مع نهاية كل عام في وطننا السودان تحدث أشياء غير منطقية ومثيرة للجدل وخاصة في مجال المعيشة وأحوال العباد والسياسات والإستراتجيات. وكأنما يربطها قادة الحكم بأشياء مثيرة للجدل عالميا ومحليا. زيارة أردوغان الأخيرة للسودان في نهاية شهر ديسمبر في نهايات العام 2017 م أثارت الجدل والإنتقاد محليا وإقليميا. ويدل هذا الحدث على لعبة سياسية لصرف الأنظار وصناعة جلد جديد للدولة التي ولدت ساقطة ومنهارة. وكأنما هذا الكيان (يلعب) على حبال كثيرة وأصبحت هذه سمته وجوهر طموحاته. ففي صفقة عاصفة الحزم التي لعبت فيها الحكومة دور البطل الأول كان مهرا دفع لدول الخليج من أجل التقرب لها والإنعتاق من الحصار الأمريكي على السودان بحثا عن حل المشاكل الإقتصادية التي هي لب الموضوع والتي أصبحت عصية على الإقتصاديين بسبب الفساد المستشري في أوصال الدولة. وعندما انكشف للحكومة أن الدول الخليجية وأمريكا وصلوا لأهدافهم ولم ينل السودان شىء من شأنه أن يحسن الإقتصاد وينقذ الحكومة من الصراع الداخلي الذي هو أكثر عصفا من أمريكا لأنه الوحيد الذي يطيح بالحكومة ويجعلها بعيدة عن بريق ولمعان الكراسي عندما يهب الشعب ضدها. وفي هذه المرة غيرت وجهتها صوب روسيا نكاية بأمريكا ثم عمقت الصراع بدعوة عدو الجيران الخليجيين والأفارقة التركي الإسلامي أردوغان. هذا النظام الحاكم في السودان لا يكف عن إثارة الجدل. 

ليس هنالك ثمة إندهاش عندما ترى بعينيك دولة أو مؤسسة تمتد لأكثر من 27 عاما , ولا ترى من نتائج غير الغرابة والإندهاش. فراغ كبير يضع علامات الفشل والتخبط مع سبق الإصرار و(نشافة الرأس) على الأفق السياسي. هنالك فراغ في الدستور والتشريع , فراغ في التعليم والصحة , فراغ في الحرية والمعيشة , فراغ في التطور والرفاهية لم تصل الدولة إلى الرفاهية ولم تحقق الثبات على مبدأ. هذه الدولة ذات الخلفية الإسلامية القاتمة ربيبة الفكر الصراعي والحكم القسري.
بدأت مسيرتها الطويلة المملة بالطرق الغير شرعية التي هي أصلا تكرس لها أبدا , وتقلب في المبادىء في أنظمة الحكم (وتغيير الجلد) واستنساخ استراتيجيات هي في الأصل ربيبة الجسم الإسلامي المصادم. عقدة هذه الدولة مرتكزة على فلسفة الصراع والتفرقة نفس مضمون الفكر الإستعماري البريطاني (فرق تسد).
تتغير وتتلون حسب الوضع الراهن جذريا في مرتكزاتها الرئيسية. استراتيجياتها بنيت على فكر مصادم يحمل الكراهية لكل الخصوم والمنافسين. لكن من يقنع هؤلاء أن النجاح الذي ينشدون لن يقع أبدا لأن سياساتها تهمل رفاهية الشعب وخير الأمة , وتخطط لتغير خارطة الذهن وذاكرة وتواريخ الشعوب والأمم السودانية. من تريد هذه الدولة أن تحكم؟ هل تريد أن تحكم رعايا بلا ثقافة أو موروث ولا احترام؟ هي لا تريد السلام لأن في السلام المساءلة القانونية والمحاكم العادلة والنقد الصريح لكل الأخطاء. لن تفكر هذه الحكومة القائمة في السلام. ولكنها تواصل في سياسة إثارة الجدل لصرف أنظار الشعب وشغلهم بالمشاكل عن سوءات الوزارات وسياساتها المعدومة من أجل التطور. غياب الصدق والوطنية المنحازة للشعب والتضحية من أجل الوطن جعل ذلك من أتباع الدولة كأنهم غرباء يعملون لصالح دولة استعمارية تنهب خيرات البلد. حتى العقول الراشدة والعلماء والمتخصصون قد فارقوا أرض الوطن, وأصبح من الواضح أنه ليس هنالك مجال للحديث عن الوطن والوطنية , وضرب الإحباط جدران وقلب الوطن , وأصبح الصمت ميزة شنيعة تزين عقول الشباب , واستحال الشباب إلى الحاضر الغائب , حتى في مجال الفكر والطموحات وأحلام المستقبل.
هذا الفراغ الهائل والعظيم شكل ذهنية الأجيال الحاضرة من الشباب , هنالك عاملان صنعا أجيال جديدة غائبة الثقافة الموروثة وهما نظام الحكم القائم وثقافة الإغتراب والهجرة. هذه الدولة تعيش في عزلة وتخبط وكل ذلك بسبب الإخفاق الإقتصادي والسياسي والاستراتيجي. وهي تصر على طموحاتها المدمرة حتى ولو حكموا طوب أرض السودان وأشجارها.
وطن تكمن في باطن أرضه أنفس المعادن وعلى ظاهر أرضه خصوبة هائلة مهولة المساحات , سوف تُحاسب الأجيال السابقة واللاحقة على الإهمال والتخبط والصراع الفارغ من أجل الكراسي. عندما يصل كل مشارك في هذا الحكم إلى سن المعاش أو يقترب ويدنو عمرة من الموت سيحاسب نفسه ويعيش تعذيب الضمير إن وجد ولكن دون جدوى لأنه لا يعترف إلا إذا أراد أن يضرب منافسيه في السلطة لأجل هدف ذاتي , وحينها لا ينفع الندم لأن الله لا يغفر الذنوب عند الموت وألسن الناس لا تكف عن النقد والشتائم حتى بعد الموت.
هذا الوطن الغني والعظيم يحتاج لرجال متجردون شرفاء يحكمون بحكمة ومنطق ورؤية وديمقراطية واحترام للآخر وثقة. يحتاج لرجال يعمقون معاني وخصائص هذا الشعب العظيم في نظام الحكم. فقد أصبح صوت الأفارقة السود مسموعا في أكبر إمبراطورية عالمية وهي أمريكا ورغم انها تمارس السيطرة الرأسمالية والاستعمار الحديث على العالم , فعلى شبابنا ألا يتم إحباطهم فليرتفع صوتهم وتصمد عزائمهم حتى يصلوا للمبتغى.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.