الطريق باتت سالكة الآن أمام الرئيس السوداني عمر البشير للترشح رسميا لولاية رئاسية جديدة لخمس سنوات ليصل عهده إلى ثلاتة وثلاثين عاما كاملة، فما مبارك ولا القذافي ولا صالح بأفضل منه.

لم يتعظ، وهو الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري عام 1989، بالمآلات المأسوية من حوله لبقاء رجل واحد وحزب واحد طوال هذه السنوات بعد أن تكون الشعارات اهترأت والمصداقية تلاشت والفساد ازداد والاستبداد استفحل.

أما السودان فباتت الطريق سالكة أمامه نحو مزيد من العزلة :

رئيس مطلوب للعدالة الدولية منذ أن أصدرت عام ٢٠٠٥ محكمة الجنايات الدولية مذكرة بتوقيفه بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وبلد مدرج منذ سنوات طويلة ضمن القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب. كما أن دولا عديدة، أبرزها الولايات المتحدة وبريطانيا إشترطتا، على ما سربته مصادر برلمانية سودانية، عدم ترشح البشير لولاية رئاسية جديدة للتخفيف من أعباء ديون البلد البالغة أكثر من أربعين مليار دولار.

كما لن يُسمح للسودان أن يكون شريكا في المطالبة برفع العقوبات عنه، ولن يسمح له بالمطالبة بالدعم التنموي الأوروبي. يحدث هذا في وقت يئن فيه الناس من أوضاع معيشية صعبة مع تراجع متواصل للجنيه السوداني أمام الدولار بطريقة جنونية: حين استلم البشير السلطة كان الدولار الأمريكي يساوي 12 جنيها سودانيا، وقتها قال أحد رفاقه إنه لولا ألطاف الله و"ثورة الإنقاذ" لوصل الدولار إلى 20 جنيها. تخيلوا اليوم أن الدولار الأمريكي يعادل تقريباً .. ٢٧ ألف جنيه !!!

رئيس استمر في الحكم تمانية وعشرون عاما ويطمع في المزيد مع أنه لم يضمن استمرار الوطن كما تسلمه ولا أمّن له ازدهارا ولا تنمية ولا عيشا كريما لمواطنيه ولا أمنا واستقرارا ولا صيتا دوليا.

أي واحدة من هذه العيوب كفيلة لوحدها بإسقاط أعتى رئيس إن اقترفها في فترة واحدة من فترات حكمه فكيف إن كانت مجتمعة ومتلاحقة تجر إحداها الأخرى. مع ذلك لا يشعر هذا المؤتمن على البلد بأي حرج وهو من يقودهم بكل «تألق» من فشل إلى آخر!

قد يقبل الناس بالتنمية والرفاه الاجتماعي والأمن حتى وإن كان ذلك كله مغمسا بذل الدكتاتورية، أما أن يفقدوا كل شيء مقابل لا شيء فهو ما لا يطاق، لا سيما عندما يتقدم المسؤول الأول عن كل هذه الكوارث المنفردة والمجتمعة ويرى نفسه الأكثر جدارة بــ«مواصلة المسيرة»!

حين تبحث في كل ما يقوله أنصار البشير الآن من محاولات التبرير لكل ذلك،

لن تجد أكثر من هذين التبريرين :

الأول: أن الرجل هو صمام الأمان لوحدة حزبه المؤتمر الوطني الحاكم.

والثاني أن الجيش لن يقبل بمرشح آخر للرئاسة من خارجه.

تبريران سقيمان وكل واحد منهما أسوأ من الثاني، لأنهما يعنيان في الأساس أن الرجل أمـّــن طوال حكمه من شبكات المصالح ما جعل الجيش والحزب سنديه الحقيقيين عوض أن يكون الشعب وما وفره له من مكاسب ملموسة،

مع أن التجارب أثبتت في الجوار السوداني، ودون البحث بعيدا عنه، أنه إذا خرجت الناس غاضبة لا تلوي على شيء، فلن يشفع لأعلى هرم الدولة لا الجيش ولا الحزب طبعا.

باختصار نحن نرى الآن رجلا واحدا،

مع كل ما يمثله من شبكات انتهازيين ومصالح،

يأخذ في وضح النهار بلدا كاملا رهينة،

محتميا به لإنقاذ رأسه من ملاحقة دولية لن يفلت منها.

إنه يحاول فقط تأخيرها …

فإما أن يأتي أجلها أو أجل الله.