( 1 )

قبل عدة أيام ذهبت مع إبنتي إلى سوقٍ بلندن ، يؤمه العديد من السودانيين ، لطبيعته التي تشبه الأسواق الشعبية حيث تتوفر فيه منتجات لدولٍ مختلفة . أجمل ما فيه الأريحية التي يتعامل بها الناس ، فتشعر كأنك في السوق الشعبي الخرطوم أو أمدرمان . انشغلت مع بائعٍ فاقترب منا شابٌ سوداني ، وبعد التحية بدأ يتجاذب أطراف الحديث مع ابنتي ، بعد مغادرتنا سألتني مستنكرة ( هل يمكن أن يُطرد أحدٌ من بلده ؟ ) ، فقد قال لها ذلك الشاب ، ربما على سبيل المجاملة والحرص على الإرتباط بالسودان ، أنه عليها أن تكثر من الذهاب إلى السودان ، فان تم طردها من هنا فستجد مكاناً تذهب إليه . قالت لي لقد جرح مشاعري لأنني لم أفكر يوماً في أن أحداً ما قد قد يرغمني على مغادرة بلدي ، كانت تتحدث بألمٍ فأدركت أنها مرت بتجربة قاسية ، أن يشعرك أحدٌ بانك ليست أصيلاً في بلدك الذي وُلدت ونشأت فيه وتشكلت عوالمك به .
ذكرتني هذه الحادثة موقف مشابه ، فقد جاءت سيدة سودانية لبريطانيا طالبةً حق اللجوء ، لم تعجبها أسئلة الموظف الذي صادف أنه أسود من أصولٍ كاريبية ، فقالت له أنها أتت بريطانيا ( لأسياد البلد ) و من الأفضل أن يحضر لها موظف أبيض ليكمل إجراءاتها . ثار الموظف ، كما روتْ لي ، وأصبح يتحدث بطريقةٍ أقرب للصراخ موضحاً لها أنه بريطاني وان هذه البلاد هي موطن أجداده ولا يعلم له وطناً آخر ، وأنه مستعد للموت لأجل بلده . لم تدرك تلك السيدة فداحة ما فعلت ، فالإنتماء للوطن هو إحدى ركائز الأمان التي تتوافر في حياة الإنسان ، وحولها تتشكل شخصيته وترتسم أحلامه ونظرته لنفسه وللعالم من حوله ، التشكيك في هذا الإنتماء يهز كيان الفرد ويحطِّم عالمه .
في مدارس انجلترا الإبتدائية يتم تدريس الأطفال ماهية القيم البريطانية الأربعة التي تمثِّل عنواناً للشعب البريطاني، وتتلخص في : الديموقراطية ، دور وأهمية القانون ، الإحترام والتسامح ، والحرية الفردية . تبدأ هوية الطفل في التشكُّل وهو يتعلم أنه جزءٌ من شعب يحترم تنوعه الثقافي والعرقي والديني ، ويتسامح مع إختلافات أفراده في إطارٍ من الحرية والديموقراطيةٍ ، لتتكامل أدوار مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية فتراقب وتوعي وتتدخل معاقبةً إن دعى الأمر ، لتطمئن أن كل فردٍ من مواطنيها يحيا وفق هذه القيم . لذلك ، عندما أثار الإعلام البريطاني قضية طلاب جامعة العلوم الطبية ذوي الأصول السودانية الذين انضموا لداعش ، تعالت أصوات سياسيين ومثقفين ومنظمات تنادي بضرورة إعادتهم إلى موطنهم بريطانيا ، والتعامل معهم وفقاً لهذه القيم ، فالمخطئ ، مهما عظُم جرمه ، يُحاسب لكن لا يُشكَّك في انتمائه لموطنه ولا يتم التخلِّي عنه .
مع ذلك ، لا تعتبر بريطانيا مجتمعاً مثالياً ، غير أن الشعوب تبحث عن المشتركات ، وتؤسس لإدارة إختلافاتها ، فتخلص إلى قيمٍ تتفق عليها لتحرسها بالدستور والقوانين في سعيها لخلق بيئةٍ من التفاهم والعيش المشترك .

( 2 )


الموقفان أعلاه يوضحان عدم إدراكٍ لمفهوم الإنتماء للوطن من قِبل الشاب والسيدة السودانيين ، وينظران لمعناه بزاويا تعبر عن أزمةٍ في تعاطينا مع المفهوم نفسه ، فالشاب يعتقد أنه مهما تطاول عهد إقامتك ببلد ما فأنت غريب عنه ولابد لك من العودة لوطنك الأصل لأنك قد ( تُطرد ) من مهجرك . برغم أنه هو نفسه قد يكون اكتسب الجنسية السودانية بسبب هجرة أجداده إلى السودان في وقتٍ ما ، فهو نتاج هجرة قديمة جعلته مواطن . وهنا تظهر جذور دعاوى الأصالة التي تظل أداةً للتمايز بين الناس . يتساوى في هذا الجانب غالب السودانيين ، فهناك دوماً غريب جاء متأخراً وعليه أن يحزم حقائبه استعداداً للمغادرة .
السيدة اللاجئة والتي ، ووفقاً لقوانين الهجرة البريطانية ، ستصبح مواطنة بريطانية بعد خمس أو على الأكثر عشرة سنوات ، تحمل الجنسية والجواز البريطانيين ، وتتمتع بكل حقوق المواطنة ، ويصير أبناؤها الذين ولدوا ونشأوا في دولة إفريقية رعايا لدولة أوروبية تدافع عن حقوقهم داخل وخارج أرضها . لكنها مع ذلك تنظر للكاريبي الذي قد يمثل الجيل الرابع لمهاجرين كغريبٍ تحرمه من صفة ( سيد البلد ) .
الفكرة نفسها فكرة السيد والتي تقابلها مفردة العبد، راسخة في وعي السودانيين ، فلا زال بعضنا يعيش بتقسيماتٍ إجتماعية تظل فيها حمولات العبيد والسراري حاضرة ، كظلال من ممارسات الرق في العهود القديمة . يقول في ذلك الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير الأسبق للحزب للحزب الشيوعي في كتابه ( علاقات الرق في المجتمع السوداني : النشأة ، السمات ، الاضمحلال ) في الصفحة السادسة عشر : ( عُوفي جسد المجتمع السوداني من علاقات مؤسسة الرق والاسترقاق في شكله الإجتماعي والاقتصادي الملموس . لكن مخلفاتها النفسية والثقافية والسلوكية تثقل كاهله ، ولا عزاء في أنها مخلفات الماضي . فرب مخلفات أشد وطأة من ضغوط الحاضر ) .
وطأة هذه المخلفات تبرز في نظرتنا للعالم من حولنا ، فنحن نصدِّر أزماتنا للعالم ونحاكم مواطنيه وفقاً لتصوراتنا ، ليظل الكاريبي مجرد عبدٌ في نظر السودانية اللاجئة .

( 3 )

الشعوب لا تستيقظ من نومها لتجد نفسها على رقعة أرضٍ فتسميها وطن ، تنتمي إليه وفقاً لتصورات أفرادها ، وتحدد معايير الإنتماء بناء على مصالح وأهواء بعض أفرادها . لكنها عملية طويلة تبدأ بالبناء على قيمٍ والتوافق على مشتركات تجيب على أسئلة من نحن وما الذي يجمعنا وكيف يمكن أن نخلق من هذه الأرض وطنٌ نجد فيه أنفسنا .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.