عندما اشاهد مقدمي البرامج التلفزيونية وهم يتوشحون علم السودان , متحدثون عن مناسبة عيد الاستقلال بكثير من الاحتفاء و البشر و الترحاب , تخطر في بالي صورة النازح و الّلاجيء و المُهجّر من ابناء الوطن المنكوب , انها حالة من الفصام تعيشها اجهزتنا الاعلامية المسموعة والمرئية , فعندما تجول بناظريك حول شاشة قناة سودانية اربعة وعشرين , بجودة صورتها العالية , لن تخطر على ذهنك صور اكوام القمامة المنتشرة في طرقات مدينة الخرطوم , من شدة عظم المفارقة بين الصورتين , فعاصمة البلاد المحتفية بمرور اكثر من ستين عاماً على خروج المستعمر , وياليته لم يغادر , كانت هذه المدينة في عهده انموذج للاناقة و النظافة والخضرة و التشجير , تسعى الى اللحاق به العواصم الافريقية و العربية في تلك الحقبة من الزمان , وعلى ذات المستوى كانت عواصم الاقاليم , كوستي ومدني و الابيض وعطبرة وبورتسودان والفاشر , فما ان جاءت المسماة زوراً وبهتاناً بالحكومات الوطنية , حتى تم القضاء على كل معالم هذا الجمال , و ما يدعوا للسخرية و التهكم هو ذلك الصوت العالي والفاضح لرموز هذه الحكومات غير الوطنية , عندما يتحدثون عن بطولاتهم في طرد المستعمر و هزيمته , هاربين من حقيقة ان اصحاب العيون الزرق هؤلاء قد غادروا ارض السودان بمحض ارادتهم , في مشهد مكشوف سجلته كاميرات التلفزة آنذاك , حاملين امتعتهم على ظهر القطار الذي احاطت به حشود من جماهير الشعب السوداني , ولسان حالهم يقول : الى من تكلوننا ؟ الى عدو يتجهمنا ام الى (قريب) ملكتموه امرنا ؟ , لم تعكس وجوه المواطنين السودانيين الذين كانوا يعتلون جسر النفق , وهم يودعون المستعمر , أية حالة من حالات الفرح اوالبشر بمغادرة الغريب لارضهم , بل كان حالهم مثل حال الذي رحل عنه والداه فتركاه يحيا حياة اليتم و الشقاء من بعد رحيلهما , في حيرة و مأساة لا تندمل جراحها .
اليوم وانتم تحتفلون باعياد استقلال البلاد و جزء عزيز من تراب الوطن قد ذهب الى غير رجعة , و اجزاء اخرى ما زالت تمزقها الحروب و النزاعات , فعلى ماذا تفرحون وتهللون ؟ هل تقومون بكل هذه الاهازيج غبطة وسروراً لانكم قد وصلتم الى مرحلة الفاقة؟ , والفاقة كما تعلمون هي اكثر مراحل الفقر بؤساً , ام انكم تهتفون ترحاباً بمقدم ميزانية العام الجديد الكارثية , التي سوف تتضاعف بها اسعار السلع الاستهلاكية اليومية؟ , التي تمس مأكلكم ومشربكم وملبسكم وصحتكم وتعليم ابنائكم , ومن عجائب شعبنا المسكين وهو في ذروة بؤسه وشقائه , تجده يتفائل خيراً باكاذيب وتسويفات هذه الطغمة الفاسدة التي تحكمه بمنهاج الحديد و النار , أي استقلال هذا و انتم مستغلون من هذه الجماعة الباطشة والمستنزفة لمواردكم و خيرات بلادكم , ومن غرائب احوال ما يسمى بالحكومات الوطنية المتعاقبة على سدة الحكم في السودان , انها تقيم المهرجانات سنوياً ابتهاجاً باعياد جلاء الانجليز , وفي كل سنة من هذه السنوات يُقتطع جزء عزيز من ارض الوطن الحبيب , سواء جاء هذا الاقتطاع رغبةً من هذه الانظمة الفاشلة , او رهبةً وابتزازاً من الجار , كما هو الحال بالنسبة لمثلث حلايب , وبعد كل هذا التراخي و التنازل نقوم بتلقين النشأ عبارة : (هذه الارض لنا فاليعش سوداننا علماً بين الأمم) , الم اقل لكم اننا نعيش حالة من الفصام المستدام بين مجتمعنا و انظمتنا السياسية الحاكمة , كيف تصبح دولتنا علماً بين الأمم والفشقة في قبضة اثيوبيا , وسواكن وهبناها لتركيا , و دارفور وجنوب كردفان تسيران على درب الانفصال .
