يتأبط المناضل سلاحه وينبري إلى سوح القتال وفي جعبته هدف واحد: (إما النصر أو الشهادة)، والنصر هنا على إطلاقه يعني النجاح وبلوغ الغاية وتبيلغ الرسالة وجني ثمارها، والشهادة التي تعني غياب الإنسان عن الوجود قد لا تعني – بالضرورة - نهايته لطالما هو قد أوفى بمبادئه وقناعاته؛ ذلك هو ديدن الثوار والمناضلين على مدار التاريخ الإنساني. وقد قال من قبل ملك إشبيلة (المعتمد بن عباد) الذي عندما وقع في أسر أعدائه:

ما سرتُ قط إلى القتال ** وكان من أملي الرجوع
بدأ وزراء خارجية دول السودان، إثيوبيا وكينيا خلال الفترة السابقة في قيادة (برنامج ماكوكي) شمل مدن (جوهانسبيرج، الخرطوم وجوبا) في محاولة لإنقاذ جنوب السودان من الوقوع في براثن التدخل الدولي بعد أن بدأت لهجة الإدارة الأمريكية تزداد حدة وجدّية ملوّحة بيد من حديد ومبدية نيتها في حسم الصراع في جنوب السودان بالطريقة (المزاجية الأمريكية) إن لم يتوصل الرئيس كير إلى التواثق على صيغة توافقية ومرضية لكافة الأطراف المعارضة تتكّفل بإيقاف الحرب وعودة الدولة إلى مسارها الصحيح.
وبغض النظر عن أن مثل هذه الخطوة تمثل رؤية جديدة ومهمة في إدارة ملف الحرب الأهلية في الدولة المأزومة من عدمها، فإنه لا يلوح في الأفق بصيص أمل في وصول الوزراء الثلاثة ومن بعدهم المجتمع الدولي إلى خرق في هذا الملف، فالحكومة في جنوب السودان في الوقت الراهن تدير حروباً ضارية في أكثر من جبهة: حرب مع المعارضة المسلحة بكافة مجموعاتها وفصائلها، وحرب خفية مع الأمم المتحدة برفض وجود قوات دولية تحت مسوّغ حماية المواطنين من الهجمات التي تشنّها الأطراف المتصارعة، وحرب أخرى تحاول جوبا إخفائها (ببلاهة) وهي (الحرب الإقتصادية) التي ضربت الدولة في مقتل جرّاء النقص الحاد في المواد الغذائية والصرف البذخي على (التسليح)، وفساد كبار المسئولين بتهريب الأموال إلى البنوك الخارجية، والتضخم الذي أقعد البلاد عن ركب التنمية وأوصلها إلى (الخانة الصفرية) بمعايير النمو الإقتصادي، وحرب رابعة – أقل وطأة – مع الجنرال فول ملونق (الإبن العاق لمجتمع الدينكا) - أو كما بدأ يقول بذلك المقرّبون من سلفا كير.
وقد يقول قائل إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تتّجه في نهاية الأمر إلى إصدار مذكرة شديدة اللهجة تدعو إلى تنحي الحكومة، كل الحكومة؛ وعندئذ لن تتنحى الحكومة، بل ستزداد وتيرة الحرب بصورة أكثر وحشية من ذي قبل، فالممسكون على حكم دولة الجنوب إستطاب لهم المقام وأغرتهم مباهج السلطة، وإتخذوا الدكتاتورية نهجاً للحكم بعد أن تمّ منحهم الضوء الأخضر من قبل الإدارة الأمريكية السابقة.
لكن قريباً من هذا الحديث، فإن هناك فرص كثيرة أضاعها من قبل الدكتور ريك مشار وتحديداً في فترته القصيرة في جوبا (أبريل – يوليو 2016م)، والدكتور مشار الرجل الأكاديمي والمثقّف وحامل أرفع الدرجات العلمية (دكتوراة)، يعلم علم اليقين أن السيد سلفا كير يكنّ له العداء السافر، ليس غيرة علمية، وإنما منافسة في كرسي الحكم، وأحسب أنه كان يعلم أن ذهابه إلى جوبا محفوف بالمخاطر وأن المقام لن يهنأ له بمعية 1700 جندي يقومون بحراسته في منطقة (روك سيتي) غربي العاصمة جوبا، ومع ذلك ذهب مشار يحمل نعشه بيديه والمجتمع الدولي ينظر إلى الأمر (بعين مغمضة وأخرى مفتوحة) إنتظاراً لنبأ (إغتيال مشار) على أيدي زبانية سلفا كير رئيس (محفل أعيان الدينكا) الماسوني.
حدث هذا، وكل التكهنات كانت تشير إلى (الكماشة) التي يُقاد إليها (مشار)، ولمّا لم يقع السيناريو المُعَدّ بذات دقة التخطيط له، كتب القدر عمراً جديداً لمشار، مما أوغر في صدر الحكومة أمراً وأدخل المجتمع الدولي في ورطة جديدة، ورطة إسمها (كيف التخلص من مشار). لكن مشار – بحسب أنصاره – رجل مختار لقيادة الدولة الجنوبية بدليل نجاته بأعجوبة من القوات الحكومية والميليشيات المؤتمرة بأمرها ومرتزقة (شركة بلاك ووتر) ووصل بسلام إلى أراضي الكنغو بعد 40 يوماً سيراً على الأقدام.
أقول، إن الدكتور مشار قد إستنفد كل فرصه التي كان يمكن إستغلالها وإستثمارها رغم أنف حكومة كير ومتآمري المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي، وكان بإمكانه – مشار – التلاعب على أمور دقيقة ليصنع منها تاريخاً عظيماً، تاريخ شخصي له كزعيم، وتاريخ آخر لدولة إسمها جنوب السودان. وأقول أيضاً إن أول فرص مشار الذي وجد نفسه فجأة (كبش فداء) عقب إتفاق التهدئة، تتمثّل في موقف واحد لو إتخذه في ذلك الوقت لخرجت الدولة الوليدة من أزمتها، أو لأصبحت الأمور على غير ما هي عليه الآن. فكان بإمكانه عقب وصوله إلى جوبا مخاطبة المواطنين من داخل (القصر الرئاسي) والتنازل عن منصب النائب الأول للرئيس لأيّ من قيادات المعارضة، على أن يكون هو بشخصيته الإعتبارية (مراقب وضامن ومرجعية) لتنفيذ سير الإتفاق وجداولها الزمنية، وإحراج المتربصين به بالإعلان أن سلامته الشخصية ستكون بيد الحكومة، وهذه خطوة مهمة - لو تمت وقتها - لإرسال رسائل واضحة إلى كل المكونات الإجتماعية في الدولة التي جعلتها الحرب تعيش حالة من الإستقطاب القبلي والإحتقان وعدم الثقة بالآخر .. الآخر الذي إلى يقف في الجانب البعيد لائذاً بقبيلته وإنتمائه الإثني. وما أكثر هؤلاء في حكومة السيد كير !!
كان بإمكان مشار أيضاً مفاجأة جوبا بالزهد في المنصب، وبخاصةً وأن الحكومة عمدت إلى الإستخفاف به منذ أول يوم لوصوله جوبا في أبريل 2016م برفض إستقباله بصورة رسمية ولائقة به كنائب أول للرئيس، والإكتفاء بإرسال الأمين العام للحركة الشعبية، وهو شاب صغير سن وتجربة حلّ محل السيد (فاقان أموم) في المنصب، إستكمالاً لمشروع (مجلس جينق) الداعي إلى سيطرة القبيلة الواحدة على الحزب والدولة.
وعموماً في حال أصرّ المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي على إحياء الإتفاق بإرجاع مشار إلى منصبه، فإن التاريخ سيعيد نفسه وبذات المشاهد المحزنة والمآسي التي صاغها الجنوبيون بأسنة الرماح. وإن قبل مشار بهذا، فعليه وعلى من بقي معه (السلام في الخالدين).
وأقول هذا والأخبار هذه الأيام تحمل نذر مؤامرة تُحاك خيوطها في خفايا ودهاليز السياسة في الدولة الوليدة بضرورة التخلص من مشار وتصفيته جسدياً من مقر إقامته في جنوب أفريقيا، في محاولة للوقوف أمام أية خطوة يُراد بها الإتيان به كفاعل مُهِم في الساحة السياسية بجنوب السودان خلال المرحلة المقبلة. وهو الموقف الذي لم تُحسِن الحكومة قراءته، إذ أن غياب الدكتور مشار لا يعني بأي حال من الأحوال حل الأزمة من جذورها أو حتى تهدئة مؤقتة للحرب الأهلية المشتعلة، بقدر ما أنه صب المزيد من الزيت على (هشيم) ظل يتّقد من ديسمبر 2013م.
و... اللهم اجعلني متفائلاً.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.