المستقبل ليس تنجيماً ولا قراءةً للطَّوالِع في الفناجين، إنَّه بأبسط تعريفاته ما سينتج عن مُمْكِنات الحاضر، أو هو النمو العضوي لكل ما هو قابل للحياة في الحاضر .. منذ أن بدأت عائدات النفط تتدفق على السودان، ثَمَّةَ من قرعوا الأجراس، حتى خُلِعَتْ ألْسِنَتُها الحديدية، مُحذِّرين من مغبة الإعتماد على النفط دون الإهتمام بتنمية القطاعات الإنتاجية في هذا البلد الذي يزخر بموارد وثروات طبيعية وبشرية هائلة، لكنَّ الصمم حال دون الإصغاء إليها .. وما كان الأمر يحتاج لقرع أجراس التحذير للإلتفات للحقائق والتجارب العلمية البسيطة في الإقتصاد لولا أنَّ النظام كان في شغلٍ بالأجندة السياسية الضيقة وهَوَسِ البقاء في الحكم وتحقيق المكاسب الذاتية الفورية الصغيرة، بدلاً عن استخدام مداخيل النفط في معالجات علمية وبرامج مدروسة تخاطب أهم عوامل الأزمة الإقتصادية، وهو العامل المتعلق بضعف الإنتاجية.

التدهور الكبير والمتسارع في قيمة العملة الوطنية، الذي حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما هو إلّا واحد من تمظهرات عجز نظام الإنقاذ وفشله في إدارة الشأن الإقتصادي - كما كلِّ الشؤون - بسبب استغراقه في تكتيكات البقاء في السلطة وإدارة الدولة بشعارات هتافية لا علاقة لها بما يُسمى علم المستقبليات وينعدم معها الحد الأدنى من التخطيط العلمي والإستراتيجية ويَحِلُّ التفكير الرغائبي وشهوة الإسقاط مكان الإستقراء العلمي والإحتكام للقرائن .. والإجراءات التي اعتمدها النظام - عبر لجنة رئاسية - لإيقاف تدهور العملة الوطنية ليست سوى محاولة يائسة وغير مجدية لتغطية عرض واحد من أعراض أزمة شاملة يعيشها الإقتصاد الوطني دون معالجة أسباب وجذور هذه الأزمة، وهو بذلك يبدو كمن يحاول إطفاء الظمأ بالشرب من سرابٍ يحسبه ماءً، بعد أن أضاع وقتاً ثميناً وفرصاً طيبة لاستثمار مداخيل النفط (التي تذهب بها أقلُّ التقديرات إلى ما يزيد على 70 مليار دولار) في بناء قواعد إنتاج حقيقية - في القطاعات المختلفة - تحمي العملة الوطنية من التدهور في قيمتها وتُقَلِّص مساحات الفقر ونِسَب البطالة وتُجنِّب البلاد حالة الإنكشاف الإقتصادي المريع التي تواجهها الآن وتهدد بانهيار كامل .. واقع الحال يقول أنَّ نظام الإنقاذ، في سعيه "لإنقاذ نفسه" من تبعات التآكل المستمر في قيمة العملة الوطنية، ينطبق عليه المثل الشهير "الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنْ" .. وحقيقة الأمر أنَّ "اللبن المسكوب" استقرَّ في بالوعة الفساد ومنظومة السياسات البائسة التي تُدار بها الدولة.