حُق لنا الاحتفاء بعيدنا الوطني اذا حافظنا على وحدة تراب الوطن , او في حال حققنا حد معقول من مستوى معيشي يرضي المواطن , اما اهمالنا للبنية التحتية للرافد الاساسي للنقل وهو السكك الحديدية , التي وضع لبنتها الاولى هذا المستعمر الذي نحتفي بذكرى تركه لادارة البلاد اليوم , فهذا هو الفشل وسوء المنقلب بعينه , لقد اضعنا مشروع الجزيرة الذي كان يمثل اكبر مشروع زراعي مروي بافريقيا , فمئات الاسر السودانية فقدت بفقده مصدر دخلها الاساسي , فضلاً عن انه كان يغزو السوق العالمية بانتاجه الغزير من القطن , مما كان عاملاً دافعاً بعجلة الدخل القومي للبلاد , لقد دمرنا النقل النهري ومصانع النسيج والكناف , فكيف لنا بهذه الجرأة التي تجعلنا نُسَوِّد عهد الرجل الاوروبي الذي جائنا بكل هذه المصانع و تلك الآليات , التي وظّفت كثير من افراد الشعب العاطلين عن العمل , وخلقت فرصاً للتأهيل و التدريب للمهندسين و التقنيين , فالناظر الى حطام هيكل مصنع النسيج السوداني ببحري , يصاب بالحسرة و الألم , اذ كيف سمح حكامنا لانفسهم بان يسهموا في تحطيم ممتلكات شعبهم بيدهم , فبعد كل هذا التخريب الذي طال بنية الاقتصاد التي اسس لها الانجليز , يأتينا منعدموا الضمير و الاخلاق , ليحدثوننا عن انه ما لان فرسان لنا بل شتتوا كتل الغزاة الباغية , في كوميديا سوداء ابانت لنا ان الطغاة و البغاة و الغزاة في حقيقة امرهم ما هم الا ابناء جلدتنا , وليسوا اولئك الذين قدموا الينا من وراء البحار , كما ظللنا نتوهم .
سوف نظل نحلم بوطن يسع الجميع , تدور فيه ماكينات الانتاج الزراعي والصناعي , و يعمل في مزارعه ومصانعه الصغار والكبار , منتشلون من قاع المدن والعواصم السودانية التي ضربتها العطالة والبطالة و المخدرات , فبلادنا غنية بموردها الطبيعي ولا يحتاج الفرد فيها ان يهاجر او يهجّر او ينزح ليبحث عن لقمة العيش في بلاد الآخرين , لكنها تصريفات الاقدار , أن جائت الينا بحكام اولى اولوياتهم استهداف وملاحقة المواطن وتجريمه , في انتهاكات واضحة لحقوقه الاساسية كانسان كفلت له قوانين السماء و الارض ان يعيش كغيره من الآدميين , في بيئة معافاة من الكبت و القهر و الاذلال و التجويع و المرض , فمن بعد اليوم لن ننشد معكم اهزوجتكم المشروخة برفع راية علم الاستقلال , الا بعد ان تُرفع الاثقال و الاحمال التي وضعتها انظمة البطش و الطغيان من على ظهر محمد احمد المسكين..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.