيها .. فصار خائضوها يحملون وعيا ذا خصائص حاسمة لا مزاح فيها : إنه وعي فردي، و وعر، وعنيد ..
فأما فردي ، فلأن التجربة التي خاضها أحدهم لمقابلة الاحتياجات الملحة المتعلقة بالصحة والتعليم ، تختلف عن التجربة التي خاضها الاخر ومن هنا جاءت الفردنة .. و أما وعر ، فلأن التجربة التي خاضها لم تسبقها تجربة تلطفها.. وأما عنيد ، فلأنه غير مستعد للتنازل عنه لأنه أبقاه حيا إلى الآن !!
إذن، لتتمكن هذه الطبقة الوسطى من القيام بمسئوليتها التاريخية في قيادة حركة التغيير، علينا القيام بعملية تنغيم لتضاريس هذا الوعي ، ليصير وعيا جماعيا بدلا عن فردي ، ولدنا بدلا عن وعر، ومرنا بدلا عن عنيد .. وفي حقيقة الأمر، إن غياب هذا التنغيم هو السر في فتور تجاوب وتفاعل الشعب السوداني مع فئاته المخلصة التي نادت بالانتفاض وإسقاط النظام التحاقا بما يسمى الربيع العربي ..
في الواقع ، أنا لست مرتاحا ولعلني مستاء من دفع الشعب السوداني ليقتضي أثر الشعوب العربية لإسقاط النظام .. فلم ينل الشعب السوداني مقام الاستاذية على شعوب المنطقة إلا لتقديمه محاضرتين عن كيفية تغيير النظم السياسية في وقت كانت شعوب المنطقة تعيش ديجورا حلوكا .. كانت المحاضرة الأولى في اكتوبر 64 وكانت المحاضرة الثانية في أبريل 85 ، ولذلك هم الآن يقتفون أثرنا ، فالمرحلة التي نحن خارجون منها هم يا دوبك داخلون فيها . فقل لي ، بحق السماء ، كيف نطلب من من هو أمام ، أن يسير خلف الذين يسيرون خلفه ؟؟ إنه ، و ربي ، لشئ عجاب!! "
و ما نحب أن نوكد عليه في هذا المقال ، أن هذا الوعي ، الذي يتبلور رويدا رويدا في عقل و قلب الشعب السوداني ، لم يخرج من ماعون الأحزاب أو أي مكونات سياسية أخرى عاشت معه ، و هو ما جعل الحزب الحاكم يتهيب أصواته لذلك يسعى إلى تزويرها ما وسعه التزوير ، كما جعل الأحزاب تتهيب أصواته لذلك تسعى إلى مقاطعة الانتخابات ما وسعتها المقاطعة ( !! ) ، بحجة عدم نزاهة الحزب الحاكم ، و لا ندري لماذا يختارها الشعب في الانتخابات لو كان الحزب الحاكم نزيها من أصله !! . و لهذا لا يستطيع أحد في هذه الدنيا أن يزيف إرادة الشعب السوداني أو أن يخدعه مجددا . هذا من حيث إجباره على التصويت لمن لا يرغب فيه . أما من حيث تزوير أصواته ، و هذا متوقع ، فأن مشاركة عدد كبير من الناس في الانتخابات ، يجعل مهمة التزوير صعبة و يحد من قدرتها ، خصوصا أن الحزب الحاكم و الذين معه لم يعودوا جهة واحدة مصمتة .
في حقيقة الأمر ، ما يحزنني جدا ، أن الاستاذ صلاح شعيب يرى أنه لا يملك بديلا سوى المناداة بالتغيير بالطرق التي ألفها ، و لا يضع اعتبارا ، أو في الواقع هو غير مدرك ، لصنوف الوعي التي أصبحت تشكل إرادة ، و من ثم ، خيارات الشعب السوداني . فصلاح ما يزال يعتقد أن شرط خوض الانتخابات ، أن تكون نزيهة و عادلة ، و كأن الحزب الحاكم يمكن أن يكون عادلا و نزيها ( راجع مقالنا الفائت بعنوان "حوار مع صديقي الانتفاضي النبيل" ) . و أغرب من ذلك ، أن صلاحا ، يقول في ختام مقاله مثار غضبي : "خلاصة المقال أن بناء الأمم أمر شاق، ويحتاج إلى رجال ونساء دولة ذوي بال طويل، ومثابرة خلاقة في تحقيق التغيير في العقول أولا. ومخطئ من يظن أن ثلاثين عاما من فشل المعارضة في إسقاط نظام استبدادي تمثل معضلة بلا حل. فالبناء الوطني يستغرق قرونا عددا كما دلت التجربة البشرية، وهذا يتطلب من الذين ينشدون تحقيقه أن يعملوا أولا على معالجة الخلل العضوي في تركيباتنا السياسية الذي يتوسد بنية تاريخنا الوطني. ومتى ما عالجنا أزمات أحزابنا التنظيمية فإنها ستتمكن حتما من إحداث التغيير"
. فلماذا لا تعتقد ، يا عزيزي ، أن خوض الانتخابات يمكن أن يعتبر سيرا في هذا الاتجاه الطويييل ؟؟ و لماذا لا ترى أن الفوران و "الانفلات" الحزبي ، اللذين تحدثهما أجواء الانتخابات ، يؤديان بالضرورة إلى أن تنظر كل المكونات السياسية و المسلحة في خطابها الداخلي و الخارجي ، بما يشكل هزة مطلوبة للتربة السياسية الكلاسيكية و المستجدة ، و يؤديان ، أو في الحقيقة ، يساعدان على معالجة أزمات أحزابنا التنظيمية ، حتى تتأهل لنشوء مفاهيم جديدة جديرة بالتعبير عن هذا الشعب العظيم ؟؟ فلماذا ننتظر قرونا لبناء وطننا في الوقت الذي يمكن أن نبدأ فيه بالقليل الممكن ؟؟
و لعلني أذكر ، الآن ، كم أثار حنقي صلاح شعيب ، ذات يوم ، و هو يحتفي بأطروحة تافهة و طفولية ، أطلقها أحد الموهومين ، الذين ينادون بإعادة احتلال السودان حتى يستطيع المحتلون حل مشاكله ، و كأنهم ينتظرون دعوة منه، و كأنهم لا يردون له طلبا ، أو كأنهم لا هم لهم سوى الدخول في معافرة مع بيئات يمكن أن تكون معادية لوجودهم ، أو كأنه يريد أن يحتسي شايا و يستمتع بما يستمتع به في الوقت الذي يبني له الآخرون وطنه بدمائهم و عرقهم !!
عزيزي صلاح ، أتمنى أن تكف عن مثل هذه المجاملات الضارة ، و أن تفكر في كيفية مكافحة تزوير الانتخابات و حصرها في أضيق نطاق . و أن تدرك ، أيضا ، أن الأحزاب لا يمكن إصلاحها إلا بتسييل مفاهيمها و اختبارها لما تبقى لها من جماهير ، في التحرك تجاههم . و هي ، أيضا ، اختبار لما يعتقد أنهم جماهير الحزب الحاكم بفضحهم و خجلهم من هزال خطابهم ، فلن يستطيعوا الدفاع عن حماقات حزبهم . فبقليل من المجهود يمكن للتغيير أن يبدأ ، و يبنى عليه في المستقبل . و ستكون المحاضرة القادمة لأستاذ الشعوب هي في الانتخابات ، لأنه أدرك أن التغيير ، هذه المرة ، على المدى الطويل ، إنما هو انتخابي و ليس انتفاضيا . فلماذا ، إذن ، تريد لنا أن ننتظر قرونا ؟؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.