للتاريخ عجلة لا تمل الدوران فلا تبقى إمبراطورية لوحدها تقرر في شأن كل شي إلا وذهبت من مسرح الأحداث لتبقى متفرج في (مقاعد الاحتياط). ولم تقع نبوءة نهاية التاريخ بل إن عجلة التطور تقول أن هناك نهاية عظمى وهي القمة وبعدها انحدار إلى نهاية صغرى.

يحاول السيد ترامب أن يستجدي عجلة التطور التاريخي ولم يدرك أن (زمن الفوارس غار) . وقد شهدنا عصر التحولات ما لم تضع الولايات المتحدة رؤية كبيره تبسط أمامها كل الخيارات وتتعاون بصدق فإن أفعال ترامب ومعاونيه ستذهب أدراج الريح ويتبين لهم خطر ما قاموا به و استفزازهم كل العالم والوقوف خلف (القيم الأمريكية) حديثة التشكل مقارنة مع تواريخ الأمم والدول. في عالم يتجه بقوة نحو تحولات جيوسياسية في موازين القوى وصعود أقطاب جدد.
ووسط كل هذه المتغيرات كانت استراتيجية التوسعية ولم تراعي قواعد المجتمع الدولي بل أصدق ما يمكن قوله إننا نعيش في حاله (سيولة) وإعادة تشكل يحاول ترامب فيها أن يؤكد على وجود قطبية أحادية قادرة على توجيه النظام الدولي الذي انتهكت قواعد توازنه الاستراتيجي
في كل هذه التحولات على مستوى البيئة الخارجية المضطربة (المجتمع الدولي) والبيئة الداخلية (الولايات المتحدة) والتي تشهد حالة من (الارتباك الاستراتيجي) ومع ازدياد الصراعات الإقليمية. فإننا سنشهد تحولات كبيرة في مجالات عديدة كانت تبسط أمريكا يدها فيها وتتحكم في الحكومات والشعوب وتقهر من تشاء وترضى عن من يوالي سياستها التي أوشكت أن تنهي دورها في حسب التطور التاريخي الحتمي للإمبراطوريات القديمة التي (سادت ثم بادت).
وهكذا هي صيرورة السقوط الأمريكي القادم حسب دوران عجلة التاريخ التي تأبى أن ترضخ لدولة ما مهما أبدعت أو أنجزت من منجزات كبيرة فإن شعب ما أو دولة ما لن يبقوا في القمة إلى الأبد .
تحت رؤية الرئيس دونالد جون ترامب الإمبريالية صدرت وثيقة (استراتيجية الأمن القومي الأمريكي) تحمل شعار "اميركا أولا" وهي توضح النهج الأمريكي في السنوات القادمة وسبق دونالد ترامب هذه الاستراتيجية بإصداره أوامر تنفيذية عديدة مثيره للجدل واستهدف فيها كل من العرب والمسلمين والمكسيك والروس والصينين والكوريين والأوربيين وأعلن كل تضامنه مع إسرائيل وضمان أمنها بالإضافة إلى تطرقه لكثير من قضايا الداخل الأمريكي المليء بالعديد من الأزمات الماثلة أهمها التدخل في الانتخابات الأمريكية واستعادة الأعمال التي خرجت من السوق الأمريكي إلى دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي والحدود والمهاجرين وغيرها من قضايا حمل السلاح داخل المجتمعات الأمريكية .
تدور نقاشات كثيفة حول الدور الأمريكي المتراجع في عالم اليوم وارتخاء قبضتها القوية وقرار الاعتراف بالقدس كعاصمة لليهود ومحاولات إعادة إنتاج الإمبراطورية الأمريكية على نحو جديد.
جاءت الاستراتيجية تحمل عناوين كثيرة متناقضة واعتبرت أن الصين وروسيا أكبر مهدد للنفوذ الأمريكي وأنهما تعملان لإضعاف الدور الأمريكي عالميا ومنافسه النفوذ والمكتسبات والرفاه الأمريكي عبر إنشاء قوى عسكرية واقتصادية ضخمة وإدارة صراعات دولية ومنافسة القيم الامريكية.
يهدد السيد ترامب أن أمريكا سلتجأ للقوة لمواجهة هذا المد الجديد.
