دُهِش الناس من وصول رجل مدني يعمل بالتجارة الى رتبة الفريق بالقوات المسلحة السودانية , يقود تلك القوات ذائعة الصيت , الموكول اليها مهام مكافحة التمرد بغربي السودان , مما جعل الكثيرين من ضباط القوات المسلحة السابقين والحاضرين , يمتعضون من هذا الترقي السريع والكبير لتاجر الابل الذي ضل طريقه الى الجندية , متجاهلين فشل المؤسسة العسكرية السودانية , في التصدي لكل التمردات التي انفجرت في البلاد , تلك الحركات الثورية المطالبة بازالة التهميش والظلم المؤسس , الواقع على مجتمعاتها ردحاً من الزمان , لقد كانت الانظمة المركزية في حربها ضد حركات التمرد الجنوبية , قد اعتمدت ايضاً على استخدام مواطنين من ابناء جنوب السودان كمضاد لتلك التمردات , وفي الغالب الاعم يكون دافع هؤلاء المواطنون للوقوف امام مد الحركات المطلبية لاخوانهم الذين تربطهم بهم ذات الجغرافيا , هو الصراع الداخلي و البيني , وهذا الصراع قد يتمثل في التنافس حول الموارد المحلية بين الرعاة و المزارعين , او بين العرقيات المتباينة , في السعي لاحتكار الاراضي و توسعة النفوذ القبلي , فمثل هذا الغبن يجعل البعض يركلون بارجلهم طوباوية مباديء الوطنيين الذين يحلمون بتطبيق الأسس الدستورية , و مباديء الديمقراطية , والتعاطي الايجابي مع قضايا الصراع المدني والسياسي , في مجتمع ما تزال غالبيته العظمى لم تخرج من الوعاء القبلي والاثني , فيعملون على تحقيق اهدافهم القصيرة الاجل في الحصول على مكاسب قبائلية في اطار اقاليمهم و مناطقهم.

إنّ تأسيس وبناء الدولة الوطنية , ليس بالأمر السهل بالنظر الى الحالة السودانية , وما اضمحلال المؤسسة العسكرية واختزالها في مجموعات قبائلية , الا دليل على فشل الانظمة السياسية المتعاقبة في عملية هذا البناء , وهذا الخلل هو خلل كلي وليس جزئي , بمعنى انه ليس محصوراً في مؤسسة الجيش وحدها , بل طال حتى المؤسسات المدنية الاخرى , من اجهزة تنفيذية و تشريعية ورقابية , فحتمية اطلالة ظاهرة حميدتي على مسرح الحياة العسكرية في البلاد شيء بديهي الحدوث , كنتيجة طبيعية لسوء الممارسات الادراية لمجموعة من الافندية , ترك لهم المستعمر مسئولية ادارة دولة كبيرة ومتنوعة في مكونها ومكوناتها مثل السودان , وهذا القصور المؤسسي جائت تفاصيله في الكتاب الاسود , الذي حوى احصائات وبيانات مأخوذة من دولاب الدولة نفسها , قام باعدادها مجموعة من الكتاب المحسوبين على حزب المؤتمر الشعبي , ابان المفاصلة الشهيرة بين الانقاذيين , وانه ليس من الضروري النظر الى دوافع الذين أتوا بتلك الارقام التي لم تكذب , بل الاكثر ضرورة هو عدم اهمال تلك الحقائق برميها في سلة المهملات , لان اهلنا دائماً ما يضربون لنا مثلاً شعبياً شائعاً , عندما نهاب قسوة وعثاء طريق الحق المفضي الى مصلحتنا , فيقولون لنا (اسمع النصح الذي يبكيك ولا تسمع المزاح الذي يضحكك) , فتلك الدراسة الاحصائية الدقيقة , كانت وما تزال هي البلسم الشافي لأزمة الوطن , فلو أن القائمين على امر ادارة البلاد اخذوها بساعد الجد , واستوعبوها في معالجة هذا الداء العضال , الذي اقعد أمتنا السودانية عن النهوض , لكنا اليوم نرفل في نعمة من الخير و الرفاه الاقتصادي.

