من أجل قيام دولة المؤسسات بالسودان: لابد من الضغط وبمختلف الوسائل على السياسيين الذين بلغوا سن ال60 عاماً للتقاعد .. بقلم: د/يوسف الطيب محمد توم/المحامى


بسم الله الرحمن الرحيم

قال عبدالرحمن الكواكبى فى سفره القيم:طبائع الإستبداد ومصارع العباد:(والمتأمل في حالة كل رئيس و مرؤوس يري كل سلطة الرئاسة تقوي و تضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس و زيادته).
وفى قولٍ أخر له:(ما هي الإرادة؟ هي أمّ الأخلاق، هي ما قيل في تعظيمها، لو جازت عبادة غير الله، لاختار العقلاء عبادة الإرادة).
كما هو معلوم للجميع ،فالقادة السياسيون الناجحون كما تؤكد التجارب الانسانية المعروفة، هم أولئك الذين نجحوا في مسارين هما مسار بناء الدولة، ومسار آخر مجاور أو موازٍ له وهو مسار بناء المستقبل السياسي للقائد نفسه، هذا التداخل بين المسارين يمكن أن نجده لدى القادة الناجحين الذين تمكنوا من بناء الدولة وبناء التجربة السياسية الذاتية لهم، فنجح هؤلاء بمعالجة المسارين المذكورين في وقت واحد،مما مكنهم من إحداث طفرات كبيرة وفى جميع المجالات فى بلدانهم.
والتجارب البشرية تذخر بأمثلة كثيرة يمكن أن نوردها في هذا المجال، منها على سبيل المثال لا الحصر:تجربة غاندي في بناء الدولة الهندية وفي الوقت نفسه بنائه لشخصيته السياسية المتميزة، وصار كلا البنائين أو المسارين متداخلين مع بعضهما وداعميْن أحدهما للآخر، فنجاح القائد في وضع الأسس الصحيحة لبناء الدولة وتطوير العوامل التي تصب في هذا الاتجاه، أصبح داعما لبناء الحاضر والمستقبل السياسي للقائد نفسه،وهذا بلا ريب جعل الهند من الدول ذات الديمقراطيات العريقة،بل تبز بديمقراطيتها دولاً أوربية لها السبق فى هذا المجال،فالهنود أصبحوا يحترمون اللُعبة السياسية،لمعرفتهم بأن دولة المؤسسات ودولة القانون هى التى تكفل لهم حقوقهم السياسية والاقتصادية وفوق هذا توفر لهم العدالة الاجتماعية خاصة فى التعيين فى الوظيفة العامة،عكس ماهو يحدث الأن فى دولٍ كثيرة لا تعرف شئ يسمى العدالة الاجتماعية و السودان قطعاً ليس إستثناءاً.
ويمكننا أن نأخذ مثالاً أخر يعتبر أيقونة الشعوب الأفريقية التى تتوق للحرية والديمقراطية وسيادة حكم القانون ،ألا وهو الزعيم والمناضل مانديلا، فهو قائد مكافح قضى القسم الأكبر من نضاله السياسي ليس في السلطة والتمتع بمزاياها، وإنما في الكفاح المشرّف ضد العنصرية، وقد قضى ما يقرب من ثلاثة عقود في السجن، ومن داخله كان يواصل النضال وقيادة الشعب وبعد تحقيق الانتصار الناجز على النظام العنصري في جنوب أفريقيا، ثبّت مانديلا أركان الدولة القوية التي كان يسعى لبنائها منذ أيام النضال الأولى وعلى مدى تاريخه النضالي، لقد نجح منذ بواكير تجربته السياسية في الدمج بين نجاحين هما بناء الدولة وبناء الشخصية السياسية الناجحة، لذلك نلاحظ أن مانديلا استثمر نشاطه في بناء الدولة ولم يفرط في هذه الفرصة كونه القائد المحنك والسياسي المخلص لأمته قبل أن يفكر بنفسه أو مصالحه الضيقة.عكس ماهو منتشر الأن فى معظم الدول الأفريقية ولتى هى الأن بعيدة كل البعد عن دول المؤسسات فيعتمد الحكم فيها على القبضة الأمنية ،وإرهاب المواطنين على القبول بالأمر الواقع ،بالرغم من سلبهم حرياتهم فى إختيار الرئيس الذى يحقق لهم رغباتهم وتطلعاتهم.
لا تفوت على فطنة القارئ الحصيف،بأننى ذكرت نموذجين لشخصيتين أعمارهما تجاوزت العمر الذى حددناه فى عنوان المقال أعلاه،ولكن السبب فى ذلك أن هولاء العظماء ،قضوا جزءاً كبيراً من أعمارهم فى السجون،ولم يجدوا الوقت الكافى للعمل السياسى ،وعندما وجدوا بعض الوقت مع شعوبهم ،أنجزوا الكثير والعظيم لصالح شعوبهم ومازال هذا الانجاز العظيم تتغنى به شعوب العالم الثالث عامةً وشعبى الهند وجنوب أفريقيا خاصةً، وللمقارنة بما هو يحدث فى السودان الأن من ضياع الفرص الكثيرة والمتتالية لبناء دولة المؤسسات فى وطننا الحبيب ، والسبب الرئيسى الأول هو إنشغال القادة السياسيين بمصالحهم الذاتية والمحافظة على السلطة، وإهمال بناء الدولة ، لذلك فإن المسؤول عن ضياع فرص بناء الدولة هم الساسة جميعاً (من غير إستثناء) العاملين في المجال السياسي.
فالتجربة السياسية لقادة الأحزاب السودانية أنفسهم،كانت وماتزال فاشلة وأعنى بذلك الذين مايزالون على قيد الحياة وقد بلغوا من الكبر عتيا،(معظمهم أكثر من 70سنة)ولا يريدون مغادرة كرسى رئاسة الحزب أو الحكومة، فهؤلاء خسروا أنفسهم أولاً ثم ثانياً فوتوا الفرصة على الشعب السودانى لبناء دولته على أسس حديثة يسودها العدل والحرية والمساواة بين جميع أفراد الشعب السودانى الكريم ،وهذا يعتبر من أول أهداف السياسى الناجح،ولكن للأسف الشديد،نجد أن السياسى السودانى درج على التركيز على الوصول لسدة الحكم فحسب،والتحصن بالمنصب من أجل المال والإمتيازات،وضرب ببناء الدولة وقيام دولة المؤسسات عرض الحائط.
الأن يوجد فى السودان سياسى يسعى الى السلطة ،وأخر يسعى لبناء الدولة،فالأول لا يعبأ كثيراً ببناء الدولة وفى كل المجالات ،همه الأوحد هو الحصول على الامتيازات والتشبث بالسلطة،اما النوع الأخر والذى يسعى لبناء الدولة وإسعاد شعبه،فلا يجد فرصة مثل الأول لأسبابٍ كثيرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:عدم وعى الشعوب بحقوقها وخاصةً حريتها فى إختيار السياسى المناسب لإدارة الدولة بنجاح،وأيضاً التعصب القبلى الذى لا يميز بين الحق والباطل،ويفضل إبن القبيلة الأمى على الرجل المتعلم والذى له معرفة واسعة فى دروب الحياة السياسية والاقتصادية وغيرها،وشتان ما بين هذا النوع وذاك.
إوبكل صدق وتجرد وطننا الحبيب الأن: فى حاجةٍ ماسة إلى رجل الدولة وليس بحاجة إلى دولة الرجل الذي غادرها العالم منذ عشرات السياسيين، والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة :أين الخلل الذى أدى لعدم مواكبة السودان للطفرات السياسية والاقتصادية وغيرها،والتى حدثت فى دول نالت إستقلالها بعد السودان بسنوات عديدة،هل الخلل من السياسيين؟أم من الشعب؟أم من الإثنين معاً؟
وقبل ختم المقال لابد من وجود أليات للضغط على السياسيين السودانيين الذين بلغت أعمارهم أكثر من ستين عاماً،لكى يتنازلوا عن مناصبهم الحزبية والحكومية،وذلك حتى يفسحوا المجال لغيرهم لمن هم أصغر منهم سناً،لكى يحدثوا نقلة فى العمل السياسى وفى دواوين الحكومة ،وياحبذا لو بدأت هذه الحملة بواسطة الصحف المقروءة وجميع وسائل التواصل الإجتماعى ،ووسائل الإعلام الأخرى من أجل إجبار هولاء على التقاعد،ونسأل الله الكريم ،أن تكون ضربة البدأية للتخلى عن رئاسة الحزب والتقاعد ، تكون بالرئيس عمر البشير،الإمام الصادق المهدى،السيد محمد عثمان الميرغنى،محمد الخطيب وكل قادة الأحزاب السودانية الذين تجاوزت أعمارهم سن الستين عاماً.
وماذلك على الله بعزيز
د/يوسف الطيب محمدتوم/المحامى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.