الأزمة السياسية في السودان هي مصدر الأزمة الإقتصادية المستفحلة فيه .. ولا يمكن تصور معالجة الأزمة الإقتصادية دون إعادة هيكلة البنيان الإقتصادي ليتحول من ريعي إلى إنتاجي تنموي لمصلحة كل السودانيين، خصوصاً الفقراء، بل لا سبيل لمعافاة الإقتصاد الوطني في وجود نظام الإنقاذ ببنيته الإستبدادية وانحيازه الطفيلي واعتماده سياسة التمكين الإقتصادي لمنسوبيه وإدارة الظهر للعدالة وضمان تكافوء الفرص بين الجميع، واستمرار الهدر الفادح للموارد العامة بسبب الفساد وسوء الإدارة وتركيز الصرف على الحرب والأمن وعلى الجهاز السياسي والإداري المترهل بلا جدوى، في المركز والولايات، كما أنَّ تجاوز الأزمة الإقتصادية في بلدٍ مثقلٍ بالديون يحتاج لمساعدة من المجتمع الدولي .. معالجة هذا الواقع لا تتطلب رؤية علمية وإرادة سياسية وحسب، وإنما تتطلب أيضاً إحساساً بمعاناة الشعب وحرصاً على مصالحه، فضلاً عن وجود قيادات تنفيذية - في كل المستويات - ذات معرفة وتأهيل وخبرة وبوصلة أخلاقية غير معطوبة، تحترم القانون ومبدأ الشفافية وتَعتبِر الوظيفة العامة تكليفاً وليست تشريفاً ومنفعة شخصية .. وغنيٌ عن القول أنَّ كلَّ ذلك مستحيل مع بقاء النظام ونهجه القائم على احتكار السلطة والثروة وإقصاء الآخرين وقمعهم، والإنفراد بصياغة المصير الوطني عبر سياساتٍ داخلية وخارجية أوغلت في التخبط وإنتاج الفشل.

يمكن وصف الميزانية العامة، التي تُقَدَّم في أية دولة، بأنها الأداة التي تُعَبِّر بها الحكومة عن رؤاها لمخاطبة مختلف القضايا في واقع السياسية والإقتصاد والمجتمع، وتُعَبِّر بها عن الأنموذج الذي تريد تطبيقه لخدمة شعبها .. من الواضح أنَّ نظام الإنقاذ لا يمتلك أية رؤية موضوعية، وأنه يستمدُّ أنموذجه "لخدمة شعبه" من سايكولوجيا الذئاب التي لا يَكُفُّ لُعَابُها عن السَّيَلان مهما اشتدَّت استغاثات ضحاياها .. كما يبدو واضحاً أنَّ النظام ليس لديه بدائل لمعالجة الأزمة الإقصادية، غير زيادة "إنتاجية" مطبعة أوراق العملة النقدية، وليس لديه ما يلوذ به غير التدابير الأمنية كما عبَّر عن ذلك رئيس برلمانه - قبل أسابيع قليلة - بإشارته إلى أنَّ النصيب الأكبر من ميزانية 2018 سيذهب لقطاع الأمن والدفاع لأنه "عمود نُصْ وشوكة تستوجب التقوية"، وكأنَّه بهذه الإشارة يتماهى مع توصيف إرنيست همنغواي لفشل الدولة حين قال: "أوَّلُ حَلٍّ تعتمده الدولة الفاشلة هو تخفيض العملة، الحل الثاني هو الحرب .. كلاهما يقدم انتعاشاً وقتياً زائفاً، وكلاهما يقدم خراباً دائماً" .. ذلك يعني أنَّ رئيس البرلمان ونظامه عازمون على التمادي في خطل السياسات التي لم تُزَكِّها مسيرة سنوات حكمهم العجاف، ويُصِرُّون على صَمِّ آذانهم عن سماع أصوات النَّاس المُتْعَبين المقهورين ولا يجدون ما يُقدِّمونه لهم - عبر الميزانية المرتقبة - غير بواعث اليأس والإحباط، ولا يَعِدونهم بغير المزيد من التعب والقهر.

يُحَاصِرون شعبهم باليأس ويظنون أنهم مانعتهم حصونهم وتدابيرهم الأمنية .. لكن عليهم أن يتذكروا مقولة الكاتب الفرنسي، البير كامو، للنَّازيين الذين حاصروا بلاده خلال الحرب العالمية الثانية: "لقد حاصرتمونا بشكلٍ خانق، لكنَّكم زوَّدتمونا بالسِّلاح الذي سنهزمكم به .. اليأس".


*صحيفة "أخبار الوطن" - 10 ديسمبر 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.