فاضت مواعين الاسافير السودانية و منابرها الحوارية , بالموضوعات التهكمية عن حميدتي , في حين ان التهكم هذا يجب ان يكون موجهاً لمن يحتمون خلف ظهر الرجل , اذ ان الحضور الدائم للرجل في قضايا الصراع المسلح في السودان , ليس له فيه من خيار , فهو وغيره قد قذفت بهم رياح العاصفة التي ضربت سفينة المنظومة الحاكمة , فاذا لم يكن حميدتي في هذا الموقع , فسيكون احمد اوحاج احمد آخر , فلماذا استمراء طعن ظل الفيل ؟ , لماذا لا ننظر الى الازمة من زواياها العديدة ؟ , خاصةً زاوية اختلال ميزان العدالة في الدولة السودانية , مساحات شاسعة وواسعة من الارض المكتسية بالمحاصيل الزراعية المتنوعة , و الغابات المثمرة , والثروات الحيوانية المعتمدة على المراعي الطبيعية , اضافة لاكتناز باطن ذات الارض بالذهب و الفضة , و اليورانيوم و النحاس و البترول , كل هذا الغنى ودولتنا تتسول وتمد يدها لدى دول لم تكن الاكثر منا غنىً , ولكن رعى قيادتها ابناؤها الوطنيون الذين انحازوا لخدمة شعبهم , وسهروا الليالي من اجل ان يتبوئوا صدر المحافل الدولية , لقد ضربت الانانية باطنابها في نفوس ابناء السودان الحالمين بغدٍ افضل , فالحسد و العنصرية و تغليب كفة جهة على أُخرى وقبيلة على قبيلة , اصبح هو الديدن و المسبار الذي يوصل الناس الى اعالي المراتب في زمان الانقاذ.

عندما اطالع الكاريكاتيرات و الموضوعات الساخرة حول ظاهرة حميدتي , في مواقع التواصل الاجتماعي السودانية , أستشعر مدى ضعف المعارضة السودانية المنوط بها تغيير الحال الى احسنه , فانحسار دور الرجل المنافح و المكافح من اجل التغيير , في تأليف النكتة والطرفة المفضية الى المؤانسة , لن يخدم قضية الوطن , لانه بذلك ومن حيث لا يدري يعمل على إطالة عمر المنظومة المتجبرة والقابضة على رقاب الناس , بتحويل و تحوير القضايا الجادة الى مجرد موضوعات ورسومات انصرافية , يتنفس عبرها المقهور و يخدر بها نفسه حتى ينام هذه الليلة ليستقبل صباح اليوم التالي وما تزال المأساة هي المأساة , هكذا قضينا ثلاثون عاماً الا قليلاً , نحوِّل مأساتنا الى قصص للتسلية , نعالج بها جراحاتنا الغائرة باسلوب هزلي , ينبيء عن صعفنا و قلة حيلتنا وهواننا على الناس.

هذه الظاهرة التي نحن بصددها لا تمثل سوى انعكاس للازمة المستعصية , التي لازمت الوطن منذ خروج البريطانيين منه , فعلى الحادبين على مستقبل وحدة ورفاهية بلادنا , ان ينتقلوا من مربع الأنس و المؤانسة , الى حلبة الصراع الحقيقي , لانه ومن المؤكد ان مشجع لعبة كرة القدم يقضي سنى عمره في هذه المهنة, ولن يستطيع ارضاء شغفه بحب المستديرة الا من خلال مشاهدة اقدام الاخرين , ونحن ما زلنا جالسين على مدرجات المشاهدين , حاملين الوية العلم التي منحتنا لها مؤسسات التعليم العالي , من اجازات علمية في علوم السياسة والاستراتيجيات العسكرية , مع اكتفائنا بمشاهدة اللاعب ميسي , أقصد حميدتي , وهو يصول ويجول يمنة ويسرة , ونحن نلوح له بهذه (الكرتونة) مشجعين تارة و مثبطين تارات أُخَرْ , عاجزين وغير قادرين على فعل شيء , سوى ابداعنا في فنون الكاريكاتور برسم هذا اللاعب..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.