أمواج ناعمة

تتحمل النخب السياسية اليمنية مسؤولية تحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي عقيم، وليس ذلك فحسب بل رضيت هذه النخب أن تقوم بأدوار الوكلاء في حرب الكبار فيذيق بعضهم بأس بعض بينما يدفع شعبهم وحده فاتورة الحروب العبثية.. ومؤخرا دفع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح حياته ثمنا لهذه الحالة المستعصية ومن قبله زعماء وسياسيون دفعوا ثمن حياتهم وحرياتهم ومستقبلهم السياسي.

والحرب الحالية هي الحرب الثالثة في اليمن خلال الخمسة والخمسين عاما الماضية والعامل المشترك بين اثنين منها على الأقل، اصطراع قوى إقليمية عبر وكلاء يمنيين يفضي في نهاية المطاف إلى تدخل مباشر سافر.. وتعتبر الحرب الحالية الأعلى فاتورة.
ومثلما اعتقد جمال عبدالناصر قبل 55 عاما أن دخول مصر الحرب في اليمن نزهة؛ ظنت السعودية أن دخول الحرب الحالية لصالح حكومة هادي ضد ميليشيات الحوثي أيضا نزهة. ولذا سمّى التحالف بقيادة السعودية عملياته في اليمن في البداية "عاصفة الحزم" في الفترة بين 25 مارس و21 أبريل عام 2015 باعتبار أنها فترة كافية لتحقيق النصر والحسم عبر التدخل العسكري، القائم أساسا على غارات جوية ضد الحوثيين والرئيس السابق صالح المتحالف معهم. ولم تتمكن "عاصفة الحزم" من تدمير قوة الحوثيين، أو وقف تقدمهم نحو المحافظات الجنوبية، أو حتى إيقافهم من شن هجمات على الحدود اليمنية السعودية.
في الحرب اليمنية الأولى اصطرع السعوديون والمصريون صراعا داميا مما أثر سلبيا على حرب 1967 التي انتصرت فيها دولة الكيان الصهيوني على العرب.. ففي سبتمبر 1962، قرر الرئيس المصري - حينها - جمال عبدالناصر إرسال ثلاث طائرات حربية وفرقة صاعقة وسرية من مائة جندي إلى اليمن، في مهمة ظنها سهلة حينذاك بيد أن مؤرخين مصريين وصفوها فيما بعد بأنها فيتنام مصر لفداحة خسائرها البشرية. ووصل عدد القوات المصرية في اليمن إلى 55 ألف جندي موزعين على 13 لواء مشاة ملحقين بفرقة مدفعية، وفرقة دبابات والعديد من قوات الصاعقة وألوية المظلات. وكان التدخل بهدف ظاهري هو دعم أحد الأطراف اليمينية.
وفي المقابل بذل السعوديون للطرف المناوئ دعما سخيا لتجهيز القبائل اليمنية الموالية للملكيين بالسلاح، وتأجير المئات من المرتزقة الأوروبيين فضلا عن نشر بعض عناصر الحرس الوطني السعودي المقاتلة.
واستند عبدالناصر في تدخله في اليمن كذلك إلى مبررات بدت وجيهة ومنطقية وكانت للرجل سمعته المعروفة كرجل معادٍ للاستعمار وأعلن أنه يريد طرد البريطانيين من جنوب اليمن ومن ميناء عدن الإستراتيجي المطل على مضيق باب المندب. ونُسب إلى وزير الدفاع المصري حينئذ - المشير عبدالحكيم عامر - قوله إن وجود جمهورية على أرض اليمن أمر حيوي بالنسبة لمصر لضمان السيطرة على البحر الأحمر من قناة السويس إلى مضيق باب المندب.
بيد أن عوامل عديدة أخرى دفعت عبدالناصر لإرسال قواته إلى اليمن؛ ومن بين هذه الأسباب نظرته للحرب في اليمن على أنها وسيلة لكسب النقاط في صراعه مع النظام السعودي الذي اعتقد أنه سعى إلى فك الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961. ولذا أراد عبدالناصر عبر حرب اليمن استرجاع هيبته بعد انفصال سوريا، وتحقيق انتصار عسكري سريع وحاسم يمكن أن يرجع له قيادته للعالم العربي. في ذات الوقت تجاهل عبدالناصر رغبة السعودية في أن تصبح القوة المؤثرة في شبه الجزيرة العربية، وتعتبر وجود القوات المصرية تهديدًا لهذا النفوذ التي ظلت تمارسه على اليمن ودول الخليج الأخرى.
وقامت حرب اليمن آنذاك باعتبارها ثورة ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن والتي استمرت ثماني سنوات 1962 - 1970. وبدأت الحرب عقب انقلاب المشير عبدالله السلال على الإمام محمد البدر حميد الدين وإعلانه قيام الجمهورية في اليمن. وفرّ الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.