واستدركت الوثيقة أن القوة مقصود بها القوة الاقتصادية والتي تستخدم حتى الدول المتحالفة كأنهم مجرد أدوات ووسائل للمحافظة على مكتسباتها التاريخية والسياسية. وتعود إدارة الرئيس ترامب لتستدرك أنه يمكن بناء شراكات مع الصين وروسيا وهذا لم تقبله هاتين الدولتين المؤثرتين في الخارطة السياسية الدولية، وخرجت تصريحات مسؤولين منهم بأن ترامب يظن أن العالم لا يزال يعيش في "العصر الأمريكي" وتندد الصين وروسيا بهكذا استراتيجية للأمن القومي.
في محور آخر اعتبر أن (كوريا الشمالية وإيران) تهددان الأمن العالمي وأنهما يرعيان الإرهاب ويدعمان جماعات متطرفة وأن رد قاسي ينتظرهما لتهديدهما النفوذ الأمريكي كما أنهم يطوروا أسلحة نووية وبالستية وأن أمريكا لن تقف متفرجة ويمكنها أن تتخذ ما يمكن لها لردع دول المواجهة هذه.
في محور آخر حملت الإستراتيجية بعد داخلي حيث دعت إلى دعم النفوذ الأمريكي الدولي وممانعة أي دور معادي لها لتحجيمه وتحقيق مكسب جديد كما أنها ستعمل على خلق الوظائف وفتح الأسواق وستقف ضد الهجرة والإرهاب ومع حقوق الإنسان .
تهدف الاستراتيجية لبقاء أمريكا في القمة وإعادة إنتاج الأزمات في عصر جديد استمرارا لسياسات الهيمنة التي يندد بها كل أحرار العالم.
تجاهل الرئيس ترامب التأثير الروسي العالمي في مجال أمن المعلومات وتوسع نفوذها ناجم عن كثرة من يتربص بالنفوذ الأمريكي لذلك آثرت الإستراتيجية الجديدة أن تتحدث عن قضايا خارجية لكسب قضايا الداخل الأمريكي الذي يرى أن اهتمام الإدارات الأمريكية التي سبقته كلها كانت تضمن قضايا التحول المناخي ضمن أهدافها الاستراتيجية وتفرد لهذه القضية عدة كلمات ومجال لإظهار الاهتمام بها وتحدثت وثيقة ترامب عن خطر الاختراق الاكتروني وعن الإرهاب الذي وصفه بأنه تمارسه منظمات (الاسلام الرديكالي) وليسو المسلمين ودعا إلى الحوار والتعاون مع المعتدلين.
كما تجاهل قضايا التحول المناخي ولم تورد في الاستراتيجية على غرار أسلافه من الرؤوساء الذين اعتبروا أن قضيه التحول المناخي مهدد خطير وأن للولايات المتحدة دور مهم في الحفاظ على المناخ على اعتبار أن التحولات الأمريكية تقوم على أسس براغماتية وتحولت أمريكا إلى مصارع ومنازع لكل دول العالم بمختلف توجهاتها وأحلافها.
جمله ما يمكن قوله إن الاستراتيجية جاءت لتعيد أمريكا للصدارة بعد تراجع حاد وبروز قوى دولية صاعده منافسة لها. وإن النفوذ الأمريكي آخذ في الاضمحلال في السنوات القادمة القريبة. واختار الرئيس ترامب خيار مواجهة العالم كله بالقوة إذا كانت هناك قوى دولية تطمح إلى إنهاء النفوذ الأمريكي.
الملاحظ أن قرارات ترامب تجاه قضية القدس ومعاكسة كل حلفائه السابقين من عرب وأوروبيين وغيرهم لصالح إسرائيل واتخاذ قرار استخدام ورقة حق النقض في مجلس الأمن هو بداية لهذه المواجهة التي اختار لها طريقين هما تغريداته المثيرة للجدل على توتير و(قراراته التنفيذية) الأكثر إثارة للجدل.
على منحى آخر اتجه الرئيس ترامب إلى ادعاء أن الحماية الأمريكية لحلفائه العرب والأوروبيين والآسيويين يجب أن يدفعوا مبالغ خرافية عبارة عن (جزيه) تدفع من قبل تلك الحكومات التي تعيش تحت الحماية الأمريكية وتكون ثروات ضخمة جراء الحماية الأمنية والعسكرية التي تحمل عبئها.
استراتيجيه الرئيس ترامب تشير بما لا يدع مجالا للشك بأن (الإمبراطورية الأطلسية) شمسها في اتجاه الغروب وأن هذه الاستراتيجية هي استدراك خطير قبل أن تغرب شمسها ودعوة للمحافظة على هذا النفوذ الموشك على الأفول